
بينما جمع تدريب سرت قيادات الجيش الليبي من الشرق والغرب، يظل موقف تيارات الإسلام السياسي في غرب ليبيا من تطورات العملية السياسية ومساعي توحيد السلطات بين بنغازي وطرابلس مثيرًا للريبة، ويفتح باب التساؤلات حول طبيعة توزيع الأدوار والمواقف فيما بينها.
وفي هذا السياق استنكرت دار الإفتاء، من خلال بيان صادر عن مجلس البحوث والدراسات الشرعية، ما وصفته بـ "صفقة تسليم طرابلس لحفتر" تحت ما سمّته "مقاسمة السلطة في ليبيا"، زاعمة في بيانها أنّ "حكم حفتر العسكري الدموي لا يقبل المشاركة، ولا يرضى إلا أن يكون أهل ليبيا بالسلاسل والأغلال".
إلى ذلك، يبرز تساؤل محوري حول أسباب تموضع قوى الإسلام السياسي في ليبيا في مواجهة أيّ مسار يدفع نحو الاستقرار وتوحيد السلطات التنفيذية، وتسمية المناصب القيادية، بما يمهّد للاستحقاق الانتخابي.
وقد شهدت مدينة سرت فعاليات تمرين "فلينتلوك" بمشاركة تشكيلات عسكرية من شرق البلاد وغربها، فضلًا عن حضور دولي بإشراف أمريكي، في خطوة تعكس توجّهًا نحو تعزيز التنسيق الأمني بين الأطراف الليبية ضمن إطار دولي منظم.
وبينما صاغت الجغرافيا موقع مدينة سرت في منتصف المسافة بين بنغازي وطرابلس، لفتت إحدى الصور المتداولة الانتباه؛ إذ ظهر وكيل وزارة دفاع حكومة عبد الحميد الدبيبة في غرب ليبيا، عبد السلام زوبي، إلى جانب الفريق أول صدام حفتر، بصفته نائبًا للقيادة العامة في الجيش الوطني بشرق ليبيا، في مشهد دالّ يعكس تراكم المساعي نحو توحيد المؤسسات الليبية.
في المقابل، يتصاعد هجوم تيارات الإسلام السياسي ضد أيّ تحركات تهدف نحو توحيد المؤسسات الليبية والتحرك نحو مشهد الاستقرار.
وتتقاطع هذه المؤشرات مع منظور أوسع طُرح مؤخرًا، يقوم على (3) مسارات متوازية: أمني-عسكري، وآخر اقتصادي، وثالث سياسي، في إطار مقاربة دولية يقودها مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي، وتهدف إلى إعادة ضبط المشهد الليبي بشكل تدريجي.
ويظل المسار الثالث "السياسي"، في ضوء هذه التطورات، الحلقة الأكثر إرباكًا، في ظل تناقضات عميقة، يتصدرها تموضع تيارات الإسلام السياسي كأحد أبرز معوقات أيّ تطور إيجابي يمكن أن يدفع نحو ترتيب المجال العام في ليبيا وإعادة صياغة التفاهمات بين الأطراف المختلفة.
الإسلام السياسي بين الرفض والتصعيد: دوافع ومآلات
في هذا السياق يشير الكاتب السياسي عبد الله الغرياني إلى تصاعد ما يصفه بـ "الخطاب المرتفع" الصادر عن دار الإفتاء وبعض التيارات المتشددة، وهي ـ بحسب رأيه ـ التي سبق أن حرّضت على الانقلاب على نتائج الانتخابات البرلمانية عام 2014. ويؤكد أنّ هذه التيارات ما تزال تسير على خطّ التطرف، تارةً لخدمة مصالحها الخاصة، وتارةً لخدمة أطراف سياسية بعينها.
ويتتبع الكاتب الليبي المقرب من الفريق أول صدام حفتر تصاعد هذا الخطاب، ويربطه باستمرار حالة الاستقطاب السياسي، حيث تتحرك بعض الأطراف وفق منطق التأزيم بدل التهدئة، بما يخدم مصالحها المباشرة أو غير المباشرة.
ويدقق الغرياني في إطار تصريحاته لـ (حفريات) في طبيعة المسار الأممي، موضحًا أنّه تأسس مؤخرًا ضمن إطار حوارٍ "مُمَأسس" يضم عدة لجان "اقتصادية، وحوكمة، وغيرها"، وقد أفضى إلى مخرجاتٍ وصفها بأنّها مطوّلة ومعقّدة. غير أنّه يلفت إلى أنّ آليات تنفيذ هذه المخرجات ما تزال غامضة وغير واضحة للرأي العام، بل حتى للفاعلين أنفسهم، وهو ما يحدّ من فاعليتها على أرض الواقع.
وينتقل الكاتب الليبي إلى تحليل ما يسمّيه "المسار الأمريكي"، معتبرًا إيّاه أكثر واقعية، إذ يركّز على التعاون مع القوى المسيطرة فعليًا على الأرض من حيث الجغرافيا والموارد والنفوذ العسكري. ويشير إلى أنّ هذا المسار جاء بعد سلسلة لقاءات ثنائية امتدت قرابة سبعة إلى ثمانية أشهر في عواصم أوروبية منها باريس وروما، بهدف الوصول إلى تفاهمات بين الأطراف الرئيسية في الشرق والغرب، ويرى أنّ هذه المبادرة "تلامس جوهر الأزمة"، وهو ما يمنحها قدرًا من الواقعية، خاصة في ظل سعي بعض الأطراف للبقاء في السلطة، في مقابل اشتراطات المسار الأممي التي تقضي بتغيير الحكومة الحالية.
ويتتبع الغرياني موقف التيارات الإسلامية، موضحًا أنّها عارضت المبادرة الأمريكية، خاصة بعد تصاعد الحديث عن سياسات أمريكية تستهدف جماعة الإخوان المسلمين، ويشير إلى أنّ هذه التيارات استشعرت خطر الإقصاء من العملية السياسية، هو ما دفعها إلى التصعيد ورفض أيّ تسوية قد تُفضي إلى تهميشها، ويربط هذا الموقف بمحاولات تحشيد سياسي مستندة إلى علاقات سابقة وشبكات تحالف داخل المشهد السياسي الليبي.
ويدقق كذلك في تداخل المصالح بين مختلف الأطراف، مشيرًا إلى أنّ بعض المواقف لا تنطلق من قناعات مبدئية بقدر ما تعكس تقاطعات مصلحية ظرفية، مؤكدًا أنّ احتمالات إقصاء بعض القوى، خاصة الإسلامية، تظل قائمة في أيّ تسوية مستقبلية، سواء عبر المسار الأمريكي أو حتى الأممي.
ويتناول مسألة المناورات العسكرية، موضحًا أنّها ليست جزءًا مباشرًا من المسار السياسي، بل تأتي ضمن تعاون عسكري قائم منذ فترة، يشمل تدريبات ومناورات مشتركة في إطار مكافحة الإرهاب وتعزيز القدرات الأمنية، ويرى أنّ الربط بينها وبين المبادرة السياسية جاء نتيجة تزامن الأحداث لا أكثر.
المبادرة الأمريكية ومسارات الحل
من جانبه، قال حمد الخراز، الكاتب السياسي، لـ (حفريات): إنّ التطورات الأخيرة تأتي في سياق التحرّك الأمريكي الكبير خلال الفترة الماضية في ليبيا، عبر المستشار مسعد بولس. وأوضح أنّ هذه المناورات ليست سوى اللبنة الأولى في الخطة الأمريكية التي تتخذ عدة مسارات: اقتصادي، وعسكري، وسياسي.
وأضاف أنّ الخطة الأمريكية تبدو متكاملة؛ إذ بدأت بتوحيد الميزانية والإنفاق، والآن نشهد مناورات في مدينة سرت، مشيرًا إلى أنّ الأدوار قد تُوزَّع على الأقاليم التاريخية في ليبيا، مع بروز دور للقيادات الوطنية. ولفت إلى إمكانية إعادة توحيد الحكومة الموجودة في غرب البلاد، عبر إشراك شخصيات ممثلة عن الطرف الآخر.
وشدّد الخراز على أنّ هذه الخطة تواجه تحديات متعددة، من بينها تحديات داخلية، أبرزها رفض التيارات الإسلامية لأيّ توافق مع قيادة الجيش، إلى جانب تحديات دولية، مثل الموقف الروسي وغيره من القوى التي ترفض تسوية برعاية أمريكية قد تعزز نفوذ واشنطن في ليبيا.
وبين الكاتب الليبي أنّ الأمور، حتى الآن، تسير وفق ما خُطط له، لكن من المرجّح أن تواجه هذه الخطة صعوبات كبيرة في المستقبل القريب، وهو ما قد يعيد الأوضاع إلى نقطة الصفر، خاصة في ظل عدم اكتمال آليات توحيد المؤسسة العسكرية.
وأوضح أنّ من أبرز العقبات أيضًا وجود مجموعات مسلحة وقوات غير منضبطة، لا يمكن دمجها بسهولة ضمن مؤسسة عسكرية نظامية، مؤكدًا أنّ أيّ محاولة لتوحيد المؤسسة العسكرية تتطلب مراحل معقّدة، مثل التسريح وإعادة التأهيل والتدريب، سواء بإشراف دولي أو عبر الأطراف المحلية.
وتابع قائلًا: إنّ المسار السياسي يظل الأبرز والأكثر ترجيحًا للنجاح، متوقعًا إعادة هيكلة أو تشكيل حكومة موحدة. ولفت إلى وجود آراء متباينة داخل مجلس الدولة، الذي يرفض هذه الخطة، معتبرًا أنّه قد يصبح خارج المعادلة قريبًا في حال إتمام صفقة سياسية برعاية أمريكية.
دار الإفتاء وتكريس تيار التأزيم وعرقلة التوافق
بدوره لفت السياسي الليبي أحمد العبود إلى أنّ ما يجري اليوم يُعدّ محل متابعة دقيقة لما يحدث في مسار بوزنيقة على مختلف المستويات. وأوضح أنّ هناك معارضة شديدة برزت من دار الإفتاء، خاصة فيما يتعلق بمسار توحيد المصرف المركزي، والاتفاق على إطار موحد للتنمية.
وأضاف العبود في حديثه لـ (حفريات) بقوله: إنّ المشهد الحالي كشف عن أصوات عالية من تيار سبق له أن كفّر المؤسسة العسكرية والقيادة العامة للجيش، إضافة إلى المشير حفتر ومناصريه وداعميه، واليوم عاد هذا التيار بخطاب عدائي واضح وبسقف مرتفع.
وأشار العبود إلى أنّ هذا الواقع يقودنا إلى القول إنّ هناك صوتين بارزين في المشهد الليبي:
الأوّل، صوت يدعو إلى التوافق، وهو صوت عقلاني يرى أنّ الوقت قد حان لتوحيد الدولة الليبية والاستفادة من الفرص المتاحة على الصعيد الدولي، سياسيًا أو اقتصاديًا أو استثماريًا أو أمنيًا.
أمّا الصوت الثاني، فهو يسعى إلى استمرار الوضع القائم، ويمثله تيار التأزيم الذي تتصدره دار الإفتاء، إلى جانب بعض الأصوات الجهوية والقبلية المعارضة، خاصة في غرب البلاد.
وختم أحمد العبود الأكاديمي الليبي تصريحاته بالإشارة إلى أنّ هذه المعارضة تأتي في سياق رفض التقارب الحاصل بين القيادة العامة للقوات المسلحة والتشكيلات العسكرية التابعة لرئاسة الأركان ووزارة الدفاع في غرب البلاد.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%8688_0_3_1_7_2_0_1_0_1.jpg.webp?itok=fFpTXApw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%86%D8%AF%D9%86_0_0_1_1.jpeg.webp?itok=zqlZO66d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_3.jpeg.webp?itok=hc_VaQOg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7_13_0_1_1_2.jpg.webp?itok=3IurMJHw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_1.jpg.webp?itok=ZHdchJGw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/011_5.jpg.webp?itok=4ZjqR8pK)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%84%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AF%D8%A7_0_1.jpg.webp?itok=tTV7VYQo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3_193_0.jpg.webp?itok=nRwtHFUN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B1%20%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%A7%D8%AE%D9%84%D9%8A_1_3_1_1.jpg.webp?itok=o3ONEK_p)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%85%D9%88%D9%8A%D9%84_1_5.jpg.webp?itok=hCdKmnI4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%B4%D8%A71.jpg.webp?itok=kuO7Yy_d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD_38.jpg.webp?itok=jH4JYkNB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_27.jpg.webp?itok=3Lue5fk6)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_2.jpeg.webp?itok=R9lPs42T)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B2%D8%A9_176.jpg.webp?itok=aL0i-O1b)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/011_4.jpg.webp?itok=0QR5maRr)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%88%D8%B2%D9%8A_1.jpg.webp?itok=l-buhOgN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%88%D9%86%D8%A7%D9%86_10.jpg.webp?itok=lZKGjScW)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/4e45cd14-609d-41dc-8337-47bdff5ee0cc_0.png.webp?itok=aZAFci1K)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D9%84%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=TYJr2e66)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/GDwvCo_zMvwWviO1UBjZOIncr8lBppACdNT5J2TgfLKiQt_Gch5Mbarh28Jo_9qBwcr2yCAGeE6sde8thVaLC2axkS3EdFlt0lVf9sRMY3oGNK4DR-i8hDLKVbVwbGpBttMNqPlZ0db_UOo4RUv8BtbOP3ye6_zuKhmtGTMdUL1NuxY8S1_j8dcMOIUPl9Ht%20%281%29.jpg.webp?itok=nS9xUUct)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/ViYLxN7VkltvpvRG-BjwxijOzunHI9I_yZcM-e_K1TvKFCw4ds6oGRnGjeoTuODbDJZmxErM8WUpMaoSmGVs1o2jjcTozGzw4UwThDP3UDzeljr5wkQNDW3VWrMykNYUsRHwLAOMXx7_q52ErSNBggk2RD-IprWZcNisyCgWBHQYHnnJWha4GC1CQRvIuX5h%20%281%29.jpg.webp?itok=iKGLY69d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%A7%D8%AA_0_1.jpg.webp?itok=PBow1BGf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A7_82_1_2_0_0_0_0_1.jpg.webp?itok=--QJOt8O)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)
