
التحليل النقدي لطبيعة الفكر الذي قدّمته جماعة الإخوان المسلمين، وكذلك معظم تيارات الإسلام السياسي، يكشف عن ظاهرة لافتة ومؤثرة: وهي "الهجرة المستمرة إلى الماضي". هذه الهجرة لا تعني مجرد توقير أو احترام التراث، بل تعني بشكل أكثر عمقاً الاستدعاء الحرفي لكل ما هو كامن في التاريخ الإسلامي من تصوّرات وأقوال وآراء للأقدمين، واعتبارها هي وحدها المعيار الأوحد لفهم وتطبيق نُظم الإسلام الصالحة وتعاليمه في العصر الراهن. ويصبح الجواب عن تساؤلات العصر الحديث حول الحوكمة، والاقتصاد، وحقوق الإنسان، والعلاقات الدولية، لدى إسلاميي الأمس واليوم، ليس عبر آليات التجديد والإصلاح الديني التي تقتضي فهم النص في سياق الواقع المعاصر، بل عبر إعادة بناء صورة الإسلام كما كانت من قبل في "العصر الذهبي" المتمثل بالخلافة الراشدة أو غيرها من الفترات التاريخية المثالية في أذهانهم. هذا النشاط والحيوية الدائمة التي يبذلونها هي في جوهرها مجهود لتكريس الجمود الفكري والمعرفي.
هذا التوجه نحو الماضي يترافق مع شعور عميق بوهم الأفضلية والتفوق الأبدي، على الرغم من تحديات الواقع وإخفاقاتهم في تقديم نموذج حكم وإدارة ناجح يتناسب مع متطلبات الدولة الوطنية الحديثة. فإذا كانت المدنية والحضارة المعاصرة تتصف بالتفوق العلمي والتكنولوجي، وبالرغم من منزلقات الحداثة النقدية والاجتماعية التي قد تتطلب نقاشاً معرفيا جاداً، فإنّ خطاب الإسلاميين يجنح إلى القول: نحن ـ المسلمين ـ أفضل الناس بـ "نعمة الإسلام"، وهي أفضل نعمة على الإطلاق، معتبراً الإنجاز المادي الغربي مجرد تفوق "زائل" أو "ناقص" في مقابل الكمال الإسلامي الموهوم في الماضي. لسان حال الإسلاميين، سواء بشكل مباشر أو ضمني، يقول: نُفضّل أن نبقى على تخلفنا الفكري والمعرفي في فهم الإسلام، أو بالأحرى، نُفضّل أن نبقى على فهمنا الكلاسيكي القديم، بدلاً من أن نستثمر مناهج المعرفة العاصرة كالفلسفة، والعلوم الاجتماعية، والنظريات السياسية الحديثة في خوض غمار التجديد والإصلاح الديني. هذا التجديد هو ورش حضاري ومطلب ما يزال يحتاج الكثير من الجهد والوعي حتى وقتنا الراهن، ويتطلب جرأة فكرية لمواجهة الموروثات التي فقدت صلاحيتها التطبيقية. وبدلاً من توجيه طاقات الشباب نحو الوعي بتحديات هذا الورش الهائل في زمانه، وضرورة الفصل بين ثوابت الدين وتاريخ المسلمين (المتغير والاجتهادي)، نجدهم يوجهون الشباب بخطاب حماسي يكرّس عقدة المُنقِذ، الخطاب الذي يردده المؤسسون والمتبعون، هذه العقدة هي ادّعاء إنقاذ المجتمع، وهي عقدة لصيقة بالإسلاميين حتى هذه اللحظة.
إنّها تصورات حسن البنا وهو يقول: "إنّ العالم كله حائر يضطرب، وكل ما فيه من النظم قد عجز عن علاجه، ولا دواء له إلا الإسلام، فتقدّموا باسم الله لإنقاذه، فالجميع في انتظار المنقذ، ولن يكون المنقذ إلا رسالة الإسلام التي تحملون مشعلها وتبشرون بها"1، هذه عقدة لصيقة بالإسلاميين حتى هذه اللحظة؛ ادّعاء إنقاذ المجتمع. لقد تحولت تصورات حسن البنا إلى أصل وقاعدة بُني عليها كثير من التصورات والأفهام. وهي حجر الزاوية في رؤية جماعة الإخوان إلى العالم، إنّها رؤية تعكس نظرة اختزالية وإقصائية للحضارات والنظم المعاصرة، وتُرسّخ لدى أتباع الجماعة شعوراً عميقاً بالمركزية والتفوق الإيديولوجي. فمن خلال تضخيم فشل الآخر يبرر الخطاب الحاجة المُلحّة والكونية لتدخلهم، مقدّماً الإسلام كحلٍّ سحري ونهائي لمشكلات البشرية جمعاء. لكنّ الأهم هو الربط الحاسم بين هذا الحل وبين التنظيم ذاته، حيث يتحول "الإسلام" من مفهوم واسع إلى "رسالة الإسلام التي تحملون مشعلها وتبشرون بها". هذا التحديد يجعل من أعضاء الجماعة هم وحدهم المؤهلون والمسؤولون عن مهمة الإنقاذ الكبرى.
يشعر الإخوان أنّهم يمثلون "الفرقة الناجية"، و"الطليعة المؤمنة" القادرة على إصلاح فساد المجتمع؛ وبالتالي تبرير هدفهم الأسمى: التمكين السياسي من أجل تطبيق الفهم القديم. هذا الإغراق في الماضي، مع ادعاء امتلاك الحل السحري لمشاكل الحاضر، يجعلهم في حالة إنكار دائم للواقع المعقد، وعجز عن التكيف الفعلي مع ضرورات العصر والدولة الحديثة، وهو ما أدى في كثير من الأحيان إلى صدامات وتراجعات سياسية وفكرية لم تصاحبها مراجعات إيديولوجية حقيقية تمسّ الأفكار المؤسسة للجماعة. هذه الازدواجية بين التمسك الأعمى بالتراث وادعاء قيادة المستقبل هي التحدي الأكبر الذي يعيق أيّ تجديد فكري حقيقي في مسيرتهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
.1حسن البنا؛ رسالة إلى الشباب؛ مجموعة رسائل الإمام الشهيد، الإسكندرية، دار الدعوة، 1992م.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%84%D9%86%D8%AF%D8%A7_0_0_0_0.jpg.webp?itok=xcb0CJSf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%8A_%D8%B3%D9%86%D8%A7%D8%B1-%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%AF_%D8%B9%D8%A8%D8%A7%D8%B3.jpg.webp?itok=8CTlRjMJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A_0_1_4_0.jpg.webp?itok=ZtSgI9Dk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%A8%D8%A7%D9%85%D8%A7_2_0.jpg.webp?itok=YZq101_0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%88%D8%A7%D8%A1%20%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D8%A1%20%D8%A8%D9%86%20%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%83_2.jpg.webp?itok=8oiGqW89)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/724158446_122130177477154944_7628977075908430200_n.jpg.webp?itok=VrIHF1DT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_3_1_0_2_0_0_1_0_1.jpg.webp?itok=g6wDAP5i)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/nhj_4_1_0.jpg.webp?itok=kmavJWBY)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9_1_3.jpg.webp?itok=6SxxGstd)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/144_1.jpg.webp?itok=7-35tSaW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7_3_2_3.jpg.webp?itok=wGnFVh_c)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_132_0_2_1.jpg.webp?itok=5pmY_-AE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%867_2_0_0.jpg.webp?itok=KAB_cJlS)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_10_1.jpeg.webp?itok=NWckZXvy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82_102_0_1.jpg.webp?itok=0khZilrZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B1%D8%AF%D9%86_22_12_0.jpg.webp?itok=1Hy2d7Fm)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/f5293688-9864-4ce0-b5fd-1b2017e77ac2_0.png.webp?itok=DHNzQ9OE)




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_89.png.webp?itok=7-WgJd8p)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)