استشهاد شيرين أبو عاقلة.. هل يفتح الطريق أمام شمس الضمير؟

استشهاد شيرين أبو عاقلة.. هل يفتح الطريق أمام شمس الضمير؟

مشاهدة

12/05/2022

ربما تطرح الجريمة الأخيرة، التي ارتكبها جيش الاحتلال الصهيوني، والتي أودت بحياة الزميلة شيرين أبو عاقلة، عدة تساؤلات حول مدى مصداقيّة ما تروّج له الدولة العبريّة من شعارات، تزعم فيها رغبتها في الانخراط ضمن محيطها الإقليمي، وتجاوز ذاكرة الماضي، بكل حمولات العنف والعنصرية التي تتجلى دوماً في كلّ تفاصيلها.

إنّ الدولة التي نشأت في العام 1948، ظلّت على مدار عقود تحتفظ بتناقضاتها الحادة، وفشلت في مراجعة براديغمات الشخصية اليهودية المرتبكة بين تراث الماضي، ومنطلقات الواقع، منذ نجحت الصهيونيّة في توظيف مخاوف اليهودي الحائر في سنوات الشتات، وآلامه عبر تاريخ طويل من الاضطهاد، وتغذية بنية العنف لديه من خلال النص التوراتي، دون فصل الواقع عن مسارات هذا النص وتاريخانيّته، والمحصّلة هي المزيد من القتل والدمار، منذ وُضع السلاح في يد اليهودي المتشرب بالنزعة الصهيونيّة.

 

يمكن القول إنّ مخاوف الشخصية الصهيونيّة وارتيابها المرضي يدفعانها دوماً نحو ممارسة الإرهاب، وهو إرهاب مقصود الهدف منه بث الرعب في نفوس الآخرين

 

تطلق إسرائيل على جيشها مسمى جيش الدفاع، على الرغم من أنّها لم تخض يوماً حرباً دفاعيّة واحدة منذ نشأة الدولة، التي قامت في الأساس على إستراتيجيّة توسع المستعمرات وتمدّدها، على حساب المواطنين الأصليين، وربما تنطلق هذه التسمية من رغبة كامنة في إنكار تاريخ طويل من العنف، وتبرير جرائم جيش الدفاع المزعوم، في نهج صهيوني أصيل، بدأ مع تأسيس فلاديمير جابتونسكي لميليشيات الهاغاناة، في العام 1921، كنواة للجيش الصهيوني، الذي مارس كل أشكال العنف المسلّح، منذ أحداث يوم النبي موسى في مطلع العشرينيات، وحتى استشهاد شيرين أبو عاقلة يوم أمس. 

تدعي إسرائيل دائماً أنّها في حالة دفاع مشروع عن النفس، في محيط عربي عدائي، وتبرر أعمالها العدائيّة، تحت مسمى الهجوم الاعتراضي؛ لإجهاض هجمات عربية محتملة أو مفترضة، لكنّها في حقيقة الأمر تبادر دوماً إلى إضعاف جيرانها، وتحديد سقف التسليح في المنطقة، لضمان التفوق النوعي؛ رغبة في تعويض الفارق الديموغرافي الكبير؛ فمنذ قامت إسرائيل في العام 1955، بشن غارات مفاجئة على قطاع غزة، التابع للإدارة المصرية آنذاك، بعد إبرام صفقة الأسلحة التشيكيّة، اعتمدت الإستراتيجيّة الإسرائيليّة أسلوب الضربات الوقائيّة، والممارسات العدوانية الفجّة طيلة الوقت.

ويمكن القول إنّ مخاوف الشخصية الصهيونيّة، وارتيابها المرضي، يدفعانها دوماً نحو ممارسة الإرهاب، وهو إرهاب مقصود؛ الهدف منه بث الرعب في نفوس الآخرين، ولا ضير هنا، وفقاً لهذا العقلية، من قتل المدنيين بشكل عمدي؛ لخلق نوع من الرهبة التي تدعم بها إسرائيل وجودها، وتحفظ من خلالها، وفق رؤية صهيونية بامتياز، كيان الدولة المهترئ، وتماسك شعب مرتجف تحت السلاح، وهو أمر اختبره العرب جيداً منذ مذبحة دير ياسين، وكذلك في أحداث كفر قاسم، وبحر البقر وجنين وغيرها.

لم نعد نملك سوى ذلك الغضب المكتوم، ونحن نشتبك مع كل علامات الاستفهام الممكنة، لكن الحقيقة التي تفرض نفسها دوماً، ولو بعيد حين، تخبرنا معطياتها أنّ دماء الشهيدة سوف تظل تلاحق القتلة والمجرمين والشامتين والمبررين

لم تنجح اتفاقيات السلام حتى الآن في إثناء إسرائيل عن نهجها العدواني المرضي، ولم تطرح النخبة في الداخل الصهيوني، أيّ تساؤلات حول مدى قابلية العالم لاستمرار هذه الإستراتيجيّة، ولم تُطرح تلك التساؤلات الصعبة حول هذا الخلل البنيوي في الفكر السياسي، الذي بات يميز دولة الاحتلال، التي لم يدرك قادتها بعد، أنّ المراجعات القاسية، هي وحدها الضمان الأمثل لبقاء الدولة، وأنّ مبررات العنف الساذجة، التي تطرحها إسرائيل، لم تعد تنطلي على أحد، كما أنّها تضع أنظمة عدة في المنطقة، في مواقف حرجة، وتعطل كذلك قطار التطبيع، بقطع الطريق أمام الشعوب الغاضبة، التي ربما تصور البعض فيها، أنّ السلام بات ممكناً، وأنّ الصهيونيّة، ربما تغير جلدها.

قضت شيرين أبو عاقلة، شهيدة الواجب، بعد أن أفنت حياتها فيه، وسقط آخرون في مستنقع الرواية الإسرائيليّة، وكذلك سقط العالم الحر في اختبار الدفاع عن قيم الإنسانيّة والتحرر، وربما سقطنا نحن أيضاً في جُب الحيرة والارتباك، في ظلّ تحوّلات حادّة يشهدها العالم؛ فلم نعد نملك سوى ذلك الغضب المكتوم، ونحن نشتبك مع كل علامات الاستفهام الممكنة، لكن الحقيقة التي تفرض نفسها دوماً، ولو بعيد حين، تخبرنا معطياتها أنّ دماء الشهيدة؛ سوف تظل تلاحق القتلة والمجرمين والشامتين والمبررين، وأنّ الصمت قليل الحيلة لن يستمر طويلاً، ذلك أنّ قضية فلسطين لم تعد مأساة أرض محتلّة، وشعب لاجئ، وكيان إرهابي، لكنّها أصبحت قضية الضمير الإنساني، التي باتت تضع كلّ قيم الحداثة وما بعدها على المحك، هي قضية الإنسان الذي يحاول استشراف شمس الضمير، ويسعى نحو التخلص من قوانين الغابة، ودوائر العنف المؤدلج.

 

مواضيع ذات صلة:

تعرف على قصة حياة "شيخ النُقّاد والمحققين العرب".. إحسان عباس

ما لا تعرفه عن سيرة المفكر الفلسطيني هشام شرابي

في ذكرى وعد بلفور.. كواليس احتلال فلسطين




آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية