فرنسا... المدرسة التي صنعت نفوذ الإخوان (2 ـ 3)

فرنسا... المدرسة التي صنعت نفوذ الإخوان (2 ـ 3)

فرنسا... المدرسة التي صنعت نفوذ الإخوان (2 ـ 3)


26/10/2026

بعد عشرين عامًا تقريبًا من ظهور أولى حلقات الإسلاميين في فرنسا، ثمانينيات القرن الماضي، كانت الخريطة قد تغيرت بصورة يصعب معها مقارنة المشهد بما كان عليه في الستينيات. في البداية كان الأمر يتعلق بطلاب مسلمين يجتمعون في باريس، وجمعيات صغيرة تبحث عن مساحة لممارسة الدين، وشخصيات وافدة تحمل معها أفكارًا وتجارب سياسية تشكلت خارج فرنسا. ثم ظهرت "جمعية الطلاب الإسلاميين في فرنسا" (AEIF) ومنها خرج "التجمع الإسلامي في فرنسا" (GIF) ، وصولًا إلى تأسيس "اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا" (UOIF)  عام 1983. لكنّ التنظيم الذي وُلد صغيرًا في مدينة "نانسي" كان أمام مشكلة أكبر من مجرد زيادة عدد أعضائه: كيف يستطيع البقاء والتوسع داخل مجتمع فرنسي يتغير، وكيف يمكن أن يجد لنفسه مكانًا بين مسلمي الجيل الجديد الذين ولدوا أو نشؤوا داخل فرنسا، ولم تعد علاقتهم بالإسلام تشبه علاقة آبائهم الذين جاؤوا من شمال أفريقيا والشرق الأوسط؟

هنا بدأ التحول الحقيقي. أدرك الإسلاميون أنّ بناء النفوذ يحتاج إلى أكثر من مسجد وجمعية ومؤتمر؛ يحتاج إلى صناعة كوادر قادرة على حمل الأفكار، وإلى مؤسسات تستطيع تكوين هؤلاء الكوادر داخل أوروبا نفسها. ومن هذه الحاجة خرجت واحدة من أهم المؤسسات في تاريخ الإسلام الحركي الفرنسي: "المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية" (IESH). لم تكن المدرسة مجرد مكان لتدريس العلوم الإسلامية، ولم يكن دورها منفصلًا عن شبكة المساجد والجمعيات التي كانت تتوسع في المدن الفرنسية؛ فقد أصبحت جزءًا من منظومة أوسع تنتج الدعاة والمدرسين والناشطين، وتربط بينهم بشبكة من العلاقات تمتد من فرنسا إلى دول أوروبية أخرى.

ومن هنا تبدأ هذه المرحلة من القصة؛ مرحلة انتقل فيها الإخوان من البحث عن موطئ قدم داخل فرنسا إلى البحث عن طريقة لإعادة إنتاج وجودهم فيها. فالمسجد يستطيع أن يجمع المصلين، والجمعية تستطيع أن تنظم النشاط، والمؤتمر يستطيع أن يحشد الآلاف، لكنّ المدرسة تستطيع أن تفعل شيئًا أكثر هدوءًا وأطول أثرًا: أن تصنع الشخص الذي سيعود إلى المسجد والجمعية والمؤتمر حاملًا المعرفة والخطاب والعلاقات نفسها. وهذه هي القصة التي تكشف كيف تحولت المؤسسات التعليمية من هامش في تجربة الإخوان الأوروبية إلى واحدة من أهم أدوات بناء النفوذ واستمراره.

من الجمعية إلى فكرة صناعة الكادر

عندما تأسس اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا (UOIF) في نانسي عام 1983، كان إطارًا صغيرًا خرج من بيئة تكونت على مدى عقدين داخل فرنسا، بدأت بجمعية الطلاب الإسلاميين في فرنسا (AEIF) ، ثم مرت بانقسامات وتداخلات بين تيارات إسلامية مصرية وسورية وتونسية، وصولًا إلى تأسيس التجمع الإسلامي في فرنسا (GIF) عام 1979، ثم وصول موجة جديدة من الإسلاميين التونسيين عام 1981. بدأ الاتحاد بمجموعة من الجمعيات والمساجد الصغيرة التي تبحث عن إطار يجمعها، وتختلف المصادر في تحديد عدد الكيانات التي شكلت نواته الأولى، إلا أنّ هذه الخلافات لا تغير الحقيقة الأساسية: بدأت  UOIF  صغيرة، بينما كانت أمامها فرصة للنمو داخل مجتمع مسلم يتغير بسرعة، خصوصًا مع انتقال فرنسا من مرحلة العمال المهاجرين إلى مرحلة أبناء المهاجرين الذين ولدوا أو نشؤوا داخل المجتمع الفرنسي. هؤلاء كانوا يطرحون أسئلة مختلفة عن آبائهم؛ فالعامل القادم من المغرب أو تونس أو الجزائر كان يبحث في الغالب عن وسيلة للحفاظ على دينه وسط مجتمع جديد، بينما وجد أبناؤه أنفسهم أمام سؤال أكثر تعقيدًا: كيف يعيش المسلم دينه داخل فرنسا نفسها، في المدرسة والجامعة والعمل والأسرة والفضاء العام؟ وهنا بدأت الحاجة إلى خطاب ديني قادر على مخاطبة هذا الجيل بالفرنسية، وفهم مشكلاته اليومية، وتقديم إجابات لا تعتمد فقط على استيراد إمام من الخارج أو إعادة إنتاج خطاب موجه أصلًا إلى مجتمعات عربية مختلفة.

من هذه النقطة أصبحت قضية تكوين الكادر جزءًا أساسيًا من مستقبل الحركة، لأنّ التوسع في المساجد والجمعيات يحتاج إلى أئمة ومدرسين ودعاة ومنظمين، والاعتماد الدائم على كوادر قادمة من الخارج يضع حدودًا طبيعية أمام أيّ مشروع يريد الاستقرار داخل المجتمع الأوروبي. ولذلك فإنّ الانتقال إلى بناء مؤسسات للتكوين الديني كان أكثر من مجرد نشاط ثقافي؛ كان محاولة لإنتاج جيل جديد من داخل البيئة نفسها، يعرف اللغة الفرنسية، ويفهم المجتمع الذي يعيش فيه، وفي الوقت نفسه يتلقى تكوينًا دينيًا داخل مرجعية إسلامية محددة.

حين أصبحت المدرسة جزءًا من المشروع

في بداية التسعينيات ظهر المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية (IESH) في منطقة نيفر بالقرب من شاتو شينون، وبدأت الدراسة فيه عام 1992، ليتحول تدريجيًا إلى واحدة من أهم المؤسسات التعليمية المرتبطة بالبيئة التي نشأت حول UOIF. كان المعهد يقدّم تعليمًا في العلوم الإسلامية والقرآن والحديث والفقه واللغة العربية، واستقبل طلابًا من فرنسا ومن دول أوروبية أخرى، وتضعه الوثائق الفرنسية ضمن المؤسسات القريبة من هذه البيئة الإسلامية. هنا يمكن فهم أهمية المعهد بعيدًا عن السؤال المباشر حول عدد طلابه أو البرامج التي قدّمها؛ فالمؤسسة التعليمية تخلق علاقة مختلفة تمامًا بين التنظيم والجمهور. الطالب يدخل المؤسسة وهو يبحث عن المعرفة الدينية، ثم يخرج منها وهو يحمل معرفة وشبكة علاقات وتجربة مشتركة، وقد يعود إلى مدينته ليعمل داخل مسجد أو جمعية أو مؤسسة تعليمية، وبذلك تصبح عملية التكوين جزءًا من عملية التوسع نفسها. المدرسة تنتج الكادر، والكادر يعود إلى المجتمع ليصبح جزءًا من البنية التي تستقبل أجيالًا جديدة، وهكذا تتحول المعرفة إلى وسيلة لإعادة إنتاج المؤسسة.

هذه النقطة تحديدًا تفسر لماذا كان التعليم أكثر أهمية من مجرد زيادة عدد الجمعيات. الجمعية تستطيع أن تستقطب أعضاء جددًا، أمّا المدرسة فتستطيع أن تصنع أشخاصًا يحملون المنهج والخطاب ويعرفون كيف يقدمونه إلى الآخرين. ومع الوقت يصبح هناك نوع من التراكم؛ طالب قد يتحول إلى مدرس، والمدرس قد يصبح داعية، والداعية قد يرتبط بجمعية، والجمعية قد تدير مسجدًا، والمسجد يجذب عائلات وشبابًا، وهؤلاء ينتقل بعضهم إلى المؤسسات التعليمية نفسها. لا يعني ذلك أنّ كل من درس في المعهد أو شارك في نشاط إحدى الجمعيات أصبح عضوًا في جماعة الإخوان، لكن ما يمكن رصده بوضوح هو أنّ وجود مؤسسة تعليمية مرتبطة بالبيئة نفسها وفر وسيلة مستمرة لإنتاج الكوادر وإقامة علاقات بشرية وفكرية طويلة المدى.

ومن هنا يمكن فهم أهمية التغير الذي حدث داخل UOIF نفسها خلال هذه السنوات، فقد بدأت القيادة تتحول تدريجيًا من النواة الأولى ذات الخلفيات المصرية والعراقية والتونسية واللبنانية إلى حضور مغاربي أكثر وضوحًا، وبرزت أسماء مثل فؤاد علوي والحاج التهامي بريز، إلى جانب أحمد جاب الله الذي أصبح من الشخصيات البارزة في قيادة الاتحاد والمعهد. هذا التغير لم يكن مجرد تبديل أسماء في مكاتب الإدارة، وإنّما كان جزءًا من عملية تكييف أوسع مع الواقع الفرنسي؛ فالجمهور الذي تخاطبه المؤسسات الإسلامية داخل فرنسا صار في نسبة كبيرة منه من أصول مغاربية، والجيل الجديد يتحدث الفرنسية ويعيش داخل النظام التعليمي والاجتماعي الفرنسي، وبالتالي صار على الخطاب نفسه أن يتغير في لغته وأدواته ومساحات حضوره.

مدينة لو بورجيه (Le Bourget)... المدرسة حين خرجت إلى الجمهور

إذا كان المعهد يمثل الجانب الهادئ من عملية صناعة الكوادر، فإنّ ملتقى المسلمين في فرنسا (RAMF) مثل الوجه الجماهيري لهذه العملية. انتقلت اللقاءات السنوية المرتبطة بالاتحاد إلى مركز المعارض في مدينة لو بورجيه (Le Bourget) عام 1988، ثم تطورت خلال التسعينيات إلى تجمع إسلامي واسع يستقطب أعدادًا كبيرة من المسلمين، مع محاضرات وندوات للشباب والنساء والأسرة، وأجنحة للكتب والمنتجات والخدمات، واستضافة شخصيات دينية وفكرية من فرنسا وخارجها. وتظهر الدراسات الحديثة نموًا كبيرًا في حجم التجمع عبر السنوات.

الأهمية الحقيقية لتجمع لو بورجيه السنوي جاءت من كونه مساحة تلتقي فيها عناصر الشبكة كلها في مكان واحد. الطالب الذي يتلقى تعليمه في مؤسسة دينية يستطيع أن يرى أمامه جمهورًا واسعًا، والداعية الذي يعمل داخل مسجد محلي يستطيع أن يصل إلى جمهور يتجاوز مدينته، والجمعية الصغيرة تستطيع التعرف على جمعيات أخرى، والشباب يستطيعون بناء علاقات تتجاوز حدود المكان الذي يعيشون فيه. المؤتمر هنا لا يعمل باعتباره احتفالًا سنويًا فقط، وإنّما باعتباره عملية إعادة تجميع للشبكة، فالكيانات التي تعمل طوال العام في مدن مختلفة تعود إلى نقطة واحدة، وتعرض نشاطها، وتستقطب جمهورًا جديدًا، وتعيد إنتاج العلاقات التي تساعدها على الاستمرار.

ومن هذه الزاوية يصبح الملتقى السنوي امتدادًا طبيعيًا للمدرسة. المدرسة تنتج الكادر، والمؤتمر يمنحه مساحة للظهور، والمسجد يوفر له الجمهور المحلي، والجمعية توفر له المجال التنظيمي، بينما توفر الشبكات الأوروبية امتدادًا خارج الحدود الفرنسية. ولذلك فإنّ قوة التجربة لا تكمن في وجود مؤسسة واحدة تسيطر على كل شيء، وإنّما في وجود مجموعة مؤسسات تؤدي وظائف مختلفة وتتقاطع في ما بينها. وهذه هي النقطة التي يجب عندها الفصل بين "الشبكة" وبين "التنظيم"؛ فوجود علاقة بين مؤسستين أو اشتراك أشخاص في أكثر من كيان لا يعني بالضرورة وجود علاقة عضوية مباشرة، لكنّ تكرار هذه التقاطعات عبر الأشخاص والمؤسسات والفعاليات يكشف عن بيئة مترابطة تستطيع الحركة من خلالها توسيع تأثيرها.

من تربية الداخل إلى مخاطبة الدولة

التوسع المؤسسي جعل UOIF أمام واقع جديد. التنظيم الذي بدأ في نانسي عام 1983 صار يمتلك، خلال عقد تقريبًا، مساجد وجمعيات ومؤسسات تعليمية وفعاليات جماهيرية واتصالات أوروبية، وأصبح بالتالي طرفًا يصعب على الدولة الفرنسية تجاهله عند بحث مسألة تمثيل المسلمين. وكانت قضية الفتيات المحجبات في مدرسة "كريل" عام 1989 إحدى أولى اللحظات التي ظهر فيها هذا الانتقال إلى المجال العام بصورة واضحة، حين تدخلت قيادة UOIF في القضية، ووجهت رسائل إلى المسؤولين الفرنسيين دفاعًا عن حق الطالبات في ارتداء الحجاب. بعدها ظهرت شخصيات من الاتحاد داخل مجلس التفكير في الإسلام في فرنسا (CORIF)، ضمن محاولة الدولة إقامة قنوات اتصال مع المؤسسات والشخصيات الإسلامية الموجودة على الأرض.

وفي عام 1990 تغير اسم الاتحاد من "اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا" إلى "اتحاد المنظمات الإسلامية من فرنسا"، وهو تعديل لغوي صغير يحمل دلالة كبيرة على تطور الخطاب؛ فالفكرة صارت تتجه نحو الحديث عن "إسلام فرنسا"، وليس مجرد وجود إسلامي داخل فرنسا. وهذه النقلة كانت ضرورية أمام جيل جديد من المسلمين الفرنسيين، لأنّ الحركة صارت مطالبة بتقديم نفسها بوصفها طرفًا قادرًا على الحديث عن قضايا المواطن المسلم، وليس فقط ممثلًا لجالية مهاجرة.

ثم دخلت UOIF تدريجيًا في المشاورات التي سبقت إنشاء المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية (CFCM)، إلى أن أصبحت عام 2003 جزءًا من بنيته. وهنا وصلت العملية إلى مرحلة مفصلية: المؤسسة التي بدأت كاتحاد صغير لجمعيات إسلامية أصبحت طرفًا تتعامل معه الدولة الفرنسية في ملف تنظيم وتمثيل الإسلام داخل الجمهورية. لكنّ هذا الاعتراف حمل معه مشكلة أخرى، لأنّ الدولة التي تبحث عن شركاء تحتاج في الوقت نفسه إلى معرفة المرجعيات الفكرية والتنظيمية التي تقف خلف هؤلاء الشركاء، خصوصًا مع تصاعد النقاش الأوروبي حول الإسلام السياسي والتطرف والاندماج.

في هذه المرحلة أيضًا ظهر جيل جديد من الشخصيات ذات التأثير الواسع في المجال الإسلامي الأوروبي، ومن بينهم طارق رمضان، إلى جانب شخصيات دينية وفكرية أخرى.

هنا تتوقف حكاية المدرسة لتبدأ حكاية أخرى. فالدولة الفرنسية التي احتاجت إلى هذه المؤسسات بوصفها قنوات للتعامل مع المسلمين، ستبدأ بعد عام 2003 في النظر بصورة مختلفة إلى الإسلام السياسي وشبكاته، خصوصًا مع تصاعد ملف التطرف والإرهاب وتغير السياسة الفرنسية تجاه التيارات الإسلامية. ومن هذه النقطة تبدأ مرحلة جديدة من الوجود الإسلاموي في فرنسا: كيف تحول الشريك الذي تبحث عنه الدولة إلى شبكة تخضع للفحص والمراجعة والرقابة؟




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية