
هاني سالم مسهور
المشهد لا يحتاج إلى كثير من التفسيرات. فقد قررت الولايات المتحدة الأميركية، بعد حرب الـ39 يومًا على إيران، الانتقال عمليًا إلى سياسة فصل الساحات. وتبدو الإدارة الأميركية أكثر اقتناعًا بضرورة فصل هذه الأذرع، باعتبارها مصدر القوة المتقدمة للحرس الثوري الإيراني، والتي أثبتت التجربة أنها تمثل امتداده العملياتي في المنطقة.
ومن هنا تحديدًا، ينبغي النظر إلى أن الولايات المتحدة، مع بداية الهدنة، دعمت مسار التفاوض الإسرائيلي – اللبناني بهدف تحييد حزب الله عن إيران، ويعني الوصول إلى توقيع الاتفاق الإطاري، في الواقع السياسي، أن عملية فصل حزب الله عن إيران قد بدأت بالفعل، لكنها لا تزال تتطلب معالجات إضافية، في مقدمتها تمكين سلطة الدولة اللبنانية من بسط سيادتها على كامل أراضيها.
قد يكون هذا هو المدخل لاستيعاب التطورات في اليمن، وإن كانت جماعة الحوثي تحاول دائمًا تقديم صورة عن استقلاليتها عن إيران. فقد كسرت إيران الحظر الجوي السعودي على صنعاء، وهذا هو المتغير الذي كسر المعادلة اليمنية. فاليمن، عمليًا، كان يتمتع بهامش من الاستقلالية منذ هزيمة الحرس الثوري الإيراني في العاصمة الجنوبية عدن عام 2015، وقد شكّلت عملية تحرير عدن نقطة تحول مفصلية، إذ أخرجت الإيرانيين من دائرة التأثير في الجنوب، وأبقت نفوذهم محصورًا في المحافظات الشمالية الخاضعة لسيطرة الحوثيين.
بعد أن أُوقفت عملية “الرمح الذهبي”، التي خاضتها ألوية العمالقة الجنوبية بدعم من القوات الإماراتية لتحرير مدينة الحديدة في يناير/كانون الثاني 2017، في أعقاب مقتل الصحافي جمال خاشقجي، رسمت تلك الحرب خرائط النفوذ والقوة على الأرض. وهي الخرائط التي دفعت الرياض لاحقًا على الذهاب إلى الهدنة مع جماعة الحوثيين في أبريل/نيسان 2023، بعد أن نجحت الإمارات في استعادة المديريات في أبين وشبوة، التي تعرضت لعملية تسليم من جماعة الإخوان إلى الحوثيين ضمن سياسات المكايدة للمجلس الانتقالي الجنوبي الذي كان يرسخ أعمدته في الجنوب.
المنعطف الأهم أن رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، عيدروس الزبيدي، دفع بحزمة من القرارات داخل مجلس القيادة الرئاسي، اقتضت نقل المؤسسات السيادية إلى عدن، وفقًا لقرارات مجلس الأمن الدولي، التي اعتبرت عدن العاصمة المؤقتة للجمهورية. وكان لزامًا، تبعًا لذلك، نقل البنك المركزي، وهيئة الطيران المدني، والأصول العسكرية من صنعاء إلى عدن.
وقد دفعت هذه السياسات زعيم الحوثيين إلى إطلاق تهديدات مباشرة ضد السعودية، متوعدًا بـ”البنك بالبنك، والمطار بالمطار”، في موقف عكس حدة التوتر، وأظهر بوضوح حجم الاهتزاز الذي أصاب الهدنة السعودية – الحوثية.
كان كل هذا التصادم السياسي العنيف يحدث في وقت كانت فيه جماعة الحوثي تُظهر جانبًا ظلّ مخفيًا لسنوات، ولم يتجلَّ بوضوح إلا بعد هجوم حركة حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. وقد شكّل ذلك نقطة تحول عميقة في مسار الجماعة، إذ نقلها من إطارها المحلي إلى مستوى الاشتباك الإقليمي، بعد أن ظل الصراع، وفق التصور السعودي، يُقدَّم على أنه نزاع على السلطة داخل اليمن، وأن الرياض قادرة على إعادة ترتيب البيت اليمني وفق رؤيتها التقليدية التي تنظر إلى اليمن بوصفه حديقتها الخلفية.
المفاجأة أن عملية إسناد حماس، التي جاء تأثيرها محدودًا من حزب الله اللبناني، وشبه منعدم من إيران، قابلها الحوثيون بما هو أبعد من إطلاق الصواريخ الباليستية بعيدة المدى، إذ دخلوا في اشتباك عسكري بحري مباشر مع الولايات المتحدة، في سابقة تُعد الأولى من نوعها منذ الحرب العالمية الثانية.
وفيما شهد جنوب البحر الأحمر مواجهات عسكرية متصاعدة، وجد هذا المسار منفذًا عبر النافذة العُمانية، التي نجحت في التوصل إلى تفاهم أمريكي – حوثي، رغم إغراق الجماعة عددًا من السفن التجارية، لتنتهي المواجهة بحصول الحوثيين على صفقة سياسية كبيرة.
حاولت السعودية تفكيك القضية الجنوبية بداية من قصف المكلا في ديسمبر 2025 ضمن ترتيبات التوافق مع الحوثيين، وفق مسار ما سُمّي بـ”خارطة الطريق” الأممية، لتأتي لحظة كبرى في مسار فصل الساحات، بما فيها الساحة اليمنية، وتضع الرياض أمام استحقاق سياسي طالما سعت إلى تجنبه. فكسر إيران للحصار الجوي السعودي المفروض على مناطق سيطرة الحوثيين، ثم التحدي الذي أظهرته الجماعة بوصولها إلى إطلاق النار على المقاتلات السعودية، كشفا حقيقة أن السياسة السعودية، التي تمسكت بالهدنة لسنوات، كانت تهدف أساسًا إلى منع الحوثيين من تكرار استهداف العصب الاقتصادي للمملكة، كما حدث في الهجمات التي طالت منشآت أرامكو.
غير أن التطورات الأخيرة أظهرت أن الهدنة لم تنهِ التهديد، وإنما جمّدته مؤقتًا، وأن الجماعة استثمرت سنوات التهدئة في إعادة بناء قدراتها العسكرية وتعزيز ارتباطها بإيران، قبل أن تعود لتختبر قواعد الاشتباك من جديد، في رسالة مفادها أن أي تسوية لا تعالج جذور الأزمة اليمنية، ولا تعيد تعريف موازين القوة على الأرض، ستظل تسوية مؤقتة قابلة للانهيار عند أول اختبار.
كان الرهان السعودي يقوم على فرضية أن الوقت سيُضعف الحوثيين، وأن الهدنة ستقود الجماعة تدريجيًا إلى التحول من تنظيم عقائدي إلى طرف سياسي يمكن استيعابه داخل معادلة الدولة اليمنية. غير أن ما حدث كان معاكسًا تمامًا. فالجماعة تعاملت مع الهدنة باعتبارها فرصة لإعادة بناء قوتها، وتطوير ترسانتها، وإعادة تنظيم خطوط إمدادها، وتعزيز ارتباطها بطهران. لم تكن الهدنة، في نظر الحوثيين، طريقًا إلى السلام، وإنما فترة لإعادة التموضع استعدادًا لجولة جديدة من الصراع.
قبل أكثر من عشرين عامًا، كان التحذير يدور حول أن إدارة الحوثيين بسياسة الاحتواء، لا بسياسة الحسم، ستنتج كيانًا مسلحًا خارج سلطة الدولة، يشبه في بنيته السياسية والعسكرية النموذج الكوري الشمالي. دولة تمتلك جيشًا، وصواريخ، واقتصاد حرب، وخطابًا عقائديًا، ولا تعترف بقواعد النظام الإقليمي. ما كان يُنظر إليه آنذاك بوصفه مبالغة في التقدير، أصبح اليوم واقعًا يتشكل أمام أعين الجميع. الحوثيون لم يعودوا مجرد جماعة يمنية، وإنما تحولوا إلى قوة عسكرية تمتلك قدرة على تهديد الملاحة الدولية، واستهداف العمق السعودي، والاشتباك المباشر مع الولايات المتحدة، واستقبال الجسر الجوي الإيراني، من دون أن تستطيع الدولة اليمنية أو الإقليم فرض إرادتهما عليها.
لهذا تبدو سياسة فصل الساحات اعترافًا ضمنيًا بأن مرحلة إعادة عقارب الساعة إلى الوراء انتهت. لم يعد السؤال كيف يُهزم الحوثيون، وإنما كيف يُمنع تمددهم خارج حدود اليمن، وكيف يُفصل ارتباطهم بالمشروع الإيراني، مع التسليم بأن الجماعة أصبحت أمرًا واقعًا لا يمكن تجاوزه بالقوة العسكرية وحدها. إنها السياسة نفسها التي تُطبَّق في لبنان، وتستعد للانتقال إلى العراق؛ تقليص النفوذ الإيراني، مع التعامل مع القوى المحلية باعتبارها حقائق قائمة، لا يمكن محوها بقرار سياسي.
الشرق الأوسط لا يكتب تاريخه بالأمنيات، وإنما بنتائج السياسات. وما جرى في اليمن ليس وليد الأشهر الماضية، ولا نتاج حرب التسعة والثلاثين يومًا، وإنما حصيلة عقدين من الحسابات الخاطئة، والمبادرات المؤجلة، وسياسات الاسترضاء التي ظنت أن شراء الوقت يساوي صناعة السلام. الزمن أثبت العكس. فكل سنة مرت من دون حسم كانت تضيف طبقة جديدة إلى المشروع الحوثي، حتى أصبح كيانًا يصعب تفكيكه، تمامًا كما حدث مع كوريا الشمالية في شرق آسيا.
العرب

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A%20996_0_3_3.jpg.webp?itok=lMfan2Bz)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%A7%D9%87%D8%B1_7_0_1_0_0.jpg.webp?itok=QNlhhKWY)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B3%D9%86_6_2_0_7_0_0.jpg.webp?itok=AW7q4dcB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_10_1_1.jpeg.webp?itok=0RYjyFXI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A4_3_0_0_2_0.jpg.webp?itok=VpqPRWkI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A72_5_0_2.jpg.webp?itok=YGUlqInh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%84%D8%A3%D9%8A%D8%AF%D9%8A%D9%88%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%8A%D8%A9%20_0_2_1_0_0.jpg.webp?itok=zKerIkYv)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86_38_0_0.jpg.webp?itok=jLj-Bn1y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%A6%D8%A7%D8%B3%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%83%D9%88%D9%85%D8%A9_0_0.jpg.webp?itok=L1S6eekS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_3_1_0_2_0_0_1_0_3.jpg.webp?itok=xVE89XIG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%8688_0_3_1_7_2_0.jpg.webp?itok=KsUddOOW)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/ZJ1m9LNTV-4FDGvzquwEV3srIpx4zIBNruDRcvcNfO1NMBTtSbigJu6RWhs2Ve3Lza4rhfA-_ZzFR0z0mlliFv2PzsjwVkuWBOlP893R3NAR7C3etNBzEXOdcrNy_uqsTiEXM0jH1BjwRexZVuSe0cWgs7D23OrjKjBAdUrxowfO58V2P61hPNFHrZ8EA9s7.jpg.webp?itok=qvWozWYE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%84%D9%8A%D8%B4%D9%8A%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D8%AD%D8%A9_0_3_2_4.jpg.webp?itok=qRVy56IE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D8%A1_3_1_3.jpg.webp?itok=KE0VCaW3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/sBDCydvI1zOBZQidDOfpRQWqxkPOPcm-ol6OGc58PWIJwWgMqLATf3Kf_8ciWHNkrVsabwhqFTOO7vEoPI3BZrkWYpNmGLje0HZdLU9q5DaHPJOsx_qL35g5cjK-oHho8FJkYAtV_TAWwA5rsfBk_6UT0xZn0rgrGZComiZc1hJ49zNDQhY8wWSR-A4Yx6Ga.jpg.webp?itok=E89txo07)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%A7%D9%83%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86_22.jpg.webp?itok=d0zAs0_H)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%A7%D8%B1%D9%81%D9%88%D8%B1_3.jpg.webp?itok=wrsAg3D5)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/hrmz_1_0_5_1.jpg.webp?itok=TKlST296)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_17.png.webp?itok=d_X72sea)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)