
في قسم الأطفال بمستشفى النصر بمدينة غزة تمدّ الطفلة حنين (عمرها عامان) يدها الصغيرة لوالدتها، وقد بدا وجهها شاحباً، وعيونها تدمع، وجلدها مغطى ببقع حمراء منتفخة، وهي تئن من حرارة مرتفعة وسعال لا ينقطع.
تقول سمر مطير (29 عاماً) والدة الطفلة: "لم تكن هذه مجرد نزلة برد عابرة، بل تم تشخيصها من قبل الأطباء بمرض الحصبة، وهو مرض اختفى تقريباً من العالم منذ سنوات بفضل اللقاحات، لكنّه عاد إلى غزة تحت وطأة الحرب والحصار".
ووفقاً لتقرير صادر عن منظمة الصحة العالمية، هناك عدد من العوامل التي أسهمت في انتشار وتفشي الأمراض المعدية والأوبئة في قطاع غزة، ومن أبرز هذه العوامل الازدحام الشديد في مناطق النزوح الذي يرفع من احتمالية انتقال العدوى بين الأفراد، وانهيار شبكات الصرف الصحي، وتلوث مياه الشرب، وما صاحب ذلك من انتشار الأمراض المنقولة بالمياه مثل الكوليرا، وسوء التغذية، وغياب الرعاية الصحية.
ووفقاً لتقارير دولية ومحلية، يُعدّ التهاب الكبد الوبائي (أ) من أكثر الأمراض المعدية تفشياً بين النازحين في غزة، فقد أفادت بيانات الأمم المتحدة بتسجيل (40) ألف حالة منذ بداية الحرب مقارنة بـ (85) حالة فقط قبل الحرب بعام.
وتتفشى في القطاع مجاعة حادة ناجمة عن الحصار المشدد وإغلاق سلطات الاحتلال الإسرائيلي المعابر كافة منذ 2 آذار (مارس) الماضي، وتمنع بموجب ذلك إدخال المساعدات الإنسانية والبضائع التجارية، حتى بات الحصول على وجبة طعام بالنسبة إلى الأغلبية من بين زهاء مليونين و(200) ألف فلسطيني مهمة يومية شاقة ومعقدة.
عودة أمراض من الماضي
تضيف مطير: "حنين كانت بصحة جيدة، وحصلت على تطعيمات أولية، لكن منذ بدأ العدوان على غزة، هربنا من بيتنا في حي الزيتون إلى حى الرمال بغزة، ولم نكمل جدول التطعيم، وقبل أيام وبشكل مفاجئ بدأت حرارتها بالارتفاع ووصلت إلى (40) درجة مئوية، يليها طفح جلدي، وسعال جاف ومؤلم، واحمرار بالعينين، وفقدان الشهية".
وتوضح: "في البداية قلنا إنّها نزلة برد، لكنّ الحالة ساءت، فذهبت إلى النقطة الطبية القريبة من خيمتنا، فقال الطبيب إنّ الأعراض تشير إلى أنّ طفلتي مصابة بالحصبة، لم أصدق، كنت أسمع عن المرض فقط من أمي وجدتي".
وتؤكد: "في ظل نقص الأدوية، لم تحصل حنين على أيّ علاج سوى خافض حرارة وبعض الأعشاب التي وفرتها لها متطوعة محلية، وحالتها تزداد سوءاً يوماً بعد يوم، وأنا خائفة من أن تفقد حياتها في أيّ لحظة".
وتتابع: "هربنا من القصف، لكنّ الموت يلاحقنا بطرق أخرى، ما ذنب الأطفال؟ العالم كله نسي أنّ غزة فيها بشر وأطفال يحتاجون للعيش بكرامة كبقية أطفال العالم".
انقطاع اللقاحات ونزوح العائلات
سمية معروف، أم لـ (5) أطفال، تقول بحزن: "هربنا من بيتنا في جباليا إلى مدينة غزة بعد قصف الحي، وأثناء النزوح فقدت كل أوراق التطعيم، وقد أصيب ابني أحمد (عام ونصف) بالسعال الشديد وحرارة مرتفعة ومستمرة وصعوبة بالتنفس، وقيء متكرر، وبعد مراجعة الطبيب، قال إنّه يعاني من السعال الديكي، لم أصدق أنّ أمراضاً كهذه ما تزال موجودة".
وتضيف معروف (34 عاماً)، وهي تمسح عرق طفلها بقطعة قماش مبللة، محاولة خفض حرارته المرتفعة: "كان طفلي يلعب ويضحك قبل أسابيع، ثم بدأ يعاني من حرارة مفاجئة وصلت إلى (41) درجة مئوية، ولم يتلقَّ أحمد تطعيم السعال الديكي لعدم توفر اللقاح حينها، ولم أكن أظن أنّ هذه الأمراض ما زالت موجودة في العالم، فكيف عادت إلينا؟".
وتوضح: "طفلي كان ينام على الأرض فوق بطانية رطبة، والماء ملوث، ولا يتوفر الدواء، ولا الدفء، ولا الطعام الصحي، وبدأت تظهر على وجهه بقع غريبة، وسعال جاف وحرارة مرتفعة، فالبيئة التي نعيشها حالياً هي مرتع للأمراض المختلفة، وتهدد الكبار والصغار معاً".
وتؤكد: "كنت وعائلتي نركض من قصف إلى قصف، ومن نزوح إلى نزوح، وعشنا في مناطق نائية بعيدة عن المراكز الطبية، ولم أعرف أين أذهب، وهو الأمر الذي تسبب بعدم استكمال التطعيمات الدورية لطفلي".
وتوضح: "نسمع عن أمراض مثل السل والحصبة والتيفوئيد واليرقان والنكاف والدفتيريا تعود للظهور بين الأطفال، وكل ما نريده هو النجاة".
وتقول بحسرة: إنّ "ابني الصغير يعاني من التبول اللّاإرادي والكوابيس الليلية، فالأطفال لا يقتلون فقط بالقنابل، بل بالمرض والجوع".
القطاع الصحي يلفظ أنفاسه
يقول الدكتور ماجد حسنين استشاري طب الأطفال وحديثي الولادة بمستشفى غزة الأوروبي جنوب قطاع غزة: "نرى أمراضاً لم نكن نشاهدها منذ عشر سنوات، مثل الكبد الوبائي، والجدري المائي، والدفتيريا، والسحايا، والحصبة، والسعال الديكي، بالإضافة إلى تفشي الالتهابات المعوية نتيجة المياه الملوثة".
ويضيف حسنين: "الأمر لا يقتصر على المرض نفسه، بل على غياب العلاج، فالدواء مفقود، والتطعيمات غير منتظمة، وحتى أجهزة الحضانة مهددة بالتوقف، مبيناً: "الأوضاع الحالية تمهد لظهور أمراض جديدة ومتحورات لم تعد أنظمة غزة الصحية قادرة على التعامل معها".
ويوضح: "سوء التغذية الحاد والازدحام الكثيف في أماكن الإيواء عوامل خطيرة جداً، وعدم توفر غالبية اللقاحات الدورية بسبب القيود الاسرائيلية جعل الأطفال أكثر عرضة للإصابة، حتى بالأمراض التي كان يمكن للجسم مقاومتها".
وأضاف أنّ "ما يحدث في غزة حالياً هو تكرار لنكبة صحية عالمية، والأطفال بغزة هم الحلقة الأضعف، وعودتهم للإصابة بأمراض اختفت من العالم هو وصمة عار على المجتمع الدولي الذي صمت عن تدمير المراكز الصحية ومنع دخول الأدوية".
ويؤكد حسنين: "لم تعد لدينا أدوات مخبرية كافية للتشخيص، لا نعرف حتى الآن حجم الكارثة الحقيقي، لكنّ المؤكد أنّ أطفال غزة يدفعون ثمناً قاسياً لغياب الأمن والغذاء والدواء، فالأطفال لا ينجون من الموت فقط، بل يحاربون لكي لا يعودوا إلى عصور ما قبل اللقاح".
ومنذ السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023 تشنّ إسرائيل حرب إبادة جماعية في غزة خلفت أكثر من (60839) قتيلاً، وإصابة أكثر من (149588)، معظمهم أطفال ونساء.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/30_3_0_2_0_4444_0_0_1_0.jpg.webp?itok=o9GuuOK0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/30_3_0_2_0_4444_0_0_1_1.jpg.webp?itok=xPM6Zm6W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%88%D9%86_0_0_0.jpg.webp?itok=E2PAAHDO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%88%D8%A8%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D9%8A%D8%A9_0_0.jpg.webp?itok=oReg_6OS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/bS9h1QQC8Ibxq-Zun7e7I3XZ9pTAR6Hooc8tBKmPdGarEceWYq-LXVMJpnmDToBW2tBynDQtONt9BYdEcNWmtnKCvf1-y8XVc2k7VapC-xhjRdvmUd6AChwb3SggR2pYGpa2blLFZ6lja7ERor2BfD54xHBRWdDoA-f_PXiCBiw75fjOudZLWKl84JjBmDnD.jpg.webp?itok=caFu8voa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/images_13.jpg.webp?itok=spQUDIJB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%BA%D8%AA%D9%8A%D8%A7%D9%84_6_2_0_0.jpg.webp?itok=bXmPMgmE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_2_0.jpg.webp?itok=JhFfhYPA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%BA%D9%8A%D9%8A%D8%B1%20%D8%AA%D8%AF%D8%B1%D9%8A%D8%AC%D9%8A_0.jpg.webp?itok=vxmSwnWT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%A7%D8%AA_0_0.jpg.webp?itok=woqFOs9E)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_3_0.jpg.webp?itok=9i6zbI2S)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/HZqzmEM3wHkpGDbaSRAGBBQMhEa0hdlTTItgQp3YQ8vkDfD4RYKg23G5l2fLOzSA03MFwoRi3ZXf323e4nL3cGcgCtJZ1paZeCO0deQan3C9vbLdqv33J12rlbMXyvhrmx35wvn3PVmnqlgOasmOg-uxIOD0Ui5L3ldmqsEmQOVOc-DELTto2MSMQ5fvj8mD%20%281%29.jpg.webp?itok=wQ_c7z8P)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/se2eSzBtgtZRvochpXWXHRd8zJBTdSWUjbrvDt0HXmgf6oUX8IJbzzaVjDswDs5fNPFP8F2YCXmj1QoaVi7cvkkCLIDn4lgzNlP5Fb1m1yxn_6_MonFxDiYg9RD7QPKpOqQ76LD1Y5aT7WMJxmzBKZdrEuyHdbh_kree1NSzAlBQqGvzJiK_H5thQehOLXXq%20%281%29.jpg.webp?itok=ybPL0QY1)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_132_0_3.jpg.webp?itok=pHqrfLPb)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/CoGHKdHI0A1hPADsf1xvDHVYJqUe203-L3Pi6M4DItYuTY-LBYbdxBlWhxyVw5eFpyA77EhAFTia-ZJfwN_pPc-dT2jAvVSmof1AU4jW-RzbK6tUu3zl53R8QNE4uB11Ku6-xRExeteqGE4nrU0FKMjgD-qSsmdO2ta_bQ1psS94XeIDmHXni2TQvZ9guYV4.jpg.webp?itok=d3qSl9vR)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

