فرنسا... من شريك للدولة إلى خطر تحت المراقبة (3 ـ 3)

فرنسا... من شريك للدولة إلى خطر تحت المراقبة (3 ـ 3)

فرنسا... من شريك للدولة إلى خطر تحت المراقبة (3 ـ 3)


27/10/2026

بدأت الحكاية الحقيقية للإخوان في فرنسا من اللحظة التي احتاجت فيها الدولة إلى معرفة من يمثل المسلمين أمامها، ومن يملك القدرة على تنظيم المساجد والجمعيات والشباب والمؤسسات الدينية. طوال عقود، تحركت الشبكات الإسلامية في مساحة معقدة بين الهجرة، والعمل الدعوي، والتنظيمات العابرة للحدود، والمؤسسات الفرنسية، وكان اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا (UOIF)، الذي تحول اسمه لاحقًا إلى "مُسلمي فرنسا" (Musulmans de France) ، واحدًا من أهم الأجسام التي استطاعت أن تنتقل من هامش المشهد الإسلامي إلى قلب عملية تمثيل المسلمين أمام الدولة. لكنّ المفارقة أنّ الطريق الذي منح هذه الشبكات مساحة للحضور المؤسسي هو نفسه الذي جعلها، مع مرور الوقت، أكثر وضوحًا أمام أجهزة الدولة الفرنسية. ومع بداية القرن الحادي والعشرين أخذت العلاقة تتغير تدريجيًا: من حوار تبحث فيه الجمهورية عن شريك قادر على تنظيم المجال الديني، إلى أسئلة عن النفوذ والتمويل والولاءات والشبكات، وصولًا إلى مرحلة أصبحت فيها الدولة الفرنسية نفسها تنتج تقارير رسمية عن الإخوان المسلمين والإسلام السياسي وتضع هذه الظاهرة ضمن قضايا الأمن والتماسك الوطني. وفي أيار (مايو) 2025  نشرت وزارة الداخلية الفرنسية تقريرًا رسميًا بعنوان "الإخوان المسلمون والإسلام السياسي في فرنسا"، بعد تكليف مجموعة من كبار الموظفين الحكوميين في نيسان (أبريل) 2024 بدراسة الظاهرة وتوثيق حضورها واستراتيجياتها.

حين دخل الإخوان من باب الدولة

بحلول بداية الألفية الجديدة، كانت البنية التي تشكلت في فرنسا منذ الثمانينيات قد قطعت مسافة واسعة عن التجمعات الصغيرة التي عرفتها البلاد في مرحلة سابقة. اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا صار يمتلك شبكة من الجمعيات والمساجد والأنشطة الشبابية والتعليمية، وصار ملتقى المسلمين في فرنسا (RAMF) في لو بورجيه واحدًا من أبرز المناسبات التي تجمع جمهورًا واسعًا من المسلمين والتيارات والشخصيات الإسلامية، بينما وفر المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية (IESH)  إطارًا أكثر انتظامًا لتكوين الدعاة والطلاب. وفي الوقت نفسه، كانت شبكة الاتحاد مرتبطة بمساحات أوروبية أوسع، خصوصًا اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا (FIOE) ، بما جعل التجربة الفرنسية جزءًا من حركة أوسع تتجاوز الحدود الوطنية.

لكنّ النفوذ الاجتماعي لا يتحول تلقائيًا إلى نفوذ سياسي، ولذلك جاءت اللحظة الحاسمة عندما بدأت الدولة الفرنسية تبحث عن صيغة لتنظيم تمثيل المسلمين. هنا ظهرت أهمية الاتحاد بصورة أكبر، إذ دخل في مسار الحوار الرسمي حول تنظيم الإسلام الفرنسي، وصولًا إلى المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية (CFCM) الذي تأسس في عهد وزير الداخلية آنذاك نيكولا ساركوزي.

هذه المرحلة تكشف واحدة من أهم آليات بناء النفوذ الإخواني في أوروبا: العمل داخل المؤسسات المتاحة بدل الصدام المباشر مع الدولة. المؤسسة تبدو جمعية دينية، أو اتحادًا للمساجد، أو هيئة تمثيلية، بينما تتراكم حولها شبكات من الأشخاص والعلاقات والمؤسسات والخبرات. وهذا بالضبط هو النوع من التوسع الذي يصعب اختزاله في سؤال بسيط من نوع: "هل هذه الجمعية إخوانية أم لا؟". فالعلاقة قد تكون تنظيمية في حالة، وفكرية في حالة ثانية، وشبكية في حالة ثالثة، وقد تكون مجرد تعاون مؤسسي في حالة رابعة.

من الشراكة إلى الشك

بعد سنوات قليلة بدأت الصورة تتغير. أحداث "الحادي عشر من سبتمبر"، ثم موجات الإرهاب التي ضربت أوروبا، ثم الجدل الفرنسي حول الحجاب والهوية والعلمانية، جعلت المجال الإسلامي كله تحت درجة أعلى من التدقيق، وفي هذا المناخ صار السؤال عن الإسلام السياسي مختلفًا عن سؤال تمثيل المسلمين.

الاتحاد نفسه حافظ في تلك الفترة على خطاب قانوني واضح في مواجهة الإرهاب، وأدان الهجمات الإرهابية، واستمر في المشاركة في مسارات الحوار مع الدولة، لكنّه واجه في الوقت ذاته انتقادات متزايدة بشأن علاقته التاريخية بالبيئة الإخوانية. وفي هذه المرحلة كان واضحًا أنّ القوة التي صنعت نفوذ الاتحاد أصبحت مصدرًا من مصادر الشك حوله؛ فوجود شبكة واسعة من المساجد والجمعيات، وقدرتها على الوصول إلى قطاعات اجتماعية مختلفة، لم يعد يُنظر إليه باعتباره مجرد نجاح في العمل الديني والاجتماعي، بل صار محل سؤال أمني وسياسي: من يدير هذه الشبكة؟ وكيف تتحرك الأموال؟ وما طبيعة العلاقة بين المؤسسات؟ وما الذي يربط المشهد الفرنسي بالشبكات الأوروبية؟

هنا أيضًا ظهر الفرق بين الإخوان المسلمين بوصفهم تنظيمًا محددًا وبين ما يمكن تسميته "المجال الإخواني". التقرير الحكومي الفرنسي الصادر في 2025 نفسه يتعامل مع شبكة واسعة ومتعددة المستويات، ويشير إلى أنّ الحضور الإخواني في فرنسا يرتبط بمؤسسات دينية وتعليمية واجتماعية، مع التأكيد على أنّ الشبكة ليست كتلة تنظيمية واحدة متماسكة. ويصف التقرير مسار "مُسلمي فرنسا" باعتباره محاولة مستمرة لإضفاء الطابع المؤسسي على التنظيم وتقديمه باعتباره مخاطبًا قادرًا على تمثيل المسلمين أمام السلطات، بينما يشير إلى تراجع قوة هذا التنظيم مقارنة بما كان عليه في مراحل سابقة. 

اسم جديد... وشبكة قديمة

في نيسان (أبريل) 2017 اتخذ اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا خطوة ذات دلالة رمزية وسياسية عندما غيّر اسمه إلى "مُسلمي فرنسا" (Musulmans de France). جاء تغيير الاسم بعد سنوات من الانتقادات التي ركزت على علاقته بالإخوان المسلمين، وأرفق الاتحاد ذلك بمحاولة لإعادة تقديم نفسه من خلال خطاب يؤكد المساواة بين الرجل والمرأة، واحترام الاختلاف، ورفض العنف، ثم شارك لاحقًا في توقيع ميثاق مبادئ الإسلام في فرنسا عام 2021. التقرير الحكومي الفرنسي لعام 2025 يسجل هذه الخطوة باعتبارها جزءًا من محاولة الابتعاد عن صورة الإخوان، مع استمرار وجود آثار الشبكة القديمة في عدد من المجالات.

من "الإسلام الفرنسي" إلى "الإسلام السياسي"

المسألة الفرنسية تجاوزت لاحقًا سؤال اتحاد المنظمات الإسلامية ومجلس تمثيل المسلمين. فمع وصول إيمانويل ماكرون إلى الرئاسة، ثم تصاعد النقاش حول ما سمّته الحكومة الفرنسية "الانفصالية الإسلامية"، أصبحت الدولة تنظر إلى بعض الظواهر الإسلامية من زاوية مختلفة: المدارس، والجمعيات، والمساجد، والتمويلات، والخطاب المحلي، وقدرة بعض الشبكات على إنتاج مجتمعات مغلقة أو التأثير في المجال العام.

وجاء قانون 24 آب (أغسطس) 2021 الخاص بتعزيز احترام مبادئ الجمهورية ليمنح الدولة أدوات أوسع لمواجهة ما اعتبرته مظاهر للانفصال عن القواعد الجمهورية. وفي السنوات التالية اتخذت السلطات إجراءات ضد مؤسسات وشخصيات مختلفة في سياقات مرتبطة بالتطرف أو الإسلام السياسي، بينها حلّ جمعيات وإغلاق أماكن عبادة وإجراءات بحق بعض الدعاة. وفي 2022 أُبعد الداعية حسن إيكويسن من فرنسا، وهو شخصية مرتبطة بالبيئة الإخوانية، واستمرت الدولة في فحص عدد من المؤسسات والجمعيات ذات الصلات المختلفة بالإسلام السياسي. وفي حزيران(يونيو) 2025 جاء تجميد أموال المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية ليضيف مثالًا مباشرًا على انتقال الإجراءات من مراقبة الخطاب إلى التعامل مع المؤسسات والأموال.  

هنا بدأت كلمة "الإسلام السياسي" نفسها تأخذ مكانًا أكثر مركزية في الخطاب الرسمي الفرنسي، وأصبح السؤال أكبر من UOIF أو "مسلمو فرنسا": هل تستطيع الجمهورية أن تسمح لجماعات دينية بالعمل بحرية كاملة، بينما تستخدم هذه الحرية لبناء نفوذ اجتماعي وسياسي طويل المدى؟ وكيف يمكن التمييز بين العمل الإسلامي المشروع وبين مشروع سياسي يستخدم المؤسسات الدينية والاجتماعية كوسيلة لتغيير المجال العام؟

الإجابة الفرنسية جاءت تدريجيًا عبر فكرة "الانفصالية"، ثم عبر التركيز على ما وصفته السلطات بـ "التغلغل" أو "التغلغل الهادئ" داخل مؤسسات المجتمع. 

التقرير الذي أعاد كتابة الملف

في 21 أيار (مايو) 2025 وصلت الرحلة الفرنسية إلى نقطة جديدة عندما نشرت وزارة الداخلية رسميًا تقرير "الإخوان المسلمون والإسلام السياسي في فرنسا"، بعد عمل بدأ بتكليف حكومي في نيسان (أبريل) 2024. الوزارة قالت إنّ الغرض من التقرير هو توثيق واقع الإسلام السياسي وشرح آليات عمله للرأي العام، وليس مجرد تقديم قراءة أكاديمية للتاريخ.

أهمية التقرير لا تأتي من كونه أوّل دراسة عن الإخوان في فرنسا، فالموضوع حاضر منذ عقود في الدراسات الأكاديمية والأمنية والإعلامية، وإنّما من الجهة التي أصدرته ومن موقعه داخل عملية صنع القرار الفرنسي. الدولة نفسها أصبحت تقول إنّ الظاهرة تستحق أن تُدرس على مستوى الشبكات، والمؤسسات، وآليات التأثير، وليس فقط عبر مراقبة أفراد منفردين.

والتقرير يرسم صورة أكثر تعقيدًا من فكرة التنظيم المركزي الصلب؛ فهو يتحدث عن شبكة تطورت تاريخيًا، وعن مؤسسات مرتبطة بدرجات مختلفة بالبيئة الإخوانية، وعن تراجع نسبي لقوة مسلمو فرنسا مقارنة بمراحل سابقة، مع استمرار حضور بعض الشبكات والمؤسسات. وهذه النتيجة بالذات مهمة؛ لأنّها تنقل البحث من السؤال القديم: "أين يوجد تنظيم الإخوان؟" إلى سؤال أكثر دقة: أين بقيت وظائف التنظيم بعد تراجع التنظيم نفسه؟

فالمدرسة التي بدأت في الثمانينيات لتكوين الدعاة تستطيع أن تواصل إنتاج المعرفة الدينية حتى مع تغير اسم المؤسسة، والملتقى الجماهيري يمكن أن يتوقف أو يتراجع بينما تبقى شبكة العلاقات التي صنعتها، والجمعية التي كانت بوابة إلى الدولة يمكن أن تغير اسمها وخطابها بينما يحتفظ تاريخها بقيمته في فهم تكوين الشبكة، والأشخاص الذين غادروا مؤسسة يمكن أن ينتقلوا إلى مؤسسة أخرى. هنا تصبح الشبكة أهم من الاسم، ويصبح تتبع الأشخاص والعلاقات أهم من البحث عن شعار الإخوان على واجهة مؤسسة.

ولهذا فإنّ فرنسا تقدّم واحدة من أهم التجارب الأوروبية في فهم تطور الإخوان: الجماعة دخلت أوّلًا من بوابة الطلاب والدعوة، ثم بنت المساجد والجمعيات، ثم أنشأت مؤسسات التعليم والتكوين، ثم صنعت لنفسها جمهورًا وفعاليات عامة، ثم دخلت في حوار مع الدولة، وبعد ذلك بدأت الدولة نفسها تفحص البنية التي ساعدتها في البداية على تنظيم المجال الإسلامي. وبحلول 2025 صار الإخوان في فرنسا موضوعًا لتقرير حكومي رسمي، بعدما كان وجودهم في عقود سابقة جزءًا من الإجابة التي تبحث عنها الدولة عن سؤال آخر: من يمثل المسلمين الفرنسيين؟

المفارقة أنّ الشبكة التي نجحت في أن تصبح طرفًا يمكن للدولة أن تتحدث معه، صارت لاحقًا شبكة تحتاج الدولة إلى أن تفهمها وتراقب امتداداتها. وبين اللحظتين  تغيرت فرنسا، وتغير الإسلام الفرنسي، وتغيرت أدوات الإخوان أنفسهم. لذلك فإنّ محطة فرنسا في القصة الأوروبية لا تنتهي عند التقرير الحكومي، وإنّما تصلح كنموذج لفهم مرحلة أوسع: حين يتحول التنظيم من مؤسسة لها عنوان واضح إلى شبكة تتوزع وظائفها بين التعليم والدعوة والعمل الاجتماعي والتمثيل الديني والعلاقات الأوروبية والاقتصاد، يصبح اكتشافه أصعب، لكنّ تتبع تاريخه يكشف كيف تشكلت البنية أصلًا.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية