الجماعة الإرهابية بعيون المرأة المصرية.. «الإخوان».. محاولات فاشلة لتغيير الهوية الوطنية

الجماعة الإرهابية بعيون المرأة المصرية.. «الإخوان».. محاولات فاشلة لتغيير الهوية الوطنية

الجماعة الإرهابية بعيون المرأة المصرية.. «الإخوان».. محاولات فاشلة لتغيير الهوية الوطنية


10/08/2026

إبراهيم عمران

لعبت المرأة المصرية دورا محوريا على مر العصور، وأسهمت فى بناء الحضارة المصرية منذ عهد القدماء المصريين من خلال الزراعة والفنون والحكم، فكانت ملكة، ووزيرة وطبيبة، وتمتعت بحقوق قانونية متساوية مع الرجل فى بعض المجالات، بما فى ذلك حق الملكية والتعاقد والتقاضي.

وفى العصور الحديثة شاركت فى الحركة الوطنية والنضال الوطنى ضد الاحتلال البريطاني، وفى حرب أكتوبر المجيدة كانت شريكا فى الجبهة الداخلية 1973، من خلال العمل التطوعى فى المستشفيات، ودعم أسر الشهداء، والمشاركة فى حملات الدعم الإعلامى وصولا إلى العصر الحالى الذى تشهد فيه إسهامات متزايدة فى كافة المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

إنها المرأة المصرية التى تنهض عند الشدائد، وتتحدى الصعاب، وتصنع المستحيل حفاظا على أسرتها، وهى ذاتها المرأة المصرية التى كانت من أكثر الفئات تضررا من سياسات جماعة الإخوان الإرهابية، التى سعت إلى إقصائها من الحياة العامة، ومحاولة فرض رؤية متطرفة تحصر دورها داخل جدران المنزل.

إنهن سيدات مصر اللاتى رفضن تلك الرؤية التى تنتقص من كرامتهن وحقوقهن التى كفلها الدستور والقانون، وشاركن فى الاحتجاجات الشعبية، التى بلغت ذروتها فى ثورة 30 يونيو 2013، للمطالبة برحيل الإخوان عن الحكم واسترداد الوطن من أيدى الجماعة الإرهابية والفكر الأحادي، الذى ينتقص من حقوق المرأة ويرفض التعدد والاختلاف، وكانت لحظة فارقة لاسترداد وطن ورفض هيمنة تنظيم حاول تفصيل الدولة على مقاسه.

اليوم، وحتى لا ننسى جرائم الجماعة الإرهابية ضد الدولة والشعب المصرى، تحقيقات «الأهرام» تستمع الى شهادات عدد من المواطنات المصريات من فئات ومهن عديدة وشرائح مختلفة، والتى جاءت بمنزلة رسالة للأجيال الجديدة، بأن استقرار الوطن هو ثمرة دماء وتضحيات الأبناء.

تقول الدكتورة ياسمين فراج، أستاذة النقد الموسيقى بأكاديمية الفنون، إنه لم يكن الصدام بين جماعة الإخوان المسلمين والمثقف والفنان وليدًا عام توليهم حكم مصر فى الفترة من 24 يونيو 2012 حتى 3 يوليو 2013، بل كان صداما قديما قدم ظهور هذه الجماعة، فقد سبق أن حاول حسن البنا السيطرة على الشباب خاصة الأقل ثقافة وتعليما من خلال الفن، فأسس فرقة مسرحية أشرف عليها شقيقه عبد الرحمن البنا فى منتصف ثلاثينيات القرن العشرين الذى كان يكتب المسرحيات التى يتفق مضمونها الأدبى مع أيديولوجية جماعة الإخوان، وكان أول إنتاج لهذه الفرقة مسرحية: (جميل بثينة) التى عرضت عام 1934، بعدها تم تعميم الفكرة وأسست فرق مسرحية من المحترفين والهواة فى محافظات مصر عن طريق قسم «الطلبة» فى جماعة الإخوان الذين عهدوا بتمرين طلاب القسم الثانوى على الأداء المسرحي، ليكون بديلاً فى الريف المصرى والمناطق النائية عن المسارح والسينمات الحُرة التى كانت سائدة حينها، ولضمان سرعة غرس أفكارهم فى عقول الجموع بالقوة الناعمة.

اغتيال مادى ومعنوي

وأشارت الدكتورة ياسمين، الى أنه عبر صراع طويل مع المثقفين والمبدعين كانت أفكار جماعة الإخوان الإرهابية سببا فى محاولات اغتيال مادى ومعنوى للكثير من المثقفين والفنانين فى مصر، نذكر من هذه الوقائع، محاولة اغتيال عباس العقاد بطلقات رصاص فى غرفة نومه ونجا منها، وفى عام 1992 تم اغتيال المفكر المصرى فرج فودة، وفى عام 1994 حاول شابان أميان ينتميان لأفكار هذه الجماعة الإرهابية اغتيال الاديب العالمى الحائز جائزة نوبل نجيب محفوظ طعنا بالسكين، وفى عام 2011 وبحسب ما جاء فى الحديث الالكترونى (شات) لعلاء عبد العزيز المدرس فى المعهد العالى للسينما الذى أصبح وزيراً للثقافة فى عام حكم الإخوان لمصر، مع طالبة فى أحد معاهد أكاديمية الفنون، أشير إلى ضرورة موت رئيس أكاديمية الفنون آنذاك الكاتب المسرحى والمفكر د. سامح مهران، هذا بخلاف الاغتيال المعنوى للفنانين، فقد أطلقت جماعة الإخوان قائمة أغرقت وسائل التواصل الإجتماعى أطلق عليها «القائمة السوداء للفنانين والإعلاميين الذين باعوا مصر»، ورُفعت دعوى قضائية بازدراء الأديان ضد الفنان عادل إمام عن أعمال فنية سابقة قام ببطولتها، ومثلها ضد فنانين آخرين، فقد كان حلم هذه الجماعة المتطرفة منذُ تأسيسها السيطرة على الفن والثقافة لتقود عقول العامة والضالين من فئات الشعب، كما كان عام 2011 هو عام الصدام بين جماعة الإخوان والتيارات المنبثقة منها ذات الأيديولوجيات الإرهابية وجموع المثقفين والمبدعين، الذين تصدوا لمحاولات جماعة الإخوان السيطرة على مؤسسات الدولة الثقافية.

تضامن شعبى

وأوضحت، أن حركة المثقفين والمبدعين لم تكن منفصلة عن ما كان يريده الأكثرية من الشعب المصري، فقد كان انضمام عامة الشعب إلى اعتصام المثقفين والمبدعين لوزارة الثقافة خير دليل على ذلك، وهو ما شاهدته بعينى من انضمام سكان حى الزمالك الكائن به مقر وزارة الثقافة المصرية، ثم الأحياء المجاورة ثم جميع أحياء القاهرة، ثم انضمام مبدعى ومثقفى محافظات مصر إلى اعتصام المثقفين والمبدعين فى القاهرة، ولا يمكننا أن ننسى الدور المهم الذى قام به بعض المثقفين والمبدعين فى محافظاتهم من أمام المسارح وقصور الثقافة، بالتنسيق مع الاعتصام الرئيسى فى القاهرة، لقد كان شعب مصر العظيم وجيشه الحامى للبلاد على قلب رجل واحد، وله مطلب واحد فى 30 يونيو 2013، هو إسقاط نظام جماعة الإخوان الإرهابية والحفاظ على مصر الحُرة المستقلة وهويتها الثقافية المتفردة.

تمزيق النسيج المجتمعي

من جانبها تشير الدكتورة روحية مصطفي، الأستاذة بجامعة الأزهر، إلى أن ما شهدته مصر فى السنوات الأخيرة، يؤكد أن نساء جماعة الإخوان، قد انحزن انحيازًا كاملًا إلى مصالح الجماعة السياسية وأجندتها التنظيمية الضيقة، وفضلنها على مصلحة الوطن العليا وأمنه القومي، حتى لو كان الثمن تمزيق النسيج المجتمعي، وزعزعة أركان الاستقرار، وإشاعة الفوضى التى تفتح الأبواب أمام الفتن والمخاطر.

وأضافت: إن قيادة الجماعة الإرهابية دفعت بنسائها إلى الصفوف الأمامية فى المظاهرات والمسيرات، إدراكا منها أن وجود العنصر النسائى فى المواجهات الميدانية قد يربك قوات الأمن، ويقيد من أسلوب تعاملها، ويخلق مشاهد إعلامية مثيرة إذا حدث احتكاك أو تعرضت النساء لأى إصابة أو توقيف، بما يوفر ورقة ضغط نفسية وسياسية يمكن استثمارها ضد الدولة فى الداخل والخارج. ولم يقتصر دورهن على الحضور الرمزى أو الوجود فى الواجهة، بل كن جزءا أساسيًا من منظومة الحشد والتعبئة، حيث عملن على استقطاب المشاركات، ونشر الدعوات للمظاهرات عبر القنوات الاجتماعية والشبكات المغلقة، وبث الشائعات التى تضعف الروح المعنوية وتثير البلبلة، فضلًا عن قيامهن بأدوار لوجستية حيوية تمثلت فى نقل المعدات واللافتات، وتوفير المؤن والتمويل، وتأمين وسائل الاتصال والدعم الميدانى للعناصر المنخرطة فى أعمال التخريب والفوضي.

أداة استراتيجية

وأوضحت الدكتورة روحية مصطفي، أن «قسم الأخوات» لم يكن مجرد جناح دعوى أو نشاط اجتماعى محدود، كما قد يظن البعض،بل أداة استراتيجية اعتمدت عليها جماعة الإخوان لاختراق المجتمع والأسرة المصرية من الداخل، وذلك عبر واجهات دعوية وخيرية وثقافية، ودروس منتظمة، ومبادرات ظاهرها خدمة الناس، تمكنت نساء الجماعة من كسب ثقة الأمهات والبنات والتغلغل فى النسيج الاجتماعي، لكن هذه الثقة استُغلت لنشر الفكر المؤدلج، وغرس الولاء للتنظيم قبل الوطن، وتجنيد عناصر نسائية وشبابية تُستخدم كأذرع فاعلة لنشر الخطاب التحريضي، وتنفيذ مخططات الجماعة وإدامة حضورها داخل المجتمع.

ولم يقف نشاط سيدات الإخوان عند حدود العمل الميدانى أو الدعم اللوجستي، بل امتد إلى أخطر ميادين التأثير، وهو صناعة العقول وتشكيل الوجدان، فقد تولت قيادات «قسم الأخوات» تربية جيل جديد فى بيئة فكرية مغلقة، تُحكم فيها السيطرة على مصادر المعرفة والتنشئة، وتُفرض منظومة قيم ومعايير تدور كلها فى فلك فكر الجماعة وأهدافها، وتم تعزيز هذا الإطار المغلق من خلال مصاهرات الدم والزواج الداخلى بين أبناء وبنات الجماعة، بما يضمن استمرارية الولاء التنظيمى عبر الأجيال، ويحمى البناء الداخلى من أى اختراق فكرى أو اجتماعى من خارج الدائرة التنظيمية، وتربية أجيال جديدة تحمل مواقف عدائية دفينة تجاه مؤسسات الدولة، ويُنظر إليها كخصم أو عائق أمام ما يراه هؤلاء مشروعًا أسمى وأحق بالولاء، الأمر الذى يهدد وحدة المجتمع ويزرع بذور الفتنة والانقسام على المدى البعيد.

فتنة مجتمعية

لقد ألقى فكر جماعة « الإخوان» الإرهابية بظلاله الثقيلة على النسيج الاجتماعي، وأسهم فى إشعال الخلافات والانقسامات بين أفراد الأسرة الواحدة، وداخل شرائح المجتمع المختلفة، ما أدى إلى تصاعد حدة الفتن المجتمعية، وتراجع الاستجابة لمطالب الشعب المشروعة فى العيش الكريم والحرية والعدالة الاجتماعية - كما تقول الدكتورة بثينة الفقي، خبيرة الشئون الاجتماعية - وبات المواطنون يعانون مشاعر القلق والخوف وفقدان الإحساس بالأمان، نتيجة الاضطرابات المتكررة التى شهدتها الشوارع، وعمليات الترويع التى تنفذ من خلال التهديدات والتجمعات، إلى جانب محاولات تصفية الحسابات مع النظام السابق، والسعى نحو «أخونة الدولة» تحت شعار «من ليس معنا فهو عدونا»، ووأوضحت الدكتورة بثينة الفقي، أن تلك الممارسات أدت إلى تدهور واضح فى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وانكشاف ضعف الإدارة الحكومية، وسط غياب خطط واضحة أو برامج زمنية قادرة على تحقيق التنمية المنشودة وبناء دولة حديثة قائمة على الاستقرار والتقدم.

إقصاء المرأة

من جانبها تقول نيفين حسن، ربة منزل، إن المرأة المصرية كانت من أكثر الفئات تضررا من سياسات الجماعة، التى سعت إلى إقصائها من الحياة العامة، ومحاولة فرض رؤية تقليدية متطرفة تحصر دورها داخل جدران المنزل، وأضافت أن سيدات مصر رفضن تلك الرؤية التى تنتقص من كرامتهن وحقوقهن التى كفلها الدستور والقانون، حيث شهدنا محاولات لعزل الفتيات عن التعليم المختلط، وإقصاء المرأة من المواقع القيادية، وتقييدها بمفاهيم مغلوطة مثل الطاعة، مشيرة إلى أن نساء مصر واجهن تلك السياسات بثبات ووعي، ورفضن العودة إلى عصور التهميش.

وفى إطار شهادات عدد من المواطنات حول تجربتهن خلال فترة حكم جماعة الإخوان المسلمين، وصفت السيدة أمل منتصر، تلك المرحلة بأنها «زمن انعدام الإحساس بالأمان»، مشيرة إلى أن هذا الشعور لم يكن مقصورا على الجانب الأمني، بل امتد ليشمل التوجهات الثقافية والدينية والاجتماعية التى سعت الجماعة إلى فرضها على المجتمع.

وأوضحت، أن خطاب قادة الإخوان اتسم بتركيز مفرط على مفاهيم «الحلال والحرام»، وتحذيرات متكررة مما سموه « الانحلال الأخلاقي»، وهو ما اعتبره كثيرون محاولة لفرض وصاية دينية على المجتمع باسم الشريعة، وأضافت أن هذه اللغة لم تبعث على الطمأنينة، بل أثارت القلق، وفتحت الباب أمام محاولات تقييد الحريات العامة، وتغيير نمط الحياة المدنية نحو مزيد من التشدد.

وأشارت، إلى أن أحد أبرز مظاهر هذا التوجه تمثل فى الدفع نحو فرض النقاب، ليس كخيار شخصي، بل كمعيار اجتماعى ينبغى على النساء الالتزام به، ما أثار مخاوف لدى قطاعات واسعة من النساء والرجال الذين رأوا فى ذلك تهديدًا للتعددية الثقافية التى طالما ميزت المجتمع المصري.

سياسة الاستحواذ

ولقد اتسمت سياسات الجماعة آنذاك بالاستحواذ والانفراد بالسلطة، والسعى إلى إخضاع مؤسسات الدولة لمصلحة مشروعها الأيديولوجى الضيق، وهو ما أدى إلى انسداد الأفق السياسى بصورة غير مسبوقة، وأثار انقسامات مجتمعية حادة هددت السلم الأهلي، كما عمدت الجماعة إلى تهميش القوى الوطنية والسياسية، والتعامل مع الدولة وكأنها غنيمة، ما أدى إلى تعطيل آليات الحوار الوطنى وإقصاء الكفاءات لمصلحة الولاء التنظيمي، هذه السياسات خلقت حالة من الاحتقان الشعبي، وأدت إلى فقدان الثقة بين المواطن والسلطة، فضلاً عن أنها فتحت الباب أمام موجة استقطاب حاد بين أبناء الوطن الواحد.

ولم يقتصر الأمر على الشأن السياسى والاجتماعى فحسب، بل انعكس بشكل مباشر على الاقتصاد الوطني.

حقبة حالكة

وفى سياق متصل وصفت ليلى حسين – مدرسة - فترة حكم جماعة الإخوان المسلمين، بأنها واحدة من أسوأ المراحل التى مرت بها مصر فى تاريخها الحديث، مشيرة إلى ما تخلل تلك الحقبة من فوضى إدارية وافتقار واضح للكفاءة والخبرة فى إدارة شئون الدولة.

بينما وصفت الدكتورة مايسة إسماعيل، طبيبة بشرية، فترة حكم الجماعة بأنها اتسمت بتدهور الأوضاع الأمنية والاقتصادية، حيث تفاقمت أزمات الوقود والكهرباء والخبز، فى ظل غياب حلول واقعية من جانب الحكومة، كما شهدت البلاد تصاعدا فى وتيرة العنف والإرهاب، لا سيما فى سيناء، مما عمق الشعور بعدم الاستقرار لدى المواطنين، فضلا عن الخطاب السياسى والدينى لبعض قيادات الجماعة ومناصريها، الذى اتسم بالإقصاء والتعالي، وتهديد المعارضين، ما زاد من حالة الاحتقان الشعبي، وتختم بقولها إن تجربة حكم الإخوان أثبتت فشلهم فى إدارة الدولة، وهو ما دفع المصريين للخروج فى ثورة 30 يونيو لإسقاط حكم الجماعة وإنقاذ مصر.

الأهرام




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية