
في المشهد اللبناني المضطرب تتقاطع مسارات القوى السياسية والمسلحة ضمن شبكة معقدة من الولاءات والتحالفات الإقليمية. وفي ظل الضغوط المتصاعدة على حزب الله ظهر لاعب جديد ـ قديم يحاول التمدد في الفراغ، وهو الجماعة الإسلامية، الذراع التاريخية لجماعة الإخوان المسلمين في لبنان، التي تسعى إلى تجاوز حضورها التقليدي المحدود، مستفيدة من تحالفها الضمني مع حزب الله وصلتها الوثيقة بحركة حماس الفلسطينية.
هذا التحول ليس تفصيلاً عابراً في المشهد اللبناني، بل يعكس مساعي تيار إخواني لإعادة التموضع داخل بيئة سنّية مثقلة بالتراجع والانقسام، بعد غياب أو انكفاء القوى السياسية التقليدية، وعلى رأسها تيار المستقبل. وهنا تتبدى الأسئلة حول ما إذا كانت الجماعة الإسلامية تُهيّأ لتكون بديلًا سياسيًا وميدانيًا لحزب الله، أو مجرد أداة مؤقتة لتعزيز النفوذ الإيراني داخل الطائفة السنّية.
فراغ سنّي تستثمره الجماعة
رغم أنّ الجماعة الإسلامية لا تمتلك سوى مقعد برلماني واحد، إلا أنّ حضورها الشعبي ما يزال ملموسًا، ويمكن تصنيفها بأنّها السنّية الثانية بعد تيار المستقبل المتراجع. ومع تآكل زعامة "المستقبل"، بدا أنّ الجماعة وجدت فرصة للتوسع على أنقاضه، محاولةً رسم صورة جديدة عن نفسها باعتبارها حاملًا سياسيًا "مقاومًا"، يزاوج بين الانخراط في المؤسسات اللبنانية والارتباط بمحور الممانعة.
هذا التمدد لا ينفصل عن الدعم غير المباشر الذي توفره حماس، ولا عن البيئة التي يوفرها حزب الله داخل لبنان. فالفراغ السنّي لا يُفسَّر فقط بغياب القوى التقليدية، بل أيضًا بتنامي الحاجة لدى جزء من الشارع السنّي إلى خطاب تعبوي يعيد الاعتبار إلى "المقاومة" في مواجهة إسرائيل. وهنا تدخل الجماعة الإسلامية لتملأ الحيز، مستفيدة من علاقتها العقائدية بحماس ومن قربها السياسي من حزب الله.
التحالف الضمني مع حزب الله
خلال المواجهات الأخيرة مع إسرائيل ظهر أنّ الجماعة الإسلامية تقف بشكل معلن في صف حزب الله، مع عودة الجناح العسكري للجماعة المعروف باسم "قوات الفجر" إلى الواجهة، الأمر الذي أعاد تسليط الضوء على الطموحات العسكرية والسياسية التي تراود قادتها.
ووفق ما نقل موقع (لبنان 24) عن مصادر لبنانية، فإنّ هذا التحالف لم يكن ارتجاليًا، بل يأتي في إطار استراتيجية إقليمية أوسع تستهدف تعزيز النفوذ الإيراني داخل الطائفة السنّية. ففي لحظة تراجع القوى السنيّة التقليدية، يُراد للجماعة أن تكون شريكًا سنّيًا في مشروع المحور الإيراني، عبر دور مزدوج: سياسي داخل المؤسسات، وعسكري عبر "قوات الفجر".
إلا أنّ هذا التحالف يضع الجماعة في موضع تناقض صارخ: فهي من جهة تسعى لوراثة حضور سنّي محلي، ومن جهة أخرى ترتهن لتحالف خارجي يجعلها في نظر كثير من اللبنانيين مجرد أداة بيد حزب الله وإيران.
بين حماس والجماعة وحدة الجذور وتباين المصالح
تربط الجماعة الإسلامية بحركة حماس الفلسطينية علاقة وثيقة تتجاوز التقاطع السياسي إلى وحدة المنبع الإيديولوجي؛ فكلتاهما تنتميان إلى مدرسة الإخوان المسلمين العالمية. غير أنّ ما تكشفه التقارير الواردة من لبنان هو أنّ "قوات الفجر" التابعة للجماعة تعمل فعليًا تحت القيادة العسكرية لحماس.
هذا الوضع خلق نقاشًا داخليًا متناميًا في صفوف الجماعة، فقد ارتفعت أصوات تدعو إلى مراجعة العلاقة مع حماس، والنأي بالنفس عنها، في ظل ما تعرّضت له الحركة من ضغوط إسرائيلية ودولية غير مسبوقة. فالمعادلة بالنسبة إلى بعض قيادات الجماعة واضحة: أيّ انخراط عسكري مباشر مع حماس يجرّ على لبنان ردودًا إسرائيلية عنيفة، ويقوّض شرعية الجماعة السياسية داخليًا.
ومع ذلك، فإنّ هذه الأصوات ما تزال محدودة، ولا يبدو أنّها قادرة حاليًا على تغيير مسار الجماعة التي تجد نفسها بين خيارين أحلاهما مرّ: البقاء تحت عباءة حماس بما يحمله ذلك من مخاطر أمنية وسياسية، أو محاولة الاستقلال عنها، وهو ما قد يُضعف صلتها بمحور "المقاومة" ويُفقدها الدعم الإقليمي.
انقسامات داخلية وصراعات القيادة
تقارير متعددة رصدت تصاعد الانقسامات داخل الجماعة الإسلامية، خصوصًا بعد التصفيات الإسرائيلية لعناصر من قوات الفجر. هذه التطورات دفعت بعض القيادات إلى المناداة بالتركيز على النشاط السياسي المحلي بدلًا من الانخراط في العمل العسكري.
غير أنّ انتخابات 2021 مثّلت نقطة انعطاف، إذ صعد فيها الجناح المؤيد لتحالفات "المقاومة"، مدعومًا من القيادي في حماس صالح العاروري، الذي اغتيل لاحقًا في بيروت. هذا الدعم كشف أنّ حماس لم تكن تكتفي بالتحالف الظرفي، بل كانت تدفع بوضوح نحو تعزيز حضور جناحها داخل الجماعة اللبنانية، وهو ما أجّج الخلافات بين التيارات الداخلية.
هذه الانقسامات تجعل الجماعة عرضة لاهتزازات متكررة، وتضعف قدرتها على تقديم نفسها كبديل متماسك في الساحة السنيّة. فهي ليست قوة موحدة، بل حركة تمزقها الولاءات الخارجية والخيارات المتعارضة بين السياسة والعسكر.
تحديات السلاح الفلسطيني في المخيمات
تزامنًا مع هذه الانقسامات، ارتفعت المطالب اللبنانية لنزع سلاح الفصائل الفلسطينية داخل المخيمات، وهو ملف شائك لطالما تجنبت القوى اللبنانية فتحه بجدية. غير أنّ الوضع الراهن يفرض على الجماعة الإسلامية مواجهة سؤال وجودي: كيف تبرّر استمرار جناحها العسكري في وقت يُطالب فيه اللبنانيون بنزع السلاح وضبط الأمن الداخلي؟
هذا التحدي يكشف المأزق الذي تواجهه الجماعة؛ فهي تريد التمدد داخل السياسة اللبنانية، لكنّها في الوقت نفسه مرتبطة بواقع السلاح الفلسطيني والمقاومة العسكرية، وأيّ تنازل في هذا الجانب يهدد مكانتها داخل محور الممانعة، وأيّ تمسك به يضعها في مواجهة الداخل اللبناني والمجتمع الدولي.
بديل محتمل أم أداة مؤقتة؟
إنّ صعود الجماعة الإسلامية في لبنان لا يعكس فقط محاولة قوة محلية للتمدد، بل يجسّد مشروعًا إقليميًا أوسع يرمي إلى إعادة تشكيل التوازنات الطائفية والسياسية عبر إدخال ذراع إخوانية في صلب محور المقاومة. غير أنّ هذا المشروع محفوف بالعقبات: انقسامات داخلية، وتحديات الشرعية، وضغوط لبنانية ودولية لنزع السلاح، فضلًا عن الارتباط العضوي بحماس الذي قد يتحوّل إلى عبء بدلًا من أن يكون رصيدًا.
وهكذا، فإنّ الجماعة الإسلامية تبقى قوة طموحة لكنّها هشّة، تحاول استثمار اللحظة التاريخية، لكنّها محكومة بقيود إيديولوجية وتحالفات متناقضة. وإذا كان حزب الله يواجه ضغطًا متزايدًا في الداخل والخارج، فإنّ الجماعة الإسلامية تظلّ أسيرة موقعها الإخواني، عاجزة عن أن تتحول إلى ممارسة السياسة دون أحلام الهيمنة الإخوانية، وفي مواجهة دولة قررت حصر السلاح بيدها.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/bS9h1QQC8Ibxq-Zun7e7I3XZ9pTAR6Hooc8tBKmPdGarEceWYq-LXVMJpnmDToBW2tBynDQtONt9BYdEcNWmtnKCvf1-y8XVc2k7VapC-xhjRdvmUd6AChwb3SggR2pYGpa2blLFZ6lja7ERor2BfD54xHBRWdDoA-f_PXiCBiw75fjOudZLWKl84JjBmDnD.jpg.webp?itok=caFu8voa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/30_3_0_2_0_4444_0_0_1_0.jpg.webp?itok=o9GuuOK0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%BA%D8%AA%D9%8A%D8%A7%D9%84_6_2_0_0.jpg.webp?itok=bXmPMgmE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/images_13.jpg.webp?itok=spQUDIJB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%88%D8%A8%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D9%8A%D8%A9_0_0.jpg.webp?itok=oReg_6OS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_2_0.jpg.webp?itok=JhFfhYPA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%88%D9%86_0_0_0.jpg.webp?itok=E2PAAHDO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/30_3_0_2_0_4444_0_0_1_1.jpg.webp?itok=xPM6Zm6W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%BA%D9%8A%D9%8A%D8%B1%20%D8%AA%D8%AF%D8%B1%D9%8A%D8%AC%D9%8A_0.jpg.webp?itok=vxmSwnWT)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_132_0_3.jpg.webp?itok=pHqrfLPb)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/se2eSzBtgtZRvochpXWXHRd8zJBTdSWUjbrvDt0HXmgf6oUX8IJbzzaVjDswDs5fNPFP8F2YCXmj1QoaVi7cvkkCLIDn4lgzNlP5Fb1m1yxn_6_MonFxDiYg9RD7QPKpOqQ76LD1Y5aT7WMJxmzBKZdrEuyHdbh_kree1NSzAlBQqGvzJiK_H5thQehOLXXq%20%281%29.jpg.webp?itok=ybPL0QY1)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%A7%D8%AA_0_0.jpg.webp?itok=woqFOs9E)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_3_0.jpg.webp?itok=9i6zbI2S)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/HZqzmEM3wHkpGDbaSRAGBBQMhEa0hdlTTItgQp3YQ8vkDfD4RYKg23G5l2fLOzSA03MFwoRi3ZXf323e4nL3cGcgCtJZ1paZeCO0deQan3C9vbLdqv33J12rlbMXyvhrmx35wvn3PVmnqlgOasmOg-uxIOD0Ui5L3ldmqsEmQOVOc-DELTto2MSMQ5fvj8mD%20%281%29.jpg.webp?itok=wQ_c7z8P)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/CoGHKdHI0A1hPADsf1xvDHVYJqUe203-L3Pi6M4DItYuTY-LBYbdxBlWhxyVw5eFpyA77EhAFTia-ZJfwN_pPc-dT2jAvVSmof1AU4jW-RzbK6tUu3zl53R8QNE4uB11Ku6-xRExeteqGE4nrU0FKMjgD-qSsmdO2ta_bQ1psS94XeIDmHXni2TQvZ9guYV4.jpg.webp?itok=d3qSl9vR)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

