أولبرايت تحذر من انتعاش الفاشية في كتابها الجديد!

2546
عدد القراءات

2018-05-30

"في قلب كلّ إنسان توق لا ينضب للحرية"، أو "هكذا نحن الديموقراطيين نحب أن نصدق"، تكتب وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، مادلين أولبرايت، في نهاية كتابها الصادر حديثاً: "الفاشية: تحذير".

كتاب عن كيفية انحدار الدول إلى الطغيان، وفيه تلاحظ أولبرايت، أنّه عندما يكون الناس خائفين أو غاضبين أو مشوشين، فهم يميلون إلى التخلي عن الحريات؛ حريتهم الشخصية أو حرية الآخرين، للقادة الذين يمسكون بالنظام.

وتكرّس أولبرايت، التي شغلت موقع سفيرة أمريكا إلى الأمم المتحدة، ومنه أدارت ملف العقوبات الأقسى في التاريخ المعاصر ضدّ العراق، تكرّس كتابها لضحايا الفاشية، ولكن أيضاً إلى "كلّ الذين يقاتلون الفاشية في توجهات الآخرين وداخل أنفسهم".

تلاحظ أولبرايت أنّ الناس عندما يكونون خائفين أو غاضبين أو مشوشين فهم يميلون إلى التخلي عن الحريات

كانت أولبرايت طفلة صغيرة، العام 1939، عندما لاحق النازيون عائلتها من تشيكوسلوفاكيا إلى المنفى في لندن، وعادت في نهاية الحرب إلى البلاد، واستأنف والدها العمل في الخدمة الخارجية التشيكوسلوفاكية، والعام 1948، تركت ظلّ الشيوعية الثقيل على بلادها، لتتجه إلى منفى ثانٍ دائم "أمريكا".

حالياً تملأ أولبرايت الأسماع بكلام غاضب ضدّ البيت الأبيض، وتتعهد بـ "مقاومة الرئيس دونالد ترامب الذي أمر، قبل مدة، جنرالاته بتنظيم استعراض عسكري له"؛ فهي من خلال عملها أستاذة قديمة في العلاقات الدولية في جامعة "جورج تاون"، تستنكر "هذه النداءات الفاشية" التي يطلقها ترامب.

وتعرّف أولبرايت الفاشية، في حلقة دراسية للخريجين من طلاب جامعة "جورجتاون" في العاصمة واشنطن، بكونها "ترتدي مظاهر أيديولوجية مختلفة، كما في دكتاتورية البروليتاريا، أو الاستيلاء على السلطة باسم عرق أو دين أو ولادة وطنية جديدة، أو شخص يدّعي التحدث باسم أمة أو جماعة، ولا يشعر بالقلق حيال حقوق الآخرين، ويرغب في استخدام كلّ الوسائل، بما في ذلك العنف".

وتلاحظ أنّ العديد من الملوك أو الديكتاتوريين يخافون الجماهير، ويخلقون فيلقاً من الحراس لحماية أنفسهم "يسعى الفاشيون إلى جعل الغوغاء إلى جانبهم".

غلاف الكتاب

فاشيات غير كاملة

وترى أولبرايت اليوم نظاماً فاشياً حقيقياً واحداً فقط، في كوريا الشمالية، عبر القومية المتطرفة، والاحتقار القاتل لحقوق الإنسان، وتعتقد أنّ الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، ليس فاشياً كاملاً بعد؛ فهي في أول لقاء لها مع السيد بوتين، على سبيل المثال، تنقل عنه إقراره بأنّ جدار برلين لم يكن ليستمر إلى الأبد، لكنّه استنكر التسرع الفوضوي في الخروج السوفياتي من ألمانيا الشرقية.

كانت طفلة صغيرة عام 1939 عندما لاحق النازيون عائلتها من تشيكوسلوفاكيا إلى المنفى في لندن

وفي أجواء حالية مليئة بالأدلة الخبيرة لمدى انزلاق البلد (أمريكا) إلى نظام استبدادي، تحذّر السيدة أولبرايت من الغلو في شخصية رجل الأعمال السابق ترامب، وهي تصفه بأول "رئيس أمريكي معادٍ للديمقراطية".

وهذا التحذير يبدو مناقضاً لفترة ما بعد سقوط جدار برلين، وما أثاره من شعور بالنشوة في الغرب؛ فقد أعلن جورج بوش الأب أنّ "نهاية الحرب الباردة كانت انتصاراً للبشرية جمعاء"، وتوقّع الرئيس التشيكي بعد سقوط الشيوعية، فاكلاف هافل، أن أوروبا ستخلق "نوعاً جديداً من النظام"؛ حيث لن يعمد الأقوياء إلى كبت الضعفاء، ولن تتمّ تسوية النزاعات بالقوة.

ما الذي حدث لهذا التفاؤل؟ لماذا تباطأ الزخم نحو الديمقراطية والمواطنة الدولية؟ تتساءل مادلين أولبرايت في كتابها الجديد.

حالياً تملأ أولبرايت الأسماع بكلام غاضب ضدّ البيت الأبيض وتتعهد بمقاومة الرئيس دونالد ترامب

عوامل ازدهار الفاشية

ترى أولبرايت أنّ الفاشية تزدهر إلى جانب الفوضى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، مثلما تمثّلها الحالات الكلاسيكية بين ألمانيا وإيطاليا؛ لقد عصفت ظروف التضخم الكبير والكساد العظيم، والانتفاضات اليمينية واليسارية العنيفة بجمهورية فايمار، كانت إيطاليا قد تضرّرت بسبب التضخم المرتفع والبطالة، وشلّت لمدة عامين تقريباً بسبب الإضرابات، بينما كانت العصابات اليمينية تفرض نفسها عبر السيطرة على الشوارع، وقد أدّت هذه الظروف إلى مواطنين خائفين ويائسين.

وتشير أولبرايت إلى ديناميكيات مماثلة في أماكن وأزمان أخرى أدّت إلى الفاشية: صعود نظام هوجو شافيز، من خلال تدهور الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، وتزايد عدم المساواة في فنزويلا، وصعود فيكتور أوربان إلى السلطة؛ حيث كانت هنغاريا تعاني من التداعيات المؤلمة للأزمة المالية، وظهر فلاديمير بوتين في روسيا أثناء تدهور اقتصادي ووطني، مماثل لذلك الذي شهدته ألمانيا بين الحربين العالميتين.

المشكلات تصبح فقط فرصاً للفاشيين، وغيرهم من مناهضي الديموقراطية، إذا لم يتمكن خصومهم من معالجتها.

ضعف المعارضة وانقسامها

ومن عوامل ازدهار الفاشية، وفق أولبرايت، ضعف المعارضة وانقسامها، ففي فترة ما بين الحربين العالميتين، تراجعت الحكومات الليبرالية في الوقت الذي انزلقت فيه البلاد إلى الفوضى، وكان الحزبان الكبيران؛ الاشتراكي والديمقراطي المسيحي، أكثر اهتماماً بدوائرهما الانتخابية الخاصة، على حساب اهتمامهما بالديمقراطية وقضايا البلاد، بينما قدّم الفاشيون للناخبين تفسيرات بسيطة لمشكلاتهم، على شكل أعداء مثل؛ القوى الأجنبية الشريرة أو اليهود، وحلولاً بسيطة، ألا وهي استبدال الديمقراطيات الضعيفة بالديكتاتوريات القوية.

تحذر أولبرايت أنّ الديمقراطية الغربية تواجه حالياً تحديات كبيرة قد تنتهي إلى نوع من الفاشية المتأزمة

لقد شرح أدولف هتلر ذات مرة: "سأقول لكم ما حملني إلى المنصب؛ مشاكلنا السياسية تبدو معقدة، لا يستطيع الشعب الألماني صنع أيّ شيء حيالها، أنا، من ناحية أخرى، عملت على تخفيضها إلى أبسط المستويات، الجماهير أدركت هذا، وتبعتني".

وتجد أولبرايت ديناميكيات مماثلة لصعود الفاشية، كما في مسقط رأسها تشيكوسلوفاكيا، بعد الحرب العالمية الثانية، أدى ضعف رئيس البلاد، إدوارد بينيس، إلى تسهيل سيطرة الشيوعية، وفي المجر الحديثة، مهّد الفساد وخيانة الأمانة للحزب الاشتراكي الحاكم الطريق لأوربان. وفي روسيا أوصل عجز بوريس يلتسين عن وقف التدهور الاقتصادي لبلاده فلاديمير بوتين إلى السلطة.

 ترى أولبرايت اليوم نظاماً فاشياً حقيقياً واحداً فقط في كوريا الشمالية

تواطؤ المحافظين

وتُحمّل أولبرايت تواطؤ المحافظين مسؤولية ازدهار الفاشية في بعض النماذج؛ ففي كلٍّ من إيطاليا وألمانيا، رأى المحافظون أنّهم قادرون على السيطرة على الفاشية، واستخدام دعمها الشعبي لتحقيق أهدافهم الخاصة.

في إيطاليا، تم إقناع الملك، فيكتور عمانوئيل الثالث، وفي ألمانيا؛ الرئيس بول فون هندنبرغ، من قبل المستشارين المحافظين بتسليم السلطة إلى موسوليني وهتلر، على التوالي، رغم أنّ أيّاً منهما لم يفز بالأغلبية الانتخابية.

أولبرايت تبدو متفائلة بالرجوع إلى قادة تاريخيين مثل الأمريكي أبراهام لنكولن والجنوب إفريقي نيلسون مانديلا

وفي عالمنا هذا اليوم، هناك أوجه تشابه مقلقة، لا تقلّ خطورة عن فترة ما بين الحربين العالميتين، تواجه الديمقراطية الغربية حالياً تحديات كبيرة، هي بمثابة كرة ثلج قد تنتهي إلى نوع من الفاشية المتأزمة، وهو ما يدفع أولبرايت إلى دعوة مناهضي الفاشية للتعلم من التاريخ: "في الولايات المتحدة على الديمقراطيين والجمهوريين أن يعملوا معاً مرة أخرى لحلّ مشكلات بلادنا، ويجب على الجمهوريين ألّا يسمحوا لإخلاصهم لترامب في أن يعميهم عن الخطر الذي بات الرئيس يمثلها على الديمقراطية".

وتلفت أولبرايت إلى أنّه، خلال الأعوام بين الحربين العالميتين، تفاقمت مشكلات أوروبا، بسبب انسحاب الولايات المتحدة من المسرح العالمي، لذا تشعر بالقلق من عزلة ترامب عن العالم "أمريكا أولاً"، بما يقوّض قدرة أمريكا على القيادة والمساعدة في حلّ التحديات الدولية، وتعميق الانقسامات داخل الغرب، وتشجيع القوى المعادية للديمقراطية.

رغم كلّ هذا، فإنّ أولبرايت تبدو متفائلة، وتختتم كتابها بالرجوع إلى أمثلة تاريخية وقادة مثل: الأمريكي أبراهام لنكولن، والجنوب إفريقي نيلسون مانديلا، اللذين ساعدا بلديهما في تجاوز فترات العنف والانقسام الشديد، وتؤكد أولبرايت أنّ "مشكلات الديمقراطية يمكن التغلب عليها فقط إذا أدركنا دروس التاريخ، لا أن نأخذ الديمقراطية على أنّها أمر مسلَّم به".

اقرأ المزيد...

الوسوم: