الاستقالات: كارت إخوان المغرب لخداع الناخبين

الاستقالات: كارت إخوان المغرب لخداع الناخبين

مشاهدة

07/03/2021

يتزايد عدد الراغبين بالقفز من سفينة حزب العدالة والتنمية الإخواني في المغرب، الذي يترأس الحكومة بشكل متزايد، مع اقتراب الانتخابات التشريعية المرتقبة خلال شهور، هرباً من سفينة الحزب والحكومة التي تكاد تغرق بإخفاقات سياسية واجتماعية وتنافس داخلي.

الباحث نور الدين اليزيد لـ "حفريات":  حزب بيجيدي يبحث عن أية وسيلة أو أداة لإنقاذ ماء الوجه، ومن ذلك الظهور بمظهر الرافض للأوضاع

وجاءت الاستقالة المفاجئة، والخارجة عن المألوف والبروتوكول لوزير الدولة لحقوق الإنسان والبرلمان، المصطفى الرميد، لتثير جدلاً كبيراً في المغرب، حول توقيت الاستقالة ومسبباتها، واستغلال الرميد لحالته الصحية للقفز من سفينة الحكومة، مع احتفاظه بمنصبه في قيادة الحزب، وربط مراقبون بين الاستقالة وطرح وزارة الداخلية مشروع قانون تقنين القنب الهندي، وما سبقه من إعادة العلاقات مع إسرائيل، ووصفوا الاستقالة بأنّها محاولة للتملص من المسؤولية، وإبراء الذمة أمام الكتلة الانتخابية، وتقديم للمصلحة الشخصية على حساب المصلحة العامة.

استقالة غير مألوفة

قدم وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان والعلاقات مع البرلمان، والقيادي بحزب العدالة والتنمية (بيجدي)، المصطفى الرميد، استقالته من عضوية حكومة سعد الدين العثماني، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية الإخواني، ويُحسب الرميد على جناح صقور الحزب، وذلك بتاريخ 26 من الشهر الماضي.

توقيع اتفاق استئناف العلاقات بين المغرب وإسرائيل

وقال الرميد في استقالته التي وجهها إلى رئيس الحكومة: "نظراً لحالتي الصحية، وعدم قدرتي على الاستمرار في تحمّل أعباء المسؤوليات المنوطة بي، فإنيّ أقدم لكم استقالتي من العضوية في الحكومة، راجياً رفعها إلى جلالة الملك، حفظه الله ورعاه".

ولم يكن تقديم الاستقالة ليثير الجدل الكبير الذي خلفه لو اتخذت مسارها الطبيعي، عبر تقديم الاستقالة إلى رئيس الحكومة، وعدم الإفصاح عنها لوسائل الإعلام، قبل قبولها من الملك.

اقرأ أيضاً: إخوان المغرب: البقاء في السلطة على حساب المبادئ والشعارات

لكن ما حدث أنّ الرميد قام بتسريب رسالة الاستقالة، بعد عرضها على رئيس الحكومة، ما فتح الباب أمام تكهنات عديدة حول الهدف من ذلك، خاصة أنّه يعلم أنّ قرار قبول الاستقالة بيد الملك وحده.

وينصّ الفصل 47 من الدستور على أنّ "للملك، بمبادرة منه، بعد استشارة رئيس الحكومة، أن يعفي عضواً أو أكثر من أعضاء الحكومة من مهامهم. كما لرئيس الحكومة أن يطلب من الملك إعفاء عضو أو أكثر من أعضاء الحكومة. ولرئيس الحكومة أن يطلب من الملك إعفاء عضو أو أكثر، من أعضاء الحكومة، بناء على استقالتهم، الفردية أو الجماعية".

وتمنح الفقرة الخامسة من الفصل 47 من الدستور الملك السلطة التقديرية الواسعة في رفض أو قبول الاستقالة، كما أنّ المشرع لم يلزم الملك بأجل دستوري.

وذكرت مصادر قريبة من الرميد، أنّه أجرى عملية أدّت إلى إزالة إحدى كليتيه، وهو ما أدّى إلى انعكاسات سلبية على حالته الصحية أقعدته البيت لأسابيع.

وشغل الرميد منصب وزير العدل في الفترة (2012 - 2017)، وتولى بعدها منصب وزير الدولة لحقوق الإنسان والعلاقات مع البرلمان منذ 2017، ووُجهت إليه انتقادات كبيرة بسبب تغاضيه عن تردّي أوضاع حقوق الإنسان في المغرب.

اقرأ أيضاً: المغرب في مواجهة المد الجهادي في الساحل الأفريقي

وفي اليوم نفسه، أعلن رئيس المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية، إدريس الأزمي الإدريسي، استقالته من برلمان "البيجيدي"، ومن الأمانة العامة، وقال "يؤسفني أن أقدم إلى المجلس الموقر استقالتي من رئاسة المجلس الوطني للحزب وبالتبع من الأمانة العامة للحزب".

وزير الدولة لحقوق الإنسان، القيادي الإخواني، المصطفى الرميد

وتأتي استقالة الإدريسي احتجاجاً على التناقض الكبير بين سياسة الحزب في الحكومة والمبادئ التي يؤمن بها، "عوض المباغتة والمفاجأة والهروب إلى الأمام وتبرير كلّ شيء بكلّ شيء، في تناقض صارخ مع ما يؤسس هوية الحزب ويكون جيناته الأصلية".

ولفت بيان الإدريسي إلى تقديم قيادات الحزب هدف البقاء في السلطة على حساب مبادئ الحزب، "لا بدّ من مثل هذه المواقف، على صعوبتها، كي يساءل الحزب وقيادته نفسها بالعودة إلى أصله، كي نستكشف هل ما يزال الحزب يصلح لشيء ما، باعتبار أنّه لم يكن في يوم من الأيام دكاناً انتخابياً، أو هكذا كان يعرّف نفسه".

اقرأ أيضاً: كيف تسيست نساء التنظيمات الإسلامية في المغرب؟

وجاءت استقالة الإدريسي بالتزامن مع استقالة الرميد، وهما من المحسوبين على جناح الصقور، لتكشف هروب القيادات من سفينة الحزب، التي تكاد تغرق تحت أعباء الإخفاق الاقتصادي، وتراجع مستوى المعيشة، علاوة على قبول التطبيع مع إسرائيل، وبحث مشروع قانون تقنين القنب الهندي.

اقرأ أيضاً: "بذخ في زمن كورونا".. الانتقادات تلاحق "إخوان المغرب"

وعاد الرميد والإدريسي إلى التراجع عن الاستقالة عقب أيام من إشهارها، ويبرر أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بالمغرب، رشيد لزرق، التراجع السريع عن الاستقالة، رغم التصريحات النارية التي أطلقها الإدريسي؛ بأنّ حزب العدالة والتنمية لا يحلّ خلافاته كحزب مؤسسي، "طبيعة بنية العدالة والتنمية مختلفة عن باقي التنظيمات الحزبية، لهذا فإنّ آليات تصريف المواقف وتدبير الخلافات لا تكون من خلال الأجهزة، بل تدبّر من داخل الجماعة".

ويتوقّع لزرق، في حديثه لـ "حفريات"، أن "تتفاقم الخلافات داخل الحزب، مع قرب الاستحقاقات القادمة، لكن سيتمّ تجاوز الخلافات وتخفيف حدّتها عبر شيوخ الجماعة، خاصة أنّ هناك صراع على خلافة العثماني، والمصطفى الرميد أحد المرشحين بقوة".

ما وراء استقالة الرميد

وربما يريد الرميد النأي بنفسه عن تمرير قانون تقنين القنب الهندي، كون تمرير القانون وهو في الحكومة وصمة أخلاقية في حقّه، لأنّ الحزب يعدّ القنّب من المخدرات، وذلك سيستغله خصومه داخل الحزب.

اقرأ أيضاً: لماذا يرحّب أردوغان باتفاق السّلام مع المغرب ويقترب من إسرائيل؟

ويرى الباحث المغربي في العلوم السياسية والكاتب الصحفي، نور الدين اليزيد؛ أنّ حزب بيجيدي يبحث عن أية وسيلة أو أداة لإنقاذ ماء الوجه، ومن ذلك "الظهور بمظهر الرافض للأوضاع وتقديم الاستقالة حتى إن كانت بمبرّر المرض، بعد أن أصبح عارياً ومفضوحاً أمام المواطنين بممارساته المزدوجة في الخطاب، التقية الدينية وخدمة النظام".

أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بالمغرب، رشيد لزرق

ويردف اليزيد لـ "حفريات"؛ أنّ الحزب يحاول الهروب من المعادلة السياسية المغربية، لكنّ "النظام أذكى من أن تنطلي عليه الحيلة، وذلك عندما رفض الملك استقالة أحد صقور الحزب، الوزير مصطفى الرميد، بعد أن حاول الأخير النشر على نطاق واسع أنّه منهك صحياً، ليفلت بجلده، لكنّ القصر له وجهة نظر أخرى".

ويشكّك اليزيد في كون المرض السبب الحقيقي لتقديم الرميد استقالته، ويدلل على ذلك بأنّه لم يتقدم بالاستقالة من عضوية الحزب، "كانت تلك الخطوة ستمنح زعمَه بعضاً من المصداقية، على الأقل، لكنّه أثبت أنّ الاستقالة كانت غايتها حرصاً شخصياً وحزبياً حثيثاً لتحقيق مصالح ضيقة، تهم جماعته وإطاره السياسي".

حمى الانقسامات

ويتوقع الخبير الدستوري والحزبي، رشيد لزرق؛ أن تزيد حمى الانقسامات في صفوف البيجيدي، وأنّ ذلك سيجعل "الطامحين من قيادات الصف الأول، يدخلون حرب الأجنحة، ويطفو ذلك على السطح".

ويسود استياء شعبي في أوساط المواطنين البسطاء، بفعل الزيادات المتكررة في أسعار المنتجات الاستهلاكية، في مقابل جمود الأجور وتوالي سلسلة التسريحات الجماعية الناجمة عن التداعيات الاجتماعية لأزمة "كوفيد-19" بالحواضر والقرى.

خبراء يتوقعون أن تزيد حمى الانقسامات في صفوف البيجيدي، ما سيجعل الطامحين من قيادات الصف الأول، يدخلون حرب الأجنحة، ويطفو ذلك على السطح

وكان الأمين العام السابق، والقائد البارز في الحزب، عبد الإله بنكيران، قد هدّد بالاستقالة من الحزب إذا "ما وافقت الأمانة العامة للحزب على تبني القانون المتعلق بالقنب الهندي المعروض على الحكومة"، وأكد أنّ انسحابه سيكون نهائياً.

وإضافة إلى المشاكل الداخلية التي يواجهها حزب العدالة والتنمية، يواجه الحزب خطراً يهدّد مكاسبه الانتخابية، وهو القانون المقترح بتعديل القاسم الانتخابي، ليكون الاحتساب على أساس عدد الأصوات المسجلة، بدلاً من الأصوات الصحيحة.

الباحث المغربي في العلوم السياسية نور الدين اليزيد

ووفق نظام الانتخاب بالتمثّيل النسبي تيُحتسب القاسم الانتخابي وفق عدد الأصوات الصحيحة، ولا توجد دولة في العالم تحتسبه وفق عدد الأصوات المسجلة، الذي يؤدّي إلى تساوي جميع الأحزاب في الحصول على مقاعد في البرلمان.

وأيدت جميع القوى السياسية مقترح تعديل القاسم الانتخابي، بينما أعلن حزب العدالة والتنمية رفضه للمقترح، والتصويت ضدّه حال إحالته إلى البرلمان.

ويعيش الحزب أزمات بنيوية تتعلق بالصدام بين الأيديولوجيا الدينية التي يرفعها وممارساته في الحكومة، بعد تخلّيه عن الشعارات التي لطالما استغلها في حشد الكتلة الانتخابية، من أجل البقاء في المشهد السياسي، وهو ما كشف زيف ونفاق الحزب أمام القواعد الانتخابية، التي لطالما حُشدت باسم الدين.

الصفحة الرئيسية