استراتيجية واشنطن لمكافحة الإرهاب: 2026 كيف ستتعامل أمريكا مع تهديدات الإخوان

استراتيجية واشنطن لمكافحة الإرهاب: 2026 كيف ستتعامل أمريكا مع تهديدات الإخوان

استراتيجية واشنطن لمكافحة الإرهاب: 2026 كيف ستتعامل أمريكا مع تهديدات الإخوان


21/05/2026

تأتي الاستراتيجية الوطنية الأمريكية لمكافحة الإرهاب لعام 2026 لتعبّر عن "انعطافة كبرى "في العقل الأمني لواشنطن، فبعد عقود من التركيز على السحق العسكري للتنظيمات المركزية) القاعدة وداعش)، تدرك الوثيقة أنّ التهديد الإرهابي بات اليوم أكثر "سيولة، ولامركزية، وتسللاً" عبر الفضاءات الرقمية ومن خلال جماعات تبدو أكثر وسطية مثل جماعة الإخوان. 

لسنوات، تحركت جماعة الإخوان المسلمين في الفراغات التي تركها تعريف واشنطن لـ "الإرهاب"، حيث كان التركيز ينصبّ على الرصاصة والمتفجرة نموذج (القاعدة وداعش). إلا أنّ وثيقة الاستراتيجية الوطنية لعام 2026 أحدثت ثورة في المفاهيم؛ حيث انتقلت من التركيز على الفعل الإرهابي إلى التركيز على البنية التحتية المؤدية للإرهاب".  

هنا تبرز جماعة الإخوان المسلمين كهدف رئيسي، حيث تتبنّى الوثيقة لأول مرة مقاربة ترى في "الإيديولوجيا الإخوانية" المختبر المركزي الذي تُصنع فيه كافة سرديات التطرف العالمي. لم تعد واشنطن تبحث عن الإخوان في معسكرات التدريب، بل باتت تطاردهم في "المناطق الرمادية"؛ بين المراكز الفكرية، والجمعيات الخيرية.

الوثيقة كذلك لا تعتبر الإرهاب تهديداً منعزلاً، بل تضعه ضمن سياق "التنافس الاستراتيجي" مع قوى دولية (الصين وروسيا)، معتبرة أنّ الجماعات الإرهابية باتت تُستخدم كـ" وكلاء وظيفيين "لزعزعة استقرار الدول الحليفة، إنّها استراتيجية "الردع الشامل "التي لا تكتفي بالرصاصة، بل تمتد لتجفيف منابع الفكر وقطع شرايين التكنولوجيا.

"الإرهاب الهجين"... دمج مكافحة الإرهاب في صراع القوى الكبرى

أحد أبرز ملامح وثيقة 2026 هو تحول مكافحة الإرهاب من أولوية مطلقة وحيدة  إلى عنصر مدمج في استراتيجية التنافس مع القوى العظمى.

تشير الوثيقة بوضوح إلى أنّ واشنطن تلاحظ تزايد" الإرهاب الهجين"؛ حيث تستغل دول منافسة (مثل إيران)، أو عبر استغلال الفوضى التي تتركها روسيا في أفريقيا،) الجماعات المتطرفة) لإنهاك المصالح الأمريكية.

هذا التحول يعني أنّ واشنطن لن تطارد" الخلايا "فقط، بل ستلاحق "الدول الراعية"  أو "المسهلة" التي توفر ملاذات آمنة لهذه الجماعات. وفي هذا السياق تضع الوثيقة ضغوطاً غير مسبوقة على الدول التي تسمح لجماعات الإسلام السياسي بالعمل فوق أراضيها، معتبرة أنّ البيئة السياسية المتسامحة مع الفكر المتطرف هي الخطوة الأولى نحو الإرهاب العنيف.

"تفكيك النواة الإيديولوجية"... ما وراء الرصاصة

تُفرد الاستراتيجية مساحة واسعة لما تسمّيه "مكافحة التطرف المؤدي إلى العنف"، وهنا تبرز قراءة واشنطن لتيارات الإسلام السياسي، إذ تعترف الوثيقة بأنّ "الانتصارات العسكرية" (في العراق وسوريا واليمن (لم تنجح في استئصال الإيديولوجيا.

تركز وثيقة 2026 على ضرورة "نزع الشرعية" عن الخطاب المتطرف عبر شراكات مع مؤسسات دينية ومدنية في العالم الإسلامي، ولم تعد واشنطن تكتفي بملاحقة من يحمل السلاح، بل تشير الاستراتيجية إلى أهمية تتبع "المنظومات الفكرية" التي تبرر العنف، بما في ذلك الأدبيات التي تروج لـ "الحاكمية" أو "الخلافة" أو" الانعزالية المجتمعية". وهذا يمثل تحولاً جذرياً نحو محاصرة  "الإسلام السياسي الراديكالي" في طوره الفكري قبل أن يتحول إلى طوره الحركي.

"الحرب الرقمية" والذكاء الاصطناعي كأداة استباقية 

تضع استراتيجية 2026 التكنولوجيا في قلب المواجهة، وتشير الوثيقة إلى أنّ الإرهاب في العام 2026 بات يعتمد على "الذكاء الاصطناعي التوليدي"، والتشفير المتطور، والعملات الرقمية اللّامركزية. ولمواجهة ذلك تعلن الوثيقة عن "مشروع الدفاع الرقمي الاستباقي" (Proactive Digital Defense).

تعتزم واشنطن استخدام الذكاء الاصطناعي ليس فقط لتعقب الأهداف، بل لـ" التنبؤ بالتهديدات" عبر تحليل أنماط التجنيد الرقمي. وتشدد الوثيقة على ضرورة إجبار شركات التكنولوجيا العالمية على التعاون الكامل في كشف الخوارزميات التي تروج للتطرف، معتبرة أنّ الفضاء الرقمي بات هو الميدان الرئيسي للمعركة، حيث يتم تجنيد" الذئاب المنفردة" دون الحاجة للسفر إلى معسكرات تدريب تقليدية.

"القيادة من الخلف" وتعزيز الشركاء الإقليميين

تؤكد الوثيقة على انتهاء عصر "التدخل العسكري المباشر الواسع". بدلاً من ذلك  تتبنّى الاستراتيجية مبدأ" عبر، ومع، ومن خلال الشركاء"  (By, With, and (Through. وتركز واشنطن في عام 2026 على تمويل وتدريب القوات المحلية  في مناطق التوتر (خاصة في الساحل الأفريقي، والقرن الأفريقي، وأفغانستان).

بالنسبة إلى منطقة الشرق الأوسط، تعتبر الوثيقة أنّ الاستقرار يعتمد على "تحالفات أمنية مستدامة "مع الدول التي تتبنّى نهجاً إصلاحياً وتواجه فكر الإخوان والقاعدة وداعش. وتثمّن الوثيقة دور الدول العربية التي فككت منظومات التمويل الإخوانية، وتعتبرها "حائط الصد الأول" في الاستراتيجية الأمريكية الجديدة.

التهديد الداخلي... "الإرهاب المحلي" في كفة المساواة

لأول مرة في وثيقة استراتيجية بهذا الحجم، يتم وضع" التطرف المحلي العنيف" (Domestic Violent Extremism)  في كفة مساوية للإرهاب الدولي.  وتشير الوثيقة إلى أنّ الولايات المتحدة تواجه تهديداً متزايداً من جماعات "التفوق العرقي" واليمين المتطرف، واليسار الراديكالي.

هذا التوازن في الرؤية يهدف إلى إظهار أنّ واشنطن تلاحق" السلوك الإرهابي" و"الإيديولوجيا العنيفة"، بغضّ النظر عن منبتها. هذا الأمر يسحب البساط من تحت أقدام جماعات الإسلام السياسي التي كانت تروج لمظلومية أنّ الإرهاب يُلصق بالمسلمين فقط، حيث أصبحت الاستراتيجية الأمريكية الجديدة شاملة لكل أشكال التطرف التي تهدد السلم الاجتماعي.

"تسييل التمويل"... ملاحقة العملات الرقمية والشبكات المعقدة

تدرك استراتيجية 2026 أنّ تجفيف المنابع التقليدية لم يعد كافياً، فالجماعات الإرهابية (بما في ذلك شبكات التمويل السرية للإخوان المسلمين وداعش) انتقلت إلى استخدام العملات المشفرة والتحويلات المالية عبر منصات الألعاب الإلكترونية.

تعلن الوثيقة عن تأسيس "وحدة تتبع الأصول الرقمية الإرهابية"، وهي وحدة مشتركة بين وزارة الخزانة والاستخبارات، تهدف إلى اختراق المحافظ الرقمية وتجميدها فوراً .وتضع الوثيقة "الشفافية المالية "كشرط أساسي للتعاون الأمني مع أيّ دولة، محذرة من أنّ "المناطق الرمادية "في النظام المالي العالمي باتت المنفذ الوحيد لبقاء التنظيمات الإرهابية على قيد الحياة.

الخاتمة: الانتقال إلى "الأمن الذكي"

إنّ استراتيجية الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب لعام2026 ، كما وردت في وثيقة البيت الأبيض، تمثل إعلاناً عن نهاية عصر "الحروب الكبرى" وبداية عصر "الأمن الذكي والعمليات الجراحية"، واشنطن لم تعد تطارد الأشباح في الصحارى فقط، بل باتت تطارد" الشيفرات والأفكار والخوارزميات".  

بالنسبة إلى منطقة الشرق الأوسط وتيارات الإسلام السياسي، تحمل الوثيقة رسالة واضحة: "المساحات الرمادية لم تعد مقبولة"، فالتحريض الفكري، والتمويل الرقمي، والتخفي خلف واجهات مدنية، كلها باتت تحت مجهر الاستراتيجية الأمريكية الجديدة. 

‎في تحول استراتيجي لافت، تبدو وثيقة 2026 كأنّها "تصحيح لمسار السياسة الأمريكية" عبر تبنّي الرؤية التي لطالما نادت بها دول عربية مركزية) مثل مصر والإمارات والسعودية (حول خطورة الإخوان. الوثيقة تضع "الاستقرار الإقليمي"  كأولوية، وتعتبر أنّ حماية الدولة الوطنية من "التآكل الإخواني" هو جزء لا يتجزأ من الأمن القومي الأمريكي.

النجاح في تطبيق هذه الوثيقة يعتمد بالأساس على "التكامل التكنولوجي" و"الشراكات الإقليمية الرصينة"، ممّا يضع الجماعات المتطرفة أمام حصار مزدوج: عسكري تكنولوجي من الخارج، وفكري قانوني من الداخل. إنّها استراتيجية تهدف إلى جعل الإرهاب "مكلفاً للغاية "وغير قابل للاستدامة في عالم يزداد ترابطاً وتعقيداً.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية