
حين يتعلَّق الأمر بإمكانيات معرفة ذواتنا، فإنّ الطرق إلى ذلك ربَّما تكون متشعّبة ومتنوّعة، تشعّب المذاهب والفلسفات وتعدّدها. لكن على ما في ذلك التعدد والتشعب يمكن أن نجد طريقين: 1) معرفة الذات لذاتها، من طريق الوعي بالذات، أو تأمل الذات بواسطة الذات لا من خارجها؛ 2) معرفة الذات بوساطة الآخرين ومن خلالهم، أو تحقق الوعي من خلال الآخر. لربّما أفرز الطريق الأول قدراً من الفهم الذي يجعلنا مدركين ملكاتنا الخاصة وقدرتنا على فهم العالم من حولنا، في حين أنّ الطريق الثاني أسهم في قدرتنا على إدراك قيمة وجود الآخرين بالنسبة إلى ذواتنا، مهما كانت العلاقة التي تربطنا بهم أو تحدِّد وجودنا قياساً إليهم.
لكنّ المشكلة الكبرى التي يمكن أن نتساءل عنها في علاقة بمفهوم "الذات"، يمكن صياغته من خلال السؤال التالي: هل ثمّة "ذاتٌ" أصيلة وجوهريّة يمكن أن نعرّف بها أنفسنا؟ الحقيقة أنّ هذا السؤال مغرض في طرحه؛ لأنّه لا توجد ذات بهذا المعنى، ولا جدوى من طرح مثل هذا السؤال، لكننا نجد أنّ أكثر الحضارات اليوم إنّما تفرغ ما لديها من إمكانيات من أجل تقديم جواب على هذا السؤال، فهل نحن أخطأنا الطريق؟ الجواب، بمنتهى البساطة، نحن لم نخطئ الطريق لكنَّنا نشقه في طريق المتوهَّم والمتخيَّل، رغبة منا في أن نجد أرض الذَّات "الإلدورادو الذاتي" الذي نكون فيه نسخاً أصيلة عن "ذات متخيَّلة".
الذات هي نتاج نظام خطاب اجتماعيّ، واقتصاديّ، وسياسيّ، وجنسيّ... إلخ، وهي تحدِّدُ وضعنا، اليوم، قياساً إلى "الآخر"؛ بمعنى أنّ كلّ محاولة للبحث عن ذواتنا في الزمن الماضي، تنتهي إلى اكتشاف ذوات أخرى غريبة عنَّا كليًّا، أنتجت ضمن شروطها الخاصة التي تختلف عن شروطنا. ومن ناحية أخرى يمكن القول إنّ كلّ ذات هي تجسيدٌ لمكنوناتها الخاصة ضمن أفق تاريخي يختلف كلّيًا عن سائر الذوات. وعليها أن تسعى جاهدة إلى مقاومة أشكال الخطاب كلّها التي تحاول تقييدها ضمن قالب جاهز ومسبق بما يجعل من هويّتها المسموح بها، هي الهوية المفروضة اجتماعيًا وثقافيًّا.
المقاومة ضرورية لما يفصح عنه خطاب التقييد والحظر والمنع، ولا يمكن أن تكون الذات ذاتاً ما لم تقاوم. يمكن القول إنّ المقاومة بمعناها الأوسع هي مقاومة أساليب الحظر والمنع التي تتجلَّى من خلال الخطاب، وتجعلنا غير قادرين على الانفكاك من أسر عملية "الإنتاج" التي تجعلنا حلقة ضمن مسلسل من القيم الاجتماعية التي يعيد بعضها بعضاً في حركة لا نهائية، وعلى العكس من ذلك يصير الأمر مقبولًا متى استطعنا مقاومة هذه الخطابات السائلة التي تتسلَّل شيئًا فشيئًا إلى أقصى نطاقات الحميمية في وجودنا الإنساني.
لكن إذا كان الاختلاف والتعدُّد عاملًا حاسمًا في وجودنا كذوات، فهل معنى ذلك أنّه ليس لدينا ما نتشاركه؟ ليس القصد، ههنا، أن نقول إنّ كلّ إنسان يعيش في قفصه الخاص، ولا القول إنَّنا سجناء داخل ذواتنا، لكنْ ما يجعلنا "ذوات للإنسانية" هو أن نقرّ بأنّ ما يهمُّنا هو أن ندرك "هشاشة" هذا الوجود الإنساني، من خلال إدراكها في دواخلنا، وفهم ما تعنيه بالنسبة إلى الآخرين. إنّ الآخرين البعيدين حاضرون في تجاربنا الخاصة لما يطبع ذواتهم من "الهشاشة" التي تعبِّر عن نمط وجود عام، لا يخصّ فئة من دون أخرى. ولأنّنا نعيش هذه الهشاشة الأصلية في وجودنا يمكن أن نقرّ حينها بأنّ ما ندّعيه من تفوُّق على الآخر ما هو إلا محض وهم.
الوضع الإنساني وضع هشّ، وشرط استمراريته تكمن في قبول هذا الضعف الأصلي الذي لا يمكن التغلّب عليه. لا سبيل إلى مقاومة "هشاشتنا" و"ضعفنا"، ولربّما تذرّعنا بآلاف الأسباب، وحاولنا آلاف السنين أن نزوّد أنفسنا بما يمكِّننا من مقاومته، وفي مسارنا ذاك تناسينا أنّه لا سبيل إلى مجابهة هذا الضعف الأصلي إلا من خلال الآخرين وبوساطتهم، إنّهم ليسوا فقط ذوات أخرى بعيدة وقصيّة، ولكنّهم وحدهم السّند في مجابهة ضعفنا الأصلي وهشاشتنا المطلقة.
مهما كانت القوة التي اكتسبناها في تاريخ تطوّرنا إلا أنّها تزيد من هوامش ضعفنا وليست سببًا للحدّ منه. هذا المسار التاريخي الحافل بالإنجازات، حافل أيضًا بالكوارث والحروب وأشكال الإبادة. لا يمكن أن يتغنّى الإنسان بإنجازاته فقط، بل ينبغي أن يُذكّر نفسه بإخفاقاته وبكبواته، لربّما تلك هي أصدق اللحظات التي تذكّرنا بمدى هشاشتنا الداخلية وتسمح لنا بأن نعود إلى إنسانيتنا، إنّها أشبه ما تكون برحلة عوليس إلى إيتاكا بعد حرب طروادة، إنّ المعاناة الحقيقية أتته بعد الفوز بالحرب، إنّه أمام لعنة طاردتْه يمكن أن نتخيّل كما لو كانت لعنة "الهشاشة" الإنسانية، تلك التي يدرك معها المرء أنّه لا فوز ولا خسارة.
يتباهى الإنسان بإنجازات ليست ـ في الحقيقة ـ سوى محاولات بائسة للتستر على هشاشته؛ فالعلم الذي نسجنا بوساطته الحضارة، والتقنية التي اختصرت المسافات، لم تفعل شيئًا سوى أنّها كشفت عن مساحة جديدة من النقص الذي لا يمكن رتقه؛ فكلما أضفنا لبنة إلى صرح قوتنا، اهتزت الأرض من تحت أقدامنا، مذكّرة إيّانا بأننا مهما بلغنا من العلو، سنبقى مجرد كائنات هشة، آيلة للسقوط. هذه الهشاشة هي مصدرنا المشترك، وهي ما يربطنا ببعضنا البعض في خيط خفيّ لا تراه الأعين، ولكن تدركه القلوب.
إذا كانت الهشاشة هي النقطة التي نلتقي عندها، فإنّ الآخر هو المرآة التي نرى فيها هشاشتنا. ففي مواجهة الآخر تتلاشى أوهام التفوق والقوة، ونكتشف أننا لسنا سوى نسخ مختلفة من الوجود الهشّ نفسه. إنّه ليس مجرد كائن منفصل عنّا، بل هو جزء منّا، وهو الوجه الآخر من عملة وجودنا. من خلاله نتعلم أن نقبل ضعفنا، ونكفّ عن البحث عن قوة مزعومة، وأن نتصالح مع حقيقة أننا نوجد ونتعايش من خلال هشاشتنا المشتركة.
في الأخير، يكمن جوهر الإنسانية في هذا القبول، قبول أننا لسنا كاملين، وأنّ وجودنا ليس حصنًا منيعًا، بل بناءً رقيقًا مهددًا بالانهيار في أيّ لحظة. الإنسانية الحقيقية ليست في إخفاء هشاشتنا أو التستر عليها، بل في الكشف عنها، وفي مدّ يد العون للآخرين الذين يشاركوننا الخوف نفسه والأمل نفسه، لأنّه في هذه المشاركة يكمن الخلاص الوحيد من وهم التفرد، وبها نجد أنفسنا، لا في نسخ أصيلة مزعومة، بل في مرآة الآخر التي تعكس حقيقتنا العارية.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9_1_3.jpg.webp?itok=6SxxGstd)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%8A_%D8%B3%D9%86%D8%A7%D8%B1-%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%AF_%D8%B9%D8%A8%D8%A7%D8%B3.jpg.webp?itok=8CTlRjMJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/724158446_122130177477154944_7628977075908430200_n.jpg.webp?itok=VrIHF1DT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/nhj_4_1_0.jpg.webp?itok=kmavJWBY)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A_0_1_4_0.jpg.webp?itok=ZtSgI9Dk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%84%D9%86%D8%AF%D8%A7_0_0_0_0.jpg.webp?itok=xcb0CJSf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_3_1_0_2_0_0_1_0_1.jpg.webp?itok=g6wDAP5i)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%88%D8%A7%D8%A1%20%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D8%A1%20%D8%A8%D9%86%20%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%83_2.jpg.webp?itok=8oiGqW89)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%A8%D8%A7%D9%85%D8%A7_2_0.jpg.webp?itok=YZq101_0)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_132_0_2_1.jpg.webp?itok=5pmY_-AE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/144_1.jpg.webp?itok=7-35tSaW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7_3_2_3.jpg.webp?itok=wGnFVh_c)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82_102_0_1.jpg.webp?itok=0khZilrZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_10_1.jpeg.webp?itok=NWckZXvy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_23.jpg.webp?itok=psAtISEJ)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/shutterstock_691088758_0_1.jpg.webp?itok=J3_6oJup)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B1%D8%AF%D9%86_22_12_0.jpg.webp?itok=1Hy2d7Fm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%867_2_0_0.jpg.webp?itok=KAB_cJlS)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_89.png.webp?itok=7-WgJd8p)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)