"أرواح تحت الضغط"... الأزمة النفسية تتسع في غزة

"أرواح تحت الضغط"... الأزمة النفسية تتسع في غزة

"أرواح تحت الضغط"... الأزمة النفسية تتسع في غزة


كاتب ومترجم فلسطيني‎
13/04/2026

لم تقتصر الأزمات في غزة على الدمار المادي وفقدان الأرواح، بل امتدت لتشكل أزمة نفسية عميقة ومتفاقمة بين السكان، فمع استمرار الحرب منذ عام 2023، وتدمير البنية التحتية الصحية ونقص الأدوية، أصبح المواطن في غزة يواجه ما يمكن وصفه بكارثة نفسية صامتة، تتفاقم يوماً بعد يوم في ظل غياب الإمكانيات العلاجية الأساسية.
وقد أقدم الاحتلال الإسرائيلي على قصف وتدمير المستشفى النفسي الوحيد في مدينة غزة، وهذا المستشفى كان يوفر علاجاً للحالات الحادة مثل الفصام والاضطرابات الشديدة، وكان فيه مبيت للمرضى ورقابة طبية مستمرة وأدوية نفسية تخصصية نادرة، وبعد تدميره ضاعت السجلات الطبية للمرضى، وانقطع وصولهم إلى الأدوية، والنتيجة هي مرضى بلا رعاية، وكثير من المرضى أصبحوا في الشوارع أو مخيمات النزوح دون علاج ومتابعة.
وتعاني المنظومة الصحية في غزة من انهيار شبه كامل نتيجة الحصار والحرب، فهناك نحو 50% من المستشفيات تعمل بشكل جزئي، وتعرّض عدد كبير منها للتدمير، و299 نوعاً من الأدوية الأساسية غير متوفر في غزة، بالإضافة إلى أنّ هناك 52%من الأدوية رصيدها صفر، خاصة أدوية الأمراض المزمنة، إلى جانب النقص الحاد في الكوادر الطبية والمستلزمات العلاجية، وهذا الانهيار لا يؤثر فقط على المرضى العضويين، بل ينعكس بشكل مباشر وخطير على خدمات الصحة النفسية التي تُعدّ أصلاً محدودة في القطاع. 
ووفق تقارير صحية، فإنّ هناك انتشاراً واسعاً وغير مسبوق في أعداد الحالات المصابة بأمراض نفسية في غزة نتيجة الظروف المعيشية الصعبة، وتمّ تسجيل ارتفاع حاد في الاكتئاب والقلق واضطراب ما بعد الصدمة، فهناك نحو 71% من السكان يعانون من الاكتئاب، وحوالي 98% يعانون من القلق، وأكثر من 93%  يعانون من ضغوط نفسية مزمنة، في حين هناك أكثر من مليون طفل يعانون من صدمات نفسية عميقة، والنساء والأطفال هم الفئات الأكثر هشاشة، وهذه الأرقام تعكس حالة صدمة جماعية مستمرة وليست مجرد اضطرابات فردية، في حين أنّ أسباب تفاقم الأزمة النفسية يتمثل في التعرض المستمر للصدمات والقصف، وفقدان الأحبة، ومشاهدة الموت، والإصابات والإعاقات الدائمة، والخوف الدائم من الموت.
في سياق ذلك يقول أستاذ علم النفس في جامعة الأقصى في غزة الدكتور درداح الشاعر: "يعاني غالبية السكان في غزة من ضغوط وآثار نفسية متفاقمة، تؤثر بشكل سلبي على مجريات حياة المواطنين اليومية، فقد انتشرت حالات العنف والقتل والتفكك مؤخراً داخل المجتمع، وهذا ناجم عن تعرّض المواطنين لضغوط نفسية ".
وأشار في حديثه لـ (حفريات) إلى "أنّ هناك عجزاً كبيراً في تقديم الرعاية للمرضى، بسبب غياب المراكز المختصة، حتى الأدوية النفسية هناك شح كبير في العديد من الأصناف المهمة، إلى جانب أنّ تدمير المستشفى النفسي الوحيد في غزة، يُعدّ من أخطر مظاهر الأزمة الإنسانية الحالية، لأنّه لا يتعلق فقط بمبنى مدمّر، بل بانهيار كامل لمنظومة رعاية شديدة الحساسية، كما أنّ استمرار الوضع الحالي على ما هو عليه، فإنّ غزة قد تواجه جيلاً كاملاً يعاني من اضطرابات نفسية مزمنة، وهو ما سيؤدي إلى تراجع القدرة على التعلم والإنتاج، وتفكك اجتماعي وأسري، وزيادة العنف المجتمعي".
وبيّن أنّ "هناك العديد من الأسباب المهمة التي تزيد من إصابة المواطنين بالأمراض النفسية، وهي العيش في مراكز إيواء تفتقر للخصوصية والخدمات، إلى جانب فقدان العديد من أرباب الأسر مصدر دخلهم، وصعوبة توفير الغذاء ومستلزمات عائلاتهم، وهذا الوضع يعزز مشاعر القلق والعجز وفقدان السيطرة".
وأوضح أنّ "هناك العديد من التوصيات والحلول للحد من تفاقم الأزمة، من خلال  إدخال الأدوية النفسية بشكل عاجل، ودعم برامج الصحة النفسية كأولوية إنسانية، وحماية المنشآت الصحية، وإنشاء مراكز دعم نفسي، وتأهيل كوادر محلية في الدعم النفسي الأولي، ودمج الدعم النفسي في المدارس ومراكز الإيواء".
وتحاول مؤسسات دولية تنفيذ مشاريع دعم نفسي للرجال والنساء والأطفال خاصة داخل مخيمات النازحين، أو من خلال إنشاء نقاط طبية، من أجل تفريغ الضغوط الواقعة عليهم، حيث تعمل الكوادر على تقديم برامج توعية للحد من مخاطر العنف  التي تسببها الضغوط النفسية المتراكمة.
تقول الإخصائية النفسية مروة خليل: "الأزمة النفسية في قطاع غزة ليست عرضاً جانبياً للحرب، بل هي من أخطر نتائجها وأكثرها استدامة، ومع غياب الطب والدواء تتحول المعاناة النفسية إلى أزمة إنسانية عميقة تهدد حاضر المجتمع ومستقبله، كما أنّ التعامل مع هذه الأزمة يتطلب استجابة عاجلة وشاملة، تعترف بأنّ الصحة النفسية ليست رفاهية، بل ضرورة للبقاء.
وبينت أنّ هناك انتشاراً واسعاً في أعداد الحالات المصابة بالضغوط النفسية، ولا سيّما من دمرت بيوتهم وفقدوا أفراد عائلاتهم، حيث تشهد غزة حالات متزايدة في الانفصال بين الأزواج، نتيجة العنف الأسري وعدم قدرة أرباب الأسر على التكيف مع الواقع الصعب".
وأشارت في حديثها لـ (حفريات) إلى أنّ "غياب الأطباء والدواء النفسي،  يؤدي إلى تفاقم الحالات النفسية البسيطة، ويزيد من الاضطرابات المزمنة، وزيادة السلوكيات الخطرة مثل العنف أو الانعزال، واحتمالات الانتحار، وفقدان القدرة على التكيف لدى الأفراد والأسر، كما أنّ نقص أدوية الأمراض الجسدية كالسكري والضغط يزيد العبء النفسي، إذ يعيش المرضى في خوف دائم من تدهور حالتهم أو الموت، في حين بعض الحالات تحتاج إلى مراقبة مستمرة، لتجنب إيذاء النفس أو الآخرين، لكنّ غياب مراكز المبيت والمتابعة يفاقم الأزمة". 
وأوضحت أنّ "غياب الدعم النفسي والاجتماعي زاد من مستويات العجز واليأس لدى النازحين، وأنّ الأطفال هم من الفئات الأكثر تضرراً، وتتمثل معاناتهم في اضطرابات النوم وكوابيس التبول اللّا إرادي، والسلوك العدواني وفقدان الشعور بالأمان، وأنّ الضغوط النفسية والمعاناة تتضاعف لدى النساء؛ بسبب مسؤوليات الأسرة وارتفاع معدلات القلق والاكتئاب".  




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية