إخوان تونس يوظفون أجهزة الدولة لخدمة داعميهم الإقليميين

إخوان تونس يوظفون أجهزة الدولة لخدمة داعميهم الإقليميين

مشاهدة

09/06/2020

لا يبدو أن اعتماد حركة النهضة على  “العمل السري” في تحركاتها قد توقف مع رجوع قياداتها من بلدان المهجر إلى تونس عقب ثورة وفرت لهم الانخراط في مسار العمل المؤسساتي الديمقراطي، لكن يبدو أن طابع السرّية مازال يرافق الحركة بل تم تصديره إلى مؤسسات الدولة التي تتحكم فيها.

وكشفت النائبة نسرين العماري، المكلفة بالإعلام والاتصال بالبرلمان التونسي، أن رئاسة البرلمان التونسي الذي يقوده زعيم الحركة الإسلامية راشد الغنوشي قد أخفى مراسلة من لجنة الشؤون الخارجية بالبرلمان الليبي (طبرق) وردت في يناير 2020.

وقالت العماري إن المراسلة تضمنت طلبا من لجنة العلاقات الخارجية والتعاون الدولي ببرلمان طبرق الليبي بعقد جلسة عمل مع لجنة الحقوق والحريات والعلاقات الخارجية بالبرلمان التونسي، مضيفة أنه وقع التفطن إلى هذه المراسلة في أواخر شهر مايو عن طريق تصريحات إعلامية لرئيس لجنة العلاقات الخارجية بالبرلمان الليبي يوسف العقوري.

واعتبرت أن مثل هذه التصرفات لا تساعد على إرساء الثقة بين أعضاء مكتب البرلمان والإدارة المحيطة برئيس المجلس بعد إخفاء معلومات بهذه الأهمية وهو ليس بالأمر الهين الذي يمكن السكوت عنه، مضيفة أن “اعتذار مكتب البرلمان لا ينفي إمكانية إخفاء معلومات أخرى أو إخفاء معلومات في المستقبل”.

وعللت رئاسة البرلمان التونسي إخفاء المراسلة الصادرة عن رئيس لجنة الشؤون الخارجية والتعاون الدولي بالبرلمان الليبي لزيارة تونس بورودها بغير القنوات الرسميّة مما تطلّب مراجعة وزارة الشؤون الخارجيّة للتحقق من صحّتها.

وحسب رئاسة البرلمان التونسي، ورد ردُّ وزارة الخارجية بعد أن تمّت برمجة لقاء مباشر بين راشد الغنوشي رئيس البرلمان التونسي وعقيلة صالح رئيس البرلمان الليبي، وهو اللقاء المباشر الذي تمّ في 8 فبراير بالعاصمة الأردنية عمّان حيث وجّهت الدعوة لعقيلة صالح لزيارة تونس مرفوقا بالوفد الذي يرتئيه، لكن أزمة كورونا أربكت المواعيد.

اخفاء المراسلة يخدم تركيا

يعكس تزامن إخفاء مراسلة لجنة الشؤون الخارجية بالبرلمان الليبي، التي طلبت فيها لقاء نظيرتها بالبرلمان التونسي لتنسيق المواقف بشأن الأزمة في ليبيا مع التحركات التركية القطرية المكثفة في تونس أكثر من سؤال ويخرج بالعملية من مربع الصدفة أو الخطأ البروتوكولي إلى مربع الانخراط المبيّت في خدمة المحاور الإقليمية عبر تسخير أجهزة
الدولة.

ويرى مراقبون أنه تزامنا مع تاريخ ورود المراسلة على البرلمان التونسي، كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يمارس ضغوطا على الرئاسة التونسية من أجل التأثير على موقفها المحايد تجاه ما يجري في ليبيا، حيث أشارت تقارير إعلامية ومصادر دبلوماسية إلى أن أردوغان كان يتحرك لضمان إمداد ميليشيات حكومة الوفاق في ليبيا بالسلاح والعتاد تحسبا لدخول عملية إيريني لمراقبة تصدير الأسلحة إلى ليبيا حيز التنفيذ آنذاك.

وأمام تأكيد الرئيس التونسي قيس سعيّد أن بلاده لن تنخرط في دعم أي طرف من الأطراف المتصارعة في ليبيا وتمسكه بموقف الحياد والنأي بالبلاد عن سياسة الاصطفافات الإقليمية، كان استقبال لجنة البرلمان الليبي في تونس حينها سيقرئ على أنه دعم لقائد الجيش الليبي المشير خليفة حفتر وهو ما لا يخدم الأجندة التركية المندفعة بقوة خلف حلفائها الإسلاميين في طرابلس.

وعملت رئاسة البرلمان التونسي بقيادة حركة النهضة على تشويه الموقف التونسي الرسمي من الأزمة الليبية، الذي تمثله رئاسة الجمهورية، عبر دعمها العلني لحكومة الوفاق وداعميها الإقليميين تركيا وقطر، حيث يوسع تضارب مواقف المؤسسات التونسية (رئاسة الجمهورية ورئاسة البرلمان) هامش المناورة لديها.

وتروج وسائل الإعلام التركية والقطرية على أن موقف رئيس البرلمان التونسي راشد الغنوشي من الأزمة الليبية موقف رسمي صادر عن مؤسسات الدولة وبالتالي يمكن البناء عليه والاعتداد به عبر الترويج بأن المؤسسات الشرعية في تونس داعمة إقليمية لحكومة الوفاق الليبية وأن رفض أغلب الأحزاب التونسية للاصطفاف في ليبيا مجرد موقف حزبي لا يمثل موقف المؤسسات.

جاءت مراسلة البرلمان الليبي لنظيره التونسي من أجل تنسيق المواقف بشأن تطورات الأوضاع بليبيا في وقت يعكف فيه رئيس برلمان طبرق عقيلة صالح على بلورة مبادرة سياسية للأزمة الليبية خرجت للعلن الشهر الماضي.

وتحتاج هذه المبادرة إلى التنسيق مع البرلمانات العربية لدول الجوار لمعاضدتها إقليميا ودوليا، وهو ما يجعل استقبال ممثلين عن البرلمان الليبي في تونس خلال تلك الفترة يربك الحراك التركي.

مصالح الجماعة أولا

ويرى مراقبون أن إخفاء رئاسة البرلمان التونسي للمراسلة الليبية لا يمكن عزله عن سياقات إقليمية، فاستقبال ممثلين عن البرلمان الليبي الشرعي والداعم للمشير خليفة حفتر داخل المؤسسات التونسية يعطي زخما إقليميا لمساعي تسوية سياسية باتت يرفضها الإسلاميون على وقع التحولات العسكرية.

وتسوق الحركة الإسلامية في تونس دعمها لحكومة الوفاق على أنه انسجام مع الشرعية الدولية، لكن السؤال هنا هو التالي: هل برلمان طبرق غير شرعي؟

وانتظر رئيس البرلمان التونسي راشد الغنوشي من يناير 2020 إلى 8 فبراير لدعوة عقيلة صالح إلى زيارة تونس على الرغم من أنه سارع إلى مهاتفة فايز السراج وتهنئته باستعادة السيطرة على قاعدة الوطية.

وتتحرك حركة النهضة التونسية (المسيطرة على رئاسة البرلمان) وفق إملاءات داعميها الإقليميين ووفق الولاء للجماعة ونصرتهم حتى لو كان ذلك على حساب الدولة ومصالحها العليا.

ويربط أيديولوجيات الحركات الإسلامية بمختلف تفريعاتها خيط ناظم وهو العمل على هدم ما بنته الدول الوطنية من مؤسسات وهدم المنجز الجماعي خدمة لمشروع “الخلافة”.

ولبلوغ هذا الهدف المنشود لا بد لهاته الحركات من التمكن من مفاصل الدولة والتحكم فيها حتى يتسنى لها تركيز دعائم مشروعها وهو ما يعرف بالتمكين.

وفي 2012 قال راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة الإسلامية الحاكمة في تونس في شريط فيديو نادر، إن المؤسستين العسكرية والأمنية في تونس “غير مضمونتين”، محذرا السلفيين في بلاده من أن المكاسب التي تحققت لهم منذ وصول النهضة إلى الحكم “قابلة للتراجع” مثلما حصل مع إسلاميي الجزائر خلال تسعينات القرن الماضي.

ويتضمن شريط الفيديو تسجيلا، بهاتف محمول على ما يبدو، للقاء جمع بمقر حركة النهضة قيادات سلفية بالغنوشي. ويرجح أن الغنوشي الحريص على الظهور أنيقا في وسائل الإعلام، لم يكن على علم بالتسجيل إذ ظهر فيه جزء من قصبة ساقه اليمنى مكشوفا.

وقال الغنوشي في الشريط “صحيح أن الفئات العلمانية في هذه البلاد لم تحصل على الأغلبية” في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي التي أجريت في أكتوبر 2011 وفازت فيها حركة النهضة، لكن “الإعلام والاقتصاد والإدارة التونسية بيدها (..) بيدها الجيش، الجيش ليس مضمونا، والشرطة ليست مضمونة، أركان الدولة مازالت بيدها”.

الصفحة الرئيسية