التفوق الأبيض

التفوق الأبيض

مشاهدة

19/03/2019

أحمد يوسف أحمد

إلى تيار «التفوق الأبيض» ينتمى منفذ مذبحة مدينة «كرايست شيرش» المسالمة ككل نيوزيلندا وهي المذبحة التي وقعت يوم الجمعة الماضي على يد مواطن أسترالي من أبوين بريطانيين وراح ضحيتها ما يزيد على المائة من المسلمين الأبرياء أثناء أدائهم فريضة صلاة الجمعة استُشهد أكثر من نصفهم بينما أصيب الآخرون، ومن الواضح تماماً أن المجرم لم ينفذ مذبحته عشوائياً، وإنما هو صاحب فكر متطرف يؤصل للعداء مع الإسلام تاريخياً ويتذكر معاركه كافة في أوروبا تلك التي انتصر فيها أو انهزم ويتعهد بالانتقام للهزائم ويعتبر أن الهجرة الحالية لأوروبا غزوة جديدة تهددها، ويطالب بقتل من ييسرها من الساسة، ويعتبر من يقف ضدها مثلاً يُحتذى، ويخطط لجريمته بأناة لمدة عامين ثم يختار موقعها في واحدة من أكثر بلاد الدنيا سلاماً، كرسالة منه لمن يسميهم بالغزاة، مفادها أنهم لن يكونوا في مأمن في أي مكان في العالم، ويكتب على أسلحته عبارات تنضح بفكره المتطرف، ويصور الجريمة بكاميرا مثبتة على خوذته وينقلها على الإنترنت، ويرتكبها بدم بارد لدرجة أن يغادر المسجد بعد أن فرغت ذخيرته ليعيد تعبئتها، ويفخر بجريمته بعد القبض عليه ويستخدم في الصورة الملتقطة له رمز جماعات تفوق العنصر الأبيض (وهو ضم السبابة والإبهام على شكل دائرة) ويقول بأنه سيحصل على جائزة نوبل للسلام ويُشَبه نفسه بنيلسون مانديلا مع أنه نقيضه في كل شيء.
ولا تقف خطورة هذه الجريمة عند كم الأبرياء الذين راحوا ضحية لها، وإنما تنبع أساساً من أن مرتكب الجريمة ينتمى لتيار فكري محدد موجود في أوروبا والولايات المتحدة والعالم الغربي عموماً، وقد سارع السيناتور الأسترالي «فرانز أنينج» بالتصريح بأن «المجزرة ناجمة عن برنامج الهجرة الذي أتاح لمتعصبين مسلمين الهجرة لنيوزيلندا» وأنه «إذا كان المسلمون هم الضحية اليوم فهم الفاعلون بصفة عامة»، وهي تصريحات تعكس فكر منفذ المذبحة وتنطوي على تبسيط مخل للأمور، فالإرهاب ليس قاصراً عبر التاريخ وحتى الآن على أتباع دين بعينه، وقد مارس المتطرفون من الأديان كافة الإرهاب، بل لقد مورس أحياناً من قِبَلِهم تجاه أبناء ديانتهم المختلفين معهم في المذهب، ولو أردنا لتحدثنا عن جرائم الاستعمار الأوروبي في وطننا العربي وأفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، لكن المسألة الآن يجب أن تسمو على تبادل الاتهامات لأن المطلوب من جميع العقلاء من جميع الأديان- وهم بالتأكيد الأغلبية الواضحة- أن نتدارس السبل الكفيلة بوقف موجات الكراهية التي تأخذ في الانتشار، وليس ببعيد عنا الحدث الإنساني الرائع الذي شهدته أرض الإمارات الطيبة عندما التقى البابا فرنسيس بشيخ الأزهر ووقعا الوثيقة التي اعتُبرت عالمياً خطوة جبارة في الطريق الصحيح، وترجع الأهمية القصوى لمواصلة هذا المسعى أن اليمين المتطرف الذي أتى منه منفذ المذبحة يحقق مكاسب سياسية واضحة في أوروبا والولايات المتحدة وكندا وأستراليا، ووصل إلى الحكم بالفعل في بعض البلدان فضلاً عن تحقيق مكاسب متزايدة في بلدان أخرى، ما يعني أننا قد نكون مقبلين على حقبة خطيرة من منظور انتشار الكراهية وعدم التسامح.
غير أن هذا لا يعني بحال أن الغلبة في هذا العالم للمتطرفين ولن تكون. ولابد أن نذكر بكل الاطمئنان أنه إلى جانب المتطرف الذي نفذ الجريمة ومن سانده كانت المشاهد الإنسانية السامية لحكومة نيوزيلندا وشعبها وكانت التصريحات التي أدلت بها رئيسة الوزراء الواضحة في إدانتها والمدركة لضرورة اتخاذ الإجراءات المطلوبة لمنع تكرار هذه الجرائم، والأهم من ذلك المواساة الصادقة لأسر الضحايا والتعاطف الجميل من الشعب النيوزيلندي بالكلمات المُدينة لما وقع والمُحبة للجميع والزهور التي غطت موقع الجريمة والتبرعات غير المسبوقة لأسر الضحايا، وقد تأثرت بصفة خاصة بموقف المجلس اليهودي النيوزيلندي الذي صرح رئيسه بأن المجلس «يشعر بالاشمئزاز والحزن» وعرض المساعدة والدعم على الجالية المسلمة وأكد الوقوف معها «ضد ويلات الإرهاب والعنصرية»، والأهم من ذلك أن الجالية اليهودية في المدينة أغلقت معابدها لأول مرة في تاريخها تضامناً مع المسلمين، ومن هنا الأمل في المستقبل، ولذلك فإن الجاليات الإسلامية والعربية مُحَملة بمهمة جادة تعمل فيها بلا كلل على إيضاح الجوهر الحقيقي للإسلام وتمد جسور التواصل مع جميع الأديان والأعراق من أجل عالم متسامح ننتصر فيه على دعاة الكراهية.

عن "الاتحاد" الإماراتية

الصفحة الرئيسية