
تُعدّ قضية "الحرب" في متخيل الإسلاميين واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل والالتباس المعرفي، إذ لا تقف الإشكالية عند حدود الاختلاف الفقهي التقليدي حول "الجهاد"، بل تتجاوز ذلك لتكشف عن خلل بنيوي عميق في "هوية" هذه الحركات وموقفها من العصر. إننا أمام حالة حادة من "الانفصام الإبستمولوجي" الذي يشطر وعي الإسلاميين إلى مسارين متوازيين لا يلتقيان إلا في لحظات التأزم؛ مسار يمارس "برغماتية الممكن" السياسي، ومسار يقتات على "رومانسية المتخيل" الجهادي.
في الممارسة السياسية الرسمية نجد أنّ الخطاب القيادي عند الإسلاميين "خاصة تلك التي انخرطت في العمل البرلماني أو الحكومي" يجنح نحو تبنّي لغة "الدولة الوطنية" الحديثة، مستخدماً مفردات مثل "المواطنة"، و"المواثيق الدولية"، و"السلمية" كخيار استراتيجي. هذا التوجه يهدف بالأساس إلى تحقيق الاندماج في المنظومة العالمية ونفي تهمة "الإرهاب" أو "الصدامية". ومع ذلك يظل هذا الخطاب "قشرياً" في كثير من الأحيان، لأنّه لا يستند إلى مراجعات فقهية وفلسفية جذرية تعيد تعريف "الآخر" و"العالم" من منظور قيمي جديد.
في المقابل، تظل القواعد الشعبية والكوادر الوسيطة تنهل من "الأدبيات التراثية" الكلاسيكية التي تُدرس في المحاضن التربوية بعيداً عن أضواء الإعلام. هذه الأدبيات، التي لم تخضع لـ "نقد إبستمولوجي" حقيقي، تظل مشحونة بتمثلات "الحرب الكبرى"، والفتح، وتقسيم المعمورة إلى (دار إسلام ودار حرب). هذا الانشطار يولد حالة من الانفصام، حيث يمارس القادة السياسة بمنطق "الضرورة والمصلحة"، بينما يحلم الأتباع بـ "الملحمة" بمنطق "المقدس والمتخيل". إنّ أيّ استقرار سلمي في وعي هذه القواعد يظل مجرد "هدنة مؤقتة" أو "استراحة محارب" تمليها موازين القوى، لا سلاماً مبنياً على رؤية فلسفية أصيلة تؤمن بقدسية "العمران" وحرمة الدماء كأصل وجودي لا يقبل المقايضة.
يتغذى هذا الانفصام على ما يمكن تسميته بـ "سجن الذاكرة"، وهي حالة ذهنية تعجز عن التمييز بين "الدين" كقيم متعالية وبين "التاريخ" كتمثلات بشرية مرتبطة بسياقاتها. يعاني خطاب الإسلاميين هنا من عملية "سرقة للتاريخ"؛ إذ يتم انتزاع أحكام "الجهاد الطلبي" التي ولدت في مناخات إمبراطورية الخلافة الإسلامية قديماً في زمن بني العباس وغيرهم، وإسقاطها قسراً على واقع دولي معاصر محكوم بسيادة الدول وقوانين الأمم المتحدة.
إنّ الإصرار على استدعاء هذه الأحكام وإعادة إنتاجها كـ "نصوص عابرة للزمان والمكان" يحولها إلى "أوهام حاكمة" تستلب وعي الشاب المسلم، وتجعله ينظر إلى الآخر "المخالف" ليس كشريك في "التعارف الحضاري" أو "الاستخلاف" في الأرض، بل كهدف مؤجل للفتح والسيطرة. في هذا المتخيل تنزاح الحرب من كونها "فشلاً ديبلوماسياً" أو "كارثة إنسانية" يجب تجنبها بكل الوسائل، لتصبح "قدراً ميتافيزيقياً" واجباً، ولحظة منتظرة للانفجار الوجودي الذي سيحقق الذات ويستعيد الأمجاد الغابرة. هذا الارتهان للماضي يعطل العقل عن إنتاج "فقه للواقع"، ويستبدل واجب "الشهود الحضاري" القائم على الإبداع والقيم بنزعة تدميرية ترى في الخراب ممرّاً إجبارياً للتمكين.
وتتجلى خطورة هذه الازدواجية بوضوح تام عند حدوث الأزمات الكبرى أو اندلاع الصراعات الإقليمية. في تلك اللحظات الحرجة ينهار "الطلاء المدني" الهش للخطاب الرسمي، وترتد الجماهير -بفعل التعبئة التراثية الكامنة- نحو لغة الصدام المطلق. هنا تتبخر شعارات "الدولة الوطنية" وتبرز لغة "الملاحم والفتن"، ممّا يثبت أنّ "السلمية" لم تتحول بعد إلى "عقيدة فكرية" راسخة، بل ظلت "مناورة سياسية" تفتقر إلى الجذور.
وفي ظل هذا المناخ يجد "نظام التفاهة" الرقمي فرصة ذهبية؛ حيث تعمل الخوارزميات على تضخيم خطاب "الملاحم" وتسليعه، محولةً مأساة الحرب إلى مشهد سينمائي يقتات عليه الشباب المغترب، ممّا يعمق حالة "الاغتراب الوجودي" ويفصل بين "المادة" (الآلة الحربية) و"المعنى" (القيم الأخلاقية للاستخلاف). إنّ هذا الارتداد يثبت أنّ الحركات الإسلامية ما تزال تعيش "عمىً حضارياً" يمنعها من رؤية وحدة المصير الإنساني، ويجعلها تركن إلى "وهم القوة المطلقة" كبديل عن "قوة المعنى" وقيم الحق والعدل.
الخروج من مأزق هذه الازدواجية يتطلب شجاعة معرفية للانتقال من "فقه المواجهة" إلى "فقه العمران". إنّ الإسلاميين اليوم مطالبون بفك الارتباط بين "المقدس" وبين "العنف العبثي" الذي يلبس رداء الرسالية، والاعتراف بأنّ مقاصد الشريعة في حفظ النفس والعقل والعمران تقتضي بالضرورة نبذ "الإيديولوجيا الدينية المغلقة". فالاستخلاف الحقيقي ليس في الانتصار العسكري الخاطف أو في إحياء نماذج إمبراطورية اندثرت، بل في عمارة الأرض بالعدل والجمال، وفي قدرة الفكر الإسلامي على تقديم بدائل حضارية تواجه "نظام التفاهة" وتصون كرامة الإنسان. إنّ الطريق يبدأ بتفكيك "الأوهام الحاكمة" في المحاضن التربوية قبل الساحات السياسية، وبالإيمان بأنّ انتصار "المعنى" الأخلاقي هو الضمانة الوحيدة لعدم انزلاق البشرية نحو فناء لا يفرّق بين دين وعرق.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AA%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_16_0.jpg.webp?itok=cBqOpkeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/344281-293240_0_0_0_2_1_0_0.jpg.webp?itok=TDvTeKmh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D9%86_1_0.jpg.webp?itok=NCzTOlr5)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B6%D8%B1%D9%85%D9%88%D8%AA_0_0_0_0.png.webp?itok=aiu3-jwk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/IMG_6670_0_1_7.jpeg.webp?itok=8RV_dWnL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/hq720_1.jpg.webp?itok=K5jtD8NN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%88%D9%8A%D8%AA_12_0_0_0_0.jpg.webp?itok=A-z0ubez)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_105_1.jpg.webp?itok=YFMYYJ6o)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%8688_0_3_1_7_16.jpg.webp?itok=5xAFcRln)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/45441_1_1616298792.jpg.webp?itok=21c-OiEa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A72_1_0_2.jpg.webp?itok=jfkTcgP5)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A%D9%88%D9%86%20%D9%8A%D9%85%D9%86_0_0.jpg.webp?itok=qYITRVsk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/66442868058220260615035806586.jpg.webp?itok=b4jj-erZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A9_3_2_2.jpg.webp?itok=yJg8j5Rq)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/aadbeb50-0699-4359-8d4e-8951106bf7e5.jpg.webp?itok=wnuQsws2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)