
مع مرور (21) شهرًا على الحرب المستمرة والحصار المحكم على قطاع غزة، لم تعد مشكلة نفاد الأدوية مجرد أزمة عابرة، بل أصبحت كارثة صحية متواصلة، تجبر المرضى على قبول ما لا يُقبل، وتناول أدوية منتهية الصلاحية، في محاولة يائسة لمواجهة الأمراض المزمنة والمهددة للحياة.
وكانت وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة قد أكدت في بيان لها أنّ 37% من الأدوية و59% من المهام الطبية رصيدها صفر، وأنّ 54% من أدوية السرطان وأمراض الدم رصيدها صفر؛ الأمر الذي يهدد حياة المرضى وتوقف بروتوكولات علاجهم، كما أنّ 40% من أدوية الرعاية الأولية و51% من أدوية خدمات صحة الأم والطفل رصيدها صفر، وأنّ 42% من التطعيمات الخاصة بالأطفال غير متوافرة في قطاع غزة.
وتابعت الوزارة: إنّ (13) ألفًا من المرضى والجرحى أُغلقت أمامهم فرص العلاج التخصصي خارج القطاع بعد إغلاق معبر رفح".
وأكدت أنّ إغلاق المعابر ومنع الإمدادات الغذائية يهدد أكثر من (2) مليون فلسطيني بسوء التغذية والإصابة بفقر الدم، خاصة الأطفال منهم.
العلاج بأدوية منتهية الصلاحية
في غرفة صغيرة داخل منزله في حي الشيخ رضوان في مدينة غزة، يفتح المسن خيري كلاب (66) عامًا كيسًا بلاستيكيًا شفافًا يحتوي على علب أدوية، ويشير بإصبعه إلى تواريخ انتهت منذ أكثر من (3) أشهر، ويقول بصوت متعب: "أنا مريض سكري وضغط وقلب، وما في حل، يا نموت من المرض، يا نأخذ دواء منتهي الصلاحية ونستنى رحمة ربنا".
ويضيف كلاب: "انتهى دوائي قبل شهرين، ولم أجد بديلًا، وبعد البحث في عدد من الصيدليات عدة أيام عثرت على الدواء، ولكنّه كان منتهي الصلاحية، لكنّ المشكلة الكبيرة حدثت عندما تناولت الدواء، فبعد وقت قصير شعرت بدوار شديد وهبوط مفاجئ في ضغط الدم، كدت على أثره أن أفقد الوعي".
ويقول بمرارة: "أدفع ثمن عبوة "حقن الأنسولين" لمرض السكر، ودواء "أكسفورج" لضغط الدم منتهية كما لو أنّها ذهب، لأنّها غير متوفرة، وإن توفرت في بعض الصيدليات، فتكون منتهية الصلاحية".
ويتابع: "حذّرني الصيدلي من أنّ الجرعة قد لا تكون فعالة، لكنّي وافقت، لأنّ البديل كان أن أنتظر الموت، أو أعيش تجربة الموت البطيء كل يوم".
إعدام بطيء
ويؤكد كلاب: "بعد تناول دواء ضغط الدم شعرت بغثيان شديد وقيء، لكنني نجوت من الموت، كنت بين خيارين: الموت أو المغامرة، واخترت المغامرة".
ويوضح: "كنت أحقن نفسي بالأنسولين بانتظام منذ أكثر من (10) سنوات، لكن مع بداية الحرب اختفى كل شيء، فالمراكز الصحية أُغلقت، وثلاجات حفظ الأدوية تعطلت بسبب انقطاع الكهرباء، ولم يعد أحد يملك الأنسولين في المنطقة، وبدأت أشعر بتسارع ضربات القلب، وغباش في الرؤية، ودوخة مستمرة، ظننت أنّني سأموت".
ويستطرد كلاب قائلًا: "طُردنا من منازلنا، وفقدنا قوت يومنا، والآن نموت، لأنّه لا يتوفر دواء صالح، هذه ليست حربًا فقط، إنّها إعدام بطيء".
دواء منتهي الصلاحية أفضل من حياة منتهية
أمّا الشاب عبد المعطي نصار، الذي يعاني من مرض القلب ويحتاج لتناول العلاج لتنظيم ضربات القلب بشكل دوري، فيقول: "دواء (أميودارون) الذي يعمل على تنظيم ضربات القلب مفقود، ولم يعد يتوفر داخل الصيدليات، وأجبرت على أخذ عبوة من صديق توفي والده الذي كان يعاني من مشكلة مرضية بالقلب قبل أسابيع، إلا أنّني اكتشفت بعدها أنّها منتهية الصلاحية منذ (4) أشهر، لكنّي ابتلعتها، فلم يكن لديّ خيار آخر".
ويتابع نصار: "تناولت الدواء وكدت أنتهي معه، بعد أن فقدت توازني بشكل مفاجئ، وتعرضت للسقوط، وأصبت بكدمات حادة، وكنت مضطرًا لذلك، فالموت أهون من السكتة أو الغيبوبة".
ويؤكد: "بالرغم من معرفتي بمخاطر تناول هذا الدواء بهذه الطريقة، وخوفي بألّا يكون فعّالًا، لكنّي كنت مجبرًا على ذلك، لأنّ البديل كان أن أنتظر الموت، والانتظار أصعب".
ويضيف: "منذ بداية الحرب وأنا أتناول الدواء بشكل غير منتظم، وعندما تناولت الدواء منتهي الصلاحية، حذّرني الطبيب من عواقب ذلك، لكنني تناولته، بسبب سوء حالتي الصحية التي تسوء يومًا بعد يوم".
ويوضح: "لم أعد أخشى تناول دواء القلب منتهي الصلاحية، لكنني أخاف من اليوم الذي أفقد فيه القدرة على تناوله سواء كان منتهي الصلاحية أو صالحًا للاستخدام، في ظل خلوّ رفوف المستشفيات والصيدليات من أدوية كثيرة لأمراض خطيرة ومزمنة".
مرضى بلا خيارات
يرى الدكتور بشير عامر إخصائي الأمراض الباطنية أنّ "تناول أدوية منتهية الصلاحية قد يؤدي إلى ضعف فعاليتها أو تحول بعض مركباتها إلى مواد سامة، وأنّ الإفراط في تناول هذه الأدوية يؤدي إلى الفشل الكبدي والكلوي".
ويقول عامر: "المرضى بغزة يعيشون أزمة حقيقية، فأغلب الأدوية الأساسية مفقودة منذ شهور، وما يصل غالبًا ما يكون منتهي الصلاحية، بسبب ظروف التخزين السيئة وطول المدة، وكذلك لبقاء الأدوية والعقاقير الطبية فترات طويلة تحت أشعة الشمس".
ويوضح: "حتى أدوية مرضى السرطان توقفت منذ أشهر، والمرضى يعيشون على المسكنات والمهدئات، وبعضهم يلجأ إلى العلاج الشعبي أو إلى الأعشاب رغم خطورتها. ومنذ عدة أشهر لم تدخل أيّ شحنة دواء إلى القطاع، فالمعابر مغلقة، ومعظم المخازن استُهدفت في القصف الإسرائيلي، ولا يوجد دعم دولي كافٍ لتغطية الاحتياجات".
ويضيف: "لا ألوم مريضًا بغزة، فالجميع في دائرة الخطر، فلا يعقل أن يُترك إنسان يموت لأنّ التاريخ المكتوب على العلبة قد انتهى".
ويؤكد الطبيب الفلسطيني: "نحن لا نتحدث عن أزمة دوائية فقط، بل عن أزمة إنسانية شاملة، المرضى يتركون لمصيرهم، وبعضهم يتوفى لأنّ قرص الدواء غير متوفر، ولا بدّ من إنقاذ ما تبقى من الحياة في هذا القطاع المنكوب".
ويبقى المرضى في غزة أمام معادلة قاسية، إمّا الموت دون علاج، وإمّا تناول أدوية منتهية الصلاحية، هذا الواقع لا يشبه فقط مشهدًا من فيلم كارثي، بل هو الحقيقة اليومية لعشرات آلاف المرضى الذين تُركوا يواجهون مصيرهم وسط انهيار المنظومة الصحية بسبب الحرب والحصار.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/30_3_0_2_0_4444_0_0_1_0.jpg.webp?itok=o9GuuOK0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/30_3_0_2_0_4444_0_0_1_1.jpg.webp?itok=xPM6Zm6W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%88%D9%86_0_0_0.jpg.webp?itok=E2PAAHDO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%88%D8%A8%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D9%8A%D8%A9_0_0.jpg.webp?itok=oReg_6OS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/bS9h1QQC8Ibxq-Zun7e7I3XZ9pTAR6Hooc8tBKmPdGarEceWYq-LXVMJpnmDToBW2tBynDQtONt9BYdEcNWmtnKCvf1-y8XVc2k7VapC-xhjRdvmUd6AChwb3SggR2pYGpa2blLFZ6lja7ERor2BfD54xHBRWdDoA-f_PXiCBiw75fjOudZLWKl84JjBmDnD.jpg.webp?itok=caFu8voa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/images_13.jpg.webp?itok=spQUDIJB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%BA%D8%AA%D9%8A%D8%A7%D9%84_6_2_0_0.jpg.webp?itok=bXmPMgmE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_2_0.jpg.webp?itok=JhFfhYPA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%BA%D9%8A%D9%8A%D8%B1%20%D8%AA%D8%AF%D8%B1%D9%8A%D8%AC%D9%8A_0.jpg.webp?itok=vxmSwnWT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%A7%D8%AA_0_0.jpg.webp?itok=woqFOs9E)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_3_0.jpg.webp?itok=9i6zbI2S)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/HZqzmEM3wHkpGDbaSRAGBBQMhEa0hdlTTItgQp3YQ8vkDfD4RYKg23G5l2fLOzSA03MFwoRi3ZXf323e4nL3cGcgCtJZ1paZeCO0deQan3C9vbLdqv33J12rlbMXyvhrmx35wvn3PVmnqlgOasmOg-uxIOD0Ui5L3ldmqsEmQOVOc-DELTto2MSMQ5fvj8mD%20%281%29.jpg.webp?itok=wQ_c7z8P)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/se2eSzBtgtZRvochpXWXHRd8zJBTdSWUjbrvDt0HXmgf6oUX8IJbzzaVjDswDs5fNPFP8F2YCXmj1QoaVi7cvkkCLIDn4lgzNlP5Fb1m1yxn_6_MonFxDiYg9RD7QPKpOqQ76LD1Y5aT7WMJxmzBKZdrEuyHdbh_kree1NSzAlBQqGvzJiK_H5thQehOLXXq%20%281%29.jpg.webp?itok=ybPL0QY1)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_132_0_3.jpg.webp?itok=pHqrfLPb)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/CoGHKdHI0A1hPADsf1xvDHVYJqUe203-L3Pi6M4DItYuTY-LBYbdxBlWhxyVw5eFpyA77EhAFTia-ZJfwN_pPc-dT2jAvVSmof1AU4jW-RzbK6tUu3zl53R8QNE4uB11Ku6-xRExeteqGE4nrU0FKMjgD-qSsmdO2ta_bQ1psS94XeIDmHXni2TQvZ9guYV4.jpg.webp?itok=d3qSl9vR)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

