الجماعة الإسلامية في باكستان تشعل الشارع وتواجه اتهامات بالإرهاب

الجماعة الإسلامية في باكستان تشعل الشارع وتواجه اتهامات بالإرهاب

الجماعة الإسلامية في باكستان تشعل الشارع وتواجه اتهامات بالإرهاب


26/02/2026

 

صعّد قادة الجماعة الإسلامية في باكستان، خلال الفترة من 15 إلى 21 شباط (فبراير) الجاري، موجةً من التحركات المكثفة اتسمت بتصعيد ميداني ملحوظ،  وتبادل للاتهامات مع الحكومات الإقليمية. في مشهد يعكس استراتيجية ضغط سياسي تتجاوز حدود الاحتجاج التقليدي إلى محاولة فرض واقع سياسي عبر الشارع والإعلام.

شلّ مؤسسات الدولة

في 15 شباط (فبراير) نظمت الجماعة الإسلامية يومًا احتجاجيًا على مستوى البلاد، اعتراضًا على ما وصفته بـ "عنف الشرطة الوحشي" ضد عمّال قالت إنّهم اعتُقلوا خلال احتجاج سلمي أمام جمعية السند.

وجاءت الدعوة استجابة لنداء أمير الجماعة الإسلامية في باكستان حافظ نعيم الرحمن، حيث نُظمت اعتصامات في مختلف المدن، أبرزها كراتشي التي شهدت مظاهرات في (10) طرق سريعة رئيسية في إطار محاولات مستمرة لإسقاط هيبة رجال الأمن بغرض خلق فوضى مفتعلة.

المحتجون أدانوا حكومة إقليم السند التابعة لـ "حزب الشعب الباكستاني"، واتهموها بـ"الفاشية" وإساءة استخدام السلطة واتباع سياسات "معادية لكراتشي" و"مناهضة للديمقراطية". وطالبوا بحكومة مدنية "شرعية وفاعلة" لكراتشي، والإفراج الفوري عن المعتقلين، وإسقاط قضايا الإرهاب الموجهة إليهم.

وردّد أنصار الجماعة شعارات بدت في ظاهرها موجهة ضد الحكومة، لكنّها حملت في مضمونها رسائل تتجاوز نقد السلطة التنفيذية إلى الطعن في شرعية الدولة نفسها والسعي إلى تقويض بنيتها السياسية.

وشملت نقاط الاعتصام في كراتشي: شارع باكستان، والطريق السريع، والطريق الوطني، وشارع أورانجي، وتقاطع كورانجي، وطريق نهر هوب، ودوار داود، وسوق لي، وشارع شيرشاه سوري، وطريق جوهر مور رشيد منهاس.

وفي خطاب ألقاه بساحة لاسبلا، اتهم أمير الجماعة في كراتشي، منعم ظفر خان، حزب الشعب الباكستاني بأنّه "عدو كراتشي"، وأنّه أصبح "الفريق الأول للمؤسسة الحاكمة"، وأنّ الحزب اغتصب حقوق المدينة وصنف مطالبها ضمن الإرهاب.
وهاجم كذلك حزب الرابطة الإسلامية الباكستانية (نواز)، معتبرًا أنّ الأحزاب الكبرى تخشى منح صلاحيات حقيقية للممثلين المنتخبين، في ظل فشل الحكام في توفير الخدمات الأساسية؛ ويأتي هذا في سياق توريط الجماعة الإسلامية نفسها في أعمال عنف وإرهاب خلال الفترة الماضية، ومع ضعف موقفها القانوني، لجأت إلى الشارع، مستغلة الاعتصامات والشعارات كأداة ضغط  للإفراج عن عناصرها.

 من الشارع إلى محكمة مكافحة الإرهاب

في 18 شباط (فبراير) نظرت محكمة مكافحة الإرهاب في كراتشي قضية تتعلق بإضرام النار وإتلاف ممتلكات حكومية. وقدّمت الشرطة (30) عنصرًا من الجماعة الإسلامية إلى المحكمة التي أمرت بحبسهم جميعًا احتياطيًا. وطالب ضابط التحقيق بحبس احتياطي فعلي، مؤكدًا أنّ المتهمين ألحقوا أضرارًا بممتلكات الدولة. في المقابل، عارض محامي الجماعة القرار، مشيرًا إلى أنّ محضر الشرطة لا يتضمن ما يثبت نشر الإرهاب، وأنّ الحديث عن إطلاق نار لم يقترن بضبط أيّ أسلحة، مؤكدًا أنّ الاحتجاج حق عام، ويجب حذف بنود الإرهاب.

يُذكر أنّ المواجهات تعود إلى 14 شباط (فبراير)، حين حاول المتظاهرون التوجه إلى مبنى مجلس السند، فقامت الشرطة بإطلاق الغاز المسيل للدموع واستخدام الهراوات لتفريقهم، وهو ما أدى إلى اشتباكات وإصابات. وتم اعتقال عضو مجلس السند عن الجماعة محمد فاروق، ونائب أمير كراتشي مسلم برويز، وعدد من الناشطين.

من جانبها، أكدت حكومة السند عبر وزرائها، ومنهم شرجيل ميمون، أنّ المتظاهرين حاولوا اقتحام "المنطقة الحمراء" وتجاوز القانون.

لكنّ أمير الجماعة الإسلامية، حافظ نعيم الرحمن، دعا إلى احتجاجات أوسع ضد ما وصفه بالقمع، وأعلن عن نية إطلاق حركة واسعة ضد منتجي الطاقة المستقلين وتعريفات الكهرباء بعد شهر رمضان، في تصعيد إضافي يوحي بأنّ المواجهة لن تتوقف عند هذا الحد.

 تكريس النهج الإيديولوجي

في 19 شباط (فبراير) وجّه حافظ نعيم الرحمن رسالة تهنئة بمناسبة شهر رمضان من مقر الجماعة في المنصورة بلاهور، دعا فيها إلى نضال منظم وسلمي ومستمر لإقامة دولة الرفاه الإسلامية؛ اللافت أنّ الجماعة لا تدعو سوى إلى المسيرات والمظاهرات والاعتصامات، مقابل غياب أيّ مقترحات عملية لمعالجة الأزمات  التي تعصف بالدولة.

وأكد ضرورة عدم نسيان المسلمين المضطهدين في غزة وكشمير، داعيًا إلى دعم الفلسطينيين والكشميريين عمليًا ومواجهة ما وصفه بقوى الظلم الداخلية والخارجية؛  في تكرار لنغمة القضايا الخارجية نفسها التي لا تعني شيئًا للمواطن الباكستاني ولا تلبي احتياجاته اليومية.

وفي خطابه، دعا إلى الارتباط بفكر "محمد إقبال" و"أبو الأعلى المودودي"، معتبرًا أنّ الوحدة الوطنية والنضال الجماعي على هذا الأساس الإيديولوجي هما سبيل الخلاص، في خطاب يعكس تمسك الجماعة بجذورها الفكرية العابرة للحدود.

التحالف الإيديولوجي بين أجنحة الجماعة

في تطور لافت أعلن موقع "جسارت" التابع للجماعة عن تغطية خاصة لانتخابات بنغلاديش. وسافر وفد برئاسة "طاهر أكبر"، الرئيس التنفيذي للعمليات في الصحيفة، برفقة "نذير الحسن" و"أمير أشرف" إلى دكا.

وعقب ما وصفه الموقع بـ "فوز حزب الجماعة الإسلامية في بنغلاديش" (رغم عدم تحقيقه الأغلبية)، تم منح أمير الجماعة هناك، الدكتور شفيق الرحمن، درعًا تذكاريًا.

وخلال التكريم، اعتبر شفيق الرحمن أنّ البذرة التي غرسها أبو الأعلى المودودي أصبحت شجرة باسقة تخترق صدر الباطل، في خطاب يؤكد الامتداد الفكري العابر للحدود بين أجنحة التيار.

ويعكس هذا المشهد طبيعة العلاقة بين التنظيمات ذات الخلفية الإخوانية، التي تقوم على مبدأ "الولاء والبراء"، حيث تُقدَّم الروابط التنظيمية على اعتبارات الدولة الوطنية.

 هجوم على  رئيسة وزراء البنجاب

في 21 شباط (فبراير) شنّ حافظ نعيم الرحمن هجومًا حادًا على رئيسة وزراء البنجاب مريم نواز، بسبب شراء طائرة فاخرة بتكلفة (10) مليارات روبية.

وأشار إلى أنّ القرار جاء في وقت يتزايد فيه عدد الأطفال والنساء الذين يعانون من سوء التغذية في البنجاب، وأنّ أكثر من (10) ملايين طفل محرومون من التعليم.
وانتقد خصخصة آلاف المدارس والمراكز الصحية، وخفض معاشات الموظفين، وارتفاع الفقر من 21.9% إلى 28.8% خلال (6) سنوات، وازدياد الدين الوطني، واقتراض مليارات الدولارات عبر برامج صندوق النقد الدولي.

وأشار إلى بيع شركة الخطوط الجوية الباكستانية الدولية (PIA) مقابل (10) مليارات روبية، معتبرًا أنّ الحكومة تحتفل بالبيع ثم تشتري طائرة فاخرة بالمبلغ ذاته، وهاجم برنامج دعم دخل بنظير، متهمًا إيّاه بإهدار تريليونات الروبيات دون نتائج ملموسة.

هجوم حافظ نعيم الرحمن يندرج تحت إطار التنظير السياسي، فمعالجة الأزمات الاقتصادية ليست بالأمر السهل، فإيران التي يحكمها نظام ديني تواجه انتفاضات شعبية بسبب الفشل الاقتصادي، ودول مثل ألمانيا وإيطاليا، رغم قوتهم الاقتصادية، تواجه تحديات مستمرة. وإذا تمكنت جماعة حافظ نعيم الرحمن من الحكم، فسوف تفشل كما فشل الإخوان من قبل في السودان ومصر.

الفوضى المنظمة أداة تصعيد

خلال أسبوع واحد تحوّلت الجماعة الإسلامية في باكستان من احتجاجات أغلقت الطرق، إلى محاكمات بتهم الإرهاب وإتلاف الممتلكات، مرورًا بخطابات دينية وتحركات إعلامية عابرة للحدود، وصولًا إلى هجوم سياسي مباشر على الحكومات الإقليمية. هذا التصعيد الممنهج يقوم على ثلاث ركائز: الضغط الميداني في الشارع، والتعبئة الإيديولوجية، والتصعيد السياسي ضد الخصوم، وهو ما يخلق معادلة تصعيدية واضحة؛ شارع مضغوط، وخطاب مشحون، ومواجهة سياسية مفتوحة في دولة تواجه أزمات اقتصادية  متراكمة.

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية