الإخفاء القسري... سلاح إسرائيل الوحشي ضدّ سكان غزة

الإخفاء القسري... سلاح إسرائيل الوحشي ضدّ سكان غزة

الإخفاء القسري... سلاح إسرائيل الوحشي ضدّ سكان غزة


19/05/2026

بعينين أنهكهما الانتظار وأثقلتهما الخسارات، تجلس المسنة صفية النجار عند مدخل خيمتها، محدقة في الطريق الترابي الضيق الممتد بين خيام النازحين في منطقة المشاعلة بمدينة دير البلح، مترقبة عودة ابنها المفقود منذ أكثر من عامين، في مشهد يختصر وجع الفقد وقسوة الانتظار في قطاع أنهكته الحرب.

وقد اختفى ابنها خلال الأسبوع الثالث من الحرب التي اندلعت شرارتها في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، ومنذ ذلك اليوم غاب بلا أثر، تاركاً خلفه أمّا تعيش على الأمل وتقاوم الانهيار بانتظار لا ينتهي.

ووفق المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسريّاً، فإنّ عدد المفقودين في القطاع يتراوح بين 7 إلى 8 آلاف فلسطيني منذ اندلاع حرب الإبادة الإسرائيلية على القطاع.

وينقسم هؤلاء المفقودون إلى عدة فئات؛ المفقودون تحت الأنقاض وهم الكتلة الأكبر، حيث تسببت الغارات الجوية الإسرائيلية  العنيفة في هدم مربعات سكنية كاملة، ومع نقص المعدات الثقيلة ومنع دخول الآليات المتطورة، ما تزال جثامين الآلاف مدفونة تحت أطنان من الإسمنت، بعد أن تحولت منازلهم إلى مقابر جماعية غير رسمية.

أمّا الفئة الثانية، فهم المختفون قسراً في  سجون الاحتلال، الذين اعتقلوا خلال التوغلات البرية وما يزال مصيرهم مجهولاً، وترفض سلطات الاحتلال في كثير من الأحيان الإفصاح عن أماكن احتجازهم أو وضعهم الصحي، ممّا يدرجهم في خانة "المفقودين" لدى عائلاتهم.

وتوجد فئة ثالثة من المفقودين الذين غابت أخبارهم  في طرق النزوح، حيث سجلت مئات الحالات لأفراد فقد أثرهم أثناء محاولتهم النزوح من الشمال إلى الجنوب عبر الحواجز  العسكرية.

وبين هذه التصنيفات تعيش عائلات المفقودين في حالة نفسية واجتماعية تفوق في قسوتها مرارة الموت المعلن، وترفض غالبية الأمهات والزوجات إقامة بيوت عزاء دون رؤية الجثمان أو الحصول على تأكيد نهائي بحدوث الوفاة.

غياب بلا أثر

تقول النجار (61 عاماً)، التي دفعتها الحرب الإسرائيلية منذ بدايتها إلى النزوح مراراً من منزلها قبل تدميره: "خرج ابني محمد (28 عاماً) بحثاً عن كيس طحين، وقال لي قبل أن يغادر سأعود قبل الظهر، لكنّ الظهر مرّ، ثم مرّت الأيام والسنوات، وحتى هذه اللحظة لا أعلم إن كان قد ابتلعه الغياب في الطريق، أم محته الحرب من الوجود، أم أنّه ضاع بين الحياة والموت، ولم يعد له أثر".

وتتابع بصوت مثقل بالوجع: "في البداية اعتقدت أنّه قتل، فبدأنا رحلة بحث قاسية عنه، في داخل المستشفيات، وفي المقابر الجماعية المؤقتة، في محاولة لالتقاط أيّ خيط يقود إليه، ولكن دون جدوى".

وفي داخل الخيمة الضيقة التي تعيش فيها النجار، ما تزال مقتنيات ابنها محفوظة في حقيبة صغيرة، بطاقة جامعية، وقميص رمادي، وصورة قديمة التقطت على شاطئ غزة، كأنّها بقايا حياة نجت من الركام، وشاهد صامت على غياب لا ينتهي.

وتوضح بمرارة تختلط بالأمل: "لم أستطع أن أتعامل معه كميت، ولم أقوَ على توزيع ملابسه أو طي ذكرياته، وكنت معلقة بين احتمالين قاتلين؛ أتشبث بأمل نجاته، وأرتجف خوفاً من مصير مجهول لا يرحم".

بين الغياب والأمل

وتواصل النجار: "كلما سمعت عن صفقة تبادل، كنت أهرع للسؤال دون تردد، أتشبث بأيّ خبر مهما كان ضعيفاً، وكلما طرق أحدهم الباب، كنت أركض بقلب يرتجف قبل قدمي، أظن أنّ اللحظة قد حانت، وعشت سنواتي كلها على الشائعات والوعود المبعثرة، أتنقل بينها كما يتنقل الغريق بين أمواج لا تهدأ".

وتضيف: "بعد شهر من اختفائه بدأت الشكوك تنهش قلوبنا، هل اعتقل؟ هل نقل إلى مكان مجهول؟ هل ما يزال حيّاً أصلاً؟ ثم، بعد عام ونصف من الغياب الكامل والصمت القاتل، وصلنا الخبر الذي قلب حياتنا من جديد، محمد أسير".

وتوضح: "لم يصل النبأ عبر جهة رسمية، ولم تحمله مكالمة هاتفية مقتضبة، بل تسرب من خلف القضبان على لسان أسير محرر أكد أنّه شاهده بعينيه داخل أحد مراكز الاحتجاز الإسرائيلية، في شهادة تختزل قسوة الغياب ومرارة الانتظار".

وبعد سنوات من الانتظار المثقل بالوجع، تلقت النجار اتصالاً هاتفياً من نجلها المفقود، ليهتز عالمها في لحظة واحدة ويقلب موازين الصبر الطويل، ويبعث في قلبها المختنق بالأسى مزيجاً جارحاً من الفرح والذهول.

وتكمل بصوت يختلط فيه الارتجاف باليقين: "كان الاتصال قصيراً ومحدوداً، ولم أسمع منه سوى بضع كلمات، ولم يخبرني أين يوجد، فقط أنّه معتقل، ولا ما الذي مرّ به داخل مكان احتجازه".

وتؤكد النجار بحسرة ثقيلة: "حتى الآن لا أعرف أين مكانه بالضبط، ولا كيف يمضي أيامه وسنواته هناك، بقي كل شيء غامضاً، كأنّ الغياب ما زال مستمراً رغم عودته بالصوت فقط".

رحلة انتظار بلا إجابة

وفي مخيم النور للنازحين بحي الزيتون شرق مدينة غزة، تجلس خلود حماد (39 عاماً) فوق قطعة إسفنج رقيقة داخل خيمتها المهترئة، بلا صورة لزوجها، ولا وثيقة تثبت اعتقاله أو وفاته، وكل ما تملكه هو المشهد الأخير الذي اختفى فيه من حياتها.

وتستعيد حماد لحظة اختفاء زوجها أحمد (42 عاماً)، وتقول: "ما زالت تلك اللحظة تتكرر في ذاكرتي كل ليلة بكل تفاصيلها، حين أوقفنا جنود الاحتلال في شارع ترابي بعد ساعات من النزوح، وكنا نسير بين الدبابات والركام، وكان الأطفال يبكون من التعب والخوف، وفجأة بدأ الجنود يصرخون عبر مكبرات الصوت، مطالبين الرجال بخلع ملابسهم والتقدم فرادى، وكان زوجي حينها يحاول التماسك حتى لا يرعب الأطفال".

وتضيف: "قبل أن يبتعد التفت إليّ وقال: إذا تأخرت، فلا تنتظروني في الشارع، أكملوا الطريق، فلم أكن أعلم حينها أنّ تلك الكلمات ستكون الأخيرة، وأنني أسمع صوته للمرة الأخيرة دون أن أدرك".

ومنذ ذلك اليوم بدأت رحلة بحث مضنية لم تنته، وتقول عنها: "ذهبت إلى كل مكان، سألت عنه في المستشفيات، وفي المدارس التي تحولت إلى مراكز إيواء، وحتى لدى الأسرى المفرج عنهم، وكنت ألاحق أيّ اسم أو إشاعة قد تقودني إليه".

وتؤكد أنّ أقسى ما تعيشه ليس الخوف من موته، بل العجز الكامل عن معرفة مصيره، وتتابع: "أن يبقى الإنسان معلقاً هكذا هو عذاب يومي، فكل صباح أستيقظ على أمل صغير، وكل ليلة أنام على انهيار جديد".

خوف يومي لا ينتهي

وتصف حماد كيف تبدلت حياتها بعد اختفائه بقولها: "أصبحت الأب والأم معاً، وأطفالي يسألونني باستمرار، لماذا اختفى أبي؟ هل أكل اليوم؟ وهل يعرف مكاننا؟ ولا أملك جواباً واحداً".

وتكشف أنّ الخوف بات يهيمن حتى على تفاصيل حياتها اليومية، وتواصل: "كلما طرق باب الخيمة، يتجمد أطفالي فوراً، وابنتي الصغيرة تختبئ خلفي معتقدة أنّ الجنود عادوا ليأخذوا شخصاً آخر".

وبصوت خافت توضح: "في الليل، بعد أن ينام الأطفال، أستسلم لكل الاحتمالات، فربما هو مصاب وينتظر من ينقذه، وربما يقبع في مكان بارد بلا غطاء، وربما رحل منذ الشهور الأولى، بينما ما زلت أبحث عنه بين الأحياء".

وترى حماد أنّ الفقد لا يحدث مرة واحدة، وتضيف: "الناس يعتقدون أنّ الفقد لحظة عابرة، لكنّه بالنسبة إلينا يتكرر كل يوم، وفي كل مرة يعود فيها رجل إلى عائلته، يعود السؤال ليقتلني، لماذا ليس هو؟".

وتشير إلى تضارب الروايات التي تلقتها بشأن مصير زوجها، وتؤكد: "أحد الأسرى المحررين قال إنّه شاهده في معسكر احتجاز بالنقب، وآخر أخبرني بأنّه كان مصاباً، وأكدت لى مؤسسات حقوقية عدة أنّ اسمه غير موجود أصلاً بين المعتقلين، ولم أعد أعرف من أصدّق".

ثم تنظر إلى أطفالها وتختم بصوت مثقل بالإنهاك: "أريد فقط أن أعرف الحقيقة، أيّاً كانت، فالانتظار أصبح أثقل من قدرتي على الاحتمال، والحرب هنا لا تنتهي عندما يصمت القصف، وبالنسبة إلينا، الحرب مستمرة ما دام لا يوجد أيّ جواب".

الإخفاء القسري انتهاك مضاعف 

يقول أستاذ القانون الجنائي في جامعة القدس أسعد خاطر: إنّ "الإخفاء القسري يُعرف في القانون الدولي بأنّه اعتقال واحتجاز شخص من قبل دولة أو جهة تعمل بموافقتها، ثم إنكار وجوده وإخفاء مصيره، بما يحرمه من الحماية القانونية، وهذا يشكل انتهاكاً خطيراً للقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان".

ويضيف خاطر: "القانون الدولي، وخاصة اتفاقيات جنيف، تفرض على القوة القائمة بالاحتلال تسجيل المعتقلين، وضمان معاملتهم الإنسانية، والسماح بالتواصل مع عائلاتهم ومحاميهم، ويجب إبلاغ ذويهم بمكان الاحتجاز والحالة الصحية، وتمكين الجهات الدولية مثل الصليب الأحمر من زيارتهم، وأيّ منع طويل الأمد للمعلومات أو التواصل يُعدّ مخالفة قانونية قد ترقى إلى معاملة لا إنسانية".

ويوضح: "الاعتقال بحدّ ذاته ليس محظوراً دائماً أثناء النزاعات المسلحة إذا جرى ضمن ضوابط قانونية واضحة، مثل وجود سجل رسمي للمعتقل، وإبلاغ عائلته، وتمكينه من حقوقه الأساسية، لكن عندما يُحتجز الشخص في مكان سرّي، ويمنع العالم الخارجي من معرفة مصيره، ويحرم من أيّ حماية قانونية، فإنّ الأمر يتحول إلى إخفاء قسري وانتهاك للقانون الدولي".

ويكمل: "على المنظمات الحقوقية والمحاكم الدولية أن تنظر في الانتهاكات الجسيمة التي يرتكبها الاحتلال بحق السكان بغزة، لأنّ المحاسبة والتوثيق المبكر والدقيق يشكل الأساس المتين لأيّ إنصاف حقيقي، وردع الانتهاكات، وحماية كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية".

ويؤكد الأكاديمي الفلسطيني أنّ "غياب المعلومات عن المعتقلين والمفقودين عن عائلاتهم، يُعتبر أيضاً شكلاً من أشكال العقاب الجماعي، لأنّ هذه العائلات تبقى في حالة قلق دائم بين الأمل والخوف، وهي معاناة مستمرة لا تقلّ قسوة عن الانتهاك الواقع على المعتقل نفسه".

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية