إخوان تونس بعد سقوط أوراق النفوذ.. كيف تحولت النهضة إلى عبء سياسي يطارد ماضيه؟

إخوان تونس بعد سقوط أوراق النفوذ.. كيف تحولت النهضة إلى عبء سياسي يطارد ماضيه؟

إخوان تونس بعد سقوط أوراق النفوذ.. كيف تحولت النهضة إلى عبء سياسي يطارد ماضيه؟


27/10/2026

يواجه تنظيم الإخوان في تونس، ممثلًا بحركة النهضة وقياداتها وحلفائها السياسيين، واحدة من أصعب مراحله منذ صعوده إلى السلطة عقب عام 2011. فبعد سنوات من التغلغل داخل مؤسسات الدولة، وامتلاك مفاتيح التأثير في الحكومات والبرلمان والتحالفات السياسية، يجد التنظيم نفسه محاصرًا بتداعيات تجربة حكم فقد خلالها قدرًا كبيرًا من رصيده الشعبي، وبملفات قضائية تطال قياداته، وانقسامات داخلية تعمّق أزمته، في وقت تتراجع فيه فرص استعادة النفوذ الذي راكمه خلال العقد الماضي.

ولم تعد أزمة النهضة مجرد خلاف مع السلطة أو تعثر في حسابات المعارضة، بل أصبحت أزمة مشروع سياسي وتنظيمي يواجه نتائج تجربته السابقة، بعدما تحولت سنوات المشاركة في الحكم إلى عبء يلاحق الحركة كلما حاولت العودة إلى الواجهة. فالتنظيم الذي راهن على حضوره الانتخابي وشبكاته السياسية وقدرته على عقد التحالفات، لم يعد قادرًا على استعادة موقعه السابق بالوسائل ذاتها، فيما تصطدم محاولاته استثمار الأزمات الاجتماعية والتحركات الاحتجاجية بحقيقة أن الشارع ليس امتدادًا تلقائيًا لقواعده، وأن القضايا الوطنية لا تمنحه تفويضًا لاستعادة نفوذه.

وتكشف التطورات الأخيرة أن إخوان تونس يخوضون معركة تتجاوز مصير قياداتهم إلى مستقبل تنظيمهم نفسه. فمع تراجع قدرتهم على التأثير في القرار السياسي، وتزايد الضغوط المرتبطة بالملفات القضائية، تبدو حركة النهضة أمام اختبار صعب: كيف يمكن لتنظيم فقد جانبًا مهمًا من أوراق قوته أن يقنع التونسيين بمنحه فرصة جديدة، بينما لا تزال تجربة حكمه حاضرة في الذاكرة السياسية والاجتماعية للبلاد؟

 

عشرية الحكم.. حين تحول النفوذ إلى عبء

 

مثلت السنوات التي أعقبت ثورة 2011 فرصة استثنائية أمام حركة النهضة، بوصفها أحد فروع تنظيم الإخوان في تونس، للانتقال من المعارضة إلى مواقع الحكم والتأثير في مؤسسات الدولة. ونجحت الحركة في توسيع حضورها داخل البرلمان والحكومات والتحالفات السياسية، مستفيدة من قدرتها التنظيمية وشبكاتها الحزبية، لكنها لم تنجح في تحويل ذلك النفوذ إلى رصيد مستدام يحميها من الغضب الشعبي وتداعيات إخفاقات المرحلة.

فالأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة، والتجاذبات السياسية، وتراجع الثقة في الطبقة الحاكمة، وضعت الحركة أمام حصيلة سياسية ثقيلة. ومع اتساع الإحباط من أداء المؤسسات التي شاركت في إدارتها، تآكلت قدرتها على تقديم نفسها باعتبارها بديلًا قادرًا على معالجة أزمات البلاد، وأصبحت تجربة الحكم نفسها أحد أبرز العوائق أمام محاولات استعادة موقعها.

وتكمن المعضلة الأساسية في أن النهضة لا تستطيع محو سنوات مشاركتها في السلطة بمجرد الانتقال إلى صفوف المعارضة أو تغيير خطابها، خصوصا أن التنظيم الذي امتلك فرصًا واسعة للتأثير في القرار السياسي بات مطالبًا بالإجابة عن أسئلة المسؤولية والمحاسبة، وعن أسباب عجز تجربته عن تحقيق تطلعات قطاعات واسعة من التونسيين.

كما أن استدعاء شعارات الديمقراطية والحريات لا يكفي وحده لإعادة بناء الثقة، في ظل ذاكرة سياسية مثقلة بالصراعات والإخفاقات. فالمشكلة التي تواجه إخوان تونس ليست نقص الشعارات، بل فقدان القدرة على تحويلها إلى مشروع يقنع الشارع بأن عودتهم لن تعني إعادة إنتاج المرحلة التي ساهموا في إدارتها.

 

أحكام القضاء تضرب رهانات العودة

 

تواجه حركة النهضة، بالتوازي مع أزمتها السياسية، ضغوطًا قضائية تطال عددًا من قياداتها، في ملفات تمثل أحد أبرز مصادر الاضطراب في مستقبل التنظيم. وقد أعاد القرار المتعلق برفض الطعون في قضية «التآمر على أمن الدولة 2»، وفق ما أوردته ملفات عربية في تقريرها المنشور يوم 25 أكتوبر/تشرين الأول 2026، ملف القيادات المحكوم عليها إلى واجهة النقاش بشأن مصير الحركة وحدود قدرتها على إعادة ترتيب صفوفها.

وتناول التقرير أحكامًا بالسجن بحق رئيس الحركة راشد الغنوشي وعدد من القيادات السياسية والأمنية، إلى جانب أحكام غيابية بحق متهمين آخرين. وتمثل هذه التطورات ضربة سياسية وتنظيمية للحركة، بالنظر إلى مكانة الغنوشي في بنيتها القيادية، وإلى ما تفرضه هذه القضايا من تحديات على علاقاتها وتحالفاتها وخياراتها المستقبلية.

ولا تتوقف التداعيات عند غياب قيادات بارزة عن النشاط السياسي، بل تمتد إلى صورة التنظيم نفسه، الذي يجد نفسه مضطرًا إلى التعامل مع ملفات قضائية تمس شخصيات ارتبطت بمراحل أساسية من صعوده وإدارته للشأن العام. كما تعيد هذه القضايا طرح أسئلة ثقيلة بشأن طبيعة القرارات التي اتخذتها قيادات الحركة، وحدود المسؤولية السياسية والتنظيمية في الملفات التي تلاحق بعض رموزها.

وفي الوقت الذي تتمسك فيه النهضة بحقوق الدفاع والضمانات القانونية، فإن المسار القضائي يظل عاملًا حاسمًا في تحديد مصير المتهمين، فيما تزداد الكلفة السياسية على التنظيم كلما أصبحت قضايا قياداته محورًا للنقاش العام. وهكذا، لا تجد الحركة نفسها أمام معركة لاستعادة الحضور السياسي فحسب، بل أمام مواجهة مع إرث من الملفات التي لا تستطيع تجاوزها بمجرد رفع شعارات المعارضة أو الدعوة إلى المصالحة.

 

استغلال الاحتجاجات.. رهان إخواني يصطدم باستقلالية الشارع

 

مع تراجع قدرتها على العودة عبر المؤسسات التي امتلكت نفوذًا واسعًا داخلها، تحاول حركة النهضة وحلفاؤها استعادة الحضور من خلال التحركات الاحتجاجية والاجتماعية، مستفيدة من الأزمات المعيشية والقضايا التي تحظى بتأييد شعبي واسع، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. غير أن هذا المسار يضع التنظيم أمام معضلة أساسية: فالغضب من الأوضاع الاقتصادية لا يعني منح النهضة صكًا سياسيًا جديدًا، كما أن التضامن مع فلسطين لا يجعل الشارع تابعًا لمشروعها.

وأشارت ملفات عربية، في تقريرها المنشور يوم 27 سبتمبر/أيلول 2026، إلى اعتراضات من قوى مدنية ويسارية على ما وصفته بمحاولات الحركة توظيف التحركات الاحتجاجية والتضامن مع الفلسطينيين لتحقيق مكاسب حزبية. وتكشف هذه الاعتراضات عن صعوبة فرض النهضة نفسها ممثلًا تلقائيًا لكل تحرك معارض، خصوصًا عندما تكون المطالب الاجتماعية أوسع من الحسابات التنظيمية والحزبية.

ومن هنا، تبدو محاولات إخوان تونس ركوب موجة الاحتجاجات محاولة لتعويض ما خسروه داخل المؤسسات السياسية عبر الظهور في المجال العام. لكن الحضور في المسيرات أو التقاطع مع مطالب شعبية لا يساوي استعادة الثقة، ولا يمحو سجل التجربة السابقة، ولا يضمن تحويل الغضب الاجتماعي إلى قاعدة مؤيدة للتنظيم.

وتزداد صعوبة هذا الرهان عندما تواجه الحركة اعتراضات من قوى مدنية ويسارية ترفض توظيف التحركات المستقلة لخدمة حساباتها. فالتنظيم الذي يسعى إلى استعادة موقعه يجد نفسه مضطرًا إلى إثبات أن مشاركته في الحراك تتجاوز الرغبة في إنعاش حضوره السياسي، وهو اختبار لا يمكن حسمه بالشعارات أو بمحاولات الظهور الإعلامي.

 

أزمة النهضة أكبر من الغنوشي.. التنظيم يخسر أوراقه تباعًا

 

لا تنحصر أزمة إخوان تونس في الملاحقات القضائية التي تطال راشد الغنوشي وعددًا من القيادات، ولا في تقلص فرص العودة إلى الحكم، بل تمتد إلى قدرة التنظيم على تجديد نفسه وإعادة بناء علاقته بالشارع. فالحركة التي اعتمدت طويلًا على مركزية القرار والانضباط التنظيمي وشبكات التحالفات تجد نفسها أمام واقع سياسي مختلف، لا تكفي فيه أدوات التعبئة القديمة لاستعادة النفوذ.

وقد شكلت القيادة التاريخية للحركة أحد أبرز مصادر تماسكها السياسي والتنظيمي، لكن استمرار الأزمات التي تطال رموزها يضع مستقبل القيادة ومسألة تجديد الصفوف في صدارة التحديات. 

كما أن الانقسامات داخل المعارضة تحرم النهضة من افتراض وجود جبهة متماسكة تقف خلفها؛ فالتقاطع في معارضة السلطة لا يعني الاتفاق على إعادة الحركة إلى موقعها السابق، ولا يمنحها حق احتكار تمثيل القوى الرافضة للسياسات القائمة.

وتتراجع بذلك قيمة عدد من الأوراق التي اعتمد عليها التنظيم خلال سنوات نفوذه. فالوزن الانتخابي التاريخي لم يعد كافيًا وحده لضمان العودة، والشبكات الحزبية لا تعوض تراجع الثقة، والتحالفات لا تستطيع إخفاء التباينات بين مكوناتها، فيما تزيد الملفات القضائية من تعقيد المشهد أمام القيادات.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية