
الانقسام داخل الكنيسة الأرثوذكسيّة لم يكن حدثًا عابرًا، بل نتيجة مباشرة لخيارات رأسها البطريرك يوحنا العاشر. منذ سنوات تصرّف علنًا إلى جانب نظام البعث، ممّا حوّل الكنيسة من بيت جامع لكل أبنائها إلى مؤسسة مُنفِّرة، دفعت كثيرين من المسيحييّن إلى الابتعاد عنها.
أوّلاً: يعيد البطريرك اليوم إنتاج الأزمة نفسها؛ فهو لا يكتفي بتجاهل الثوار المسيحيين والسياسيين المستقلين وتاريخ عائلاتهم المناهضة لنظام بشار البائد، بل يتجاوز حتّى أبناء الكنيسة الذين خرجوا من صلبها ووقفوا بمسؤولية في وجه الاستبداد. المسيحيون الذين دفعوا ثمنًا باهظًا بسبب تاريخ عائلاتهم السياسي والثوري مع النظام الاستبدادي المجرم، لم يجدوا دعمًا من مؤسستهم الروحيّة التي كانت تصطفّ بشكل كامل مع النظام البائد خلال سنوات الثورة السورية. كثيرون منهم اضطروا للسّفر والهجرة، بعضهم سُجن، والبعض الآخر قُتل، تاركين خلفهم تاريخًا من النضال والتضحيات التي لم تُكرَّم. هؤلاء يُترك لهم الباب موصدًا، ويُعاملون كأنّهم غرباء عن بيت هم من ركائزه الأساسية. وهو يقدّم نفسه اليوم على أنّه الثائر الوحيد على النظام، متجاهلًا مواقفه السابقة التي يعرفها الجميع.
قد يزعج هذا الكلام كثيرين، ونعتذر سلفًا إن بدا قاسيًا، لكنّ الحقيقة لا يمكن أن تُخفى: البطريرك لا يريد أن يستشير إلا من يحيطون به اليوم، أولئك الذين أثبتوا فشلهم في الحوار والتمثيل والرعاية والعقل. أمّا الأصوات الأخرى، من أبناء الكنيسة الصادقين والثوار والمستقلين، فيُترك لهم الباب موصدًا كأنّهم غير موجودين.
المفارقة الصارخة أنّ خطابه قبل أسابيع فقط، في جنازات شهداء مار إلياس، كان حادًّا بحقّ الحكومة، بينما اليوم يظهر في مشهد مختلف تمامًا، يوزّع الابتسامات والرسائل المطمئنة. هذا التحوّل السريع لا يوحّد الناس، بل يزرع مزيدًا من الشك والانقسام.
إضافة إلى ذلك، يوسّع البطريرك بهذا التصرف الهوّة بين المسيحيين والمجتمع، علمًا أنّ المسيحيين أنفسهم منقسمون في المواقف. كان الأجدى أن يعتمد البطريرك السياسيين الثوار المسيحيين المعروفين الذين كانوا مع الثورة ليكونوا جزءًا من المشهد السياسي العام، لا أن يترك المجال لشخصيات ما تزال محسوبة على النظام من الرماديين والبعثيين.
ثانيًا، يحتكر رجال الدين ممثلين عن الكنيسة في المؤتمرات الوطنية والمدنية والرسمية التي تنظمها الحكومة الجديدة، بينما لا نجد أيّ حضور حقيقي للمدنييّن من المكونات المختلفة، وخاصّة المسيحييّن. هذا النمط من التمثيل لا يمكن أن يُسهم في بناء دولة مدنية حقيقية تعكس التنوع الوطني.
إنّ ما يقوم به البطريرك اليوم لا يصنع وحدة ولا يعيد الثقة، بل يكرّس الانقسام داخل الكنيسة نفسها، ويُعيد إلى الواجهة صورة "الملي باشي" الذي يحتكر تمثيل الطائفة. لكنّ المسيحيين في سوريا ليسوا بحاجة إلى وصاية جديدة، ولا إلى صوت يتحدث باسمهم من موقع الاحتكار، بل إلى مؤسسة كنسيّة تستعيد دورها الطبيعي: حضنًا روحيًا جامعًا لكلّ أبنائها، وبيتًا للحوار لا للإقصاء.
لقد جرّبت الكنيسة الاصطفاف سابقًا فدفعت ثمنًا باهظًا، ولا يجوز اليوم أن يُعاد إنتاج المشهد نفسه. المسيحيون شركاء في الوطن، لا رعايا عند رجل دين، ومن حقّهم أن يروا كنيسة منفتحة تحترم خياراتهم وتاريخهم، بدل أن تُغلق الأبواب عليهم وتتركهم أسرى الانقسام.



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D9%83%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86_1_0_0_0_0_3_0_1_0.jpg.webp?itok=2QgRc-Y1)








![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_5_1_0_2.jpg.webp?itok=6xnH0ImP)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1mpDtUyNuppx5wA4RLM50kLzs-N3DVqtOFyLTsKQNOfdoNI0SXRL41L4TalauhrWnJzqNeiqiO19JLllbIww_gs_Xbex6oxfXqqIunFxOaVjs5bblfAvwHVGIYs2GvUiK1Vlz9__xWFQ-OlxXYWNN2bh4KIE6hZR9C1VX4TG5UdHmS6xMn0k_qyTLoEXU6Io.jpg.webp?itok=4u-QQL8o)







![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/5YTmzoxRDC9d4MmYVdeZ-s961mAllXxIWexH58DYTH4Ca3CxJ6td92-OSRFfcrckM8hdtTRYBcBBT4-tCjfiME-tN5gPkmrXuI1OqpSZ0LPQ8PFVl4jcBbjYdjDU-Qr27B7zbOY2bLjYpebK6gUD8qkAbEZtt6C33eqQHvE46uuyhlw75mD0pHUEeP-wPT7W.jpg.webp?itok=I39PCZfU)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_17.png.webp?itok=d_X72sea)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_34_3_5.jpg.webp?itok=Ci8Js3Fa)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20_0_0_0.jpg.webp?itok=YxXTGKyA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)