المياه البيضاء تهدد عيون "أهل غزة"... مرضى يخشون فقدان البصر في ظل انهيار الخدمات الطبية

المياه البيضاء تهدد عيون "أهل غزة"... مرضى يخشون فقدان البصر في ظل انهيار الخدمات الطبية

المياه البيضاء تهدد عيون "أهل غزة"... مرضى يخشون فقدان البصر في ظل انهيار الخدمات الطبية


كاتب ومترجم فلسطيني‎
27/10/2026

بين ضبابية الرؤية وطول الانتظار يعيش مرضى المياه البيضاء في غزة معاناة يومية تتجاوز حدود المرض، لتطال قدرتهم على الحركة والعمل والاعتماد على أنفسهم، وفي وقت يمكن فيه علاج كثير من حالات المياه البيضاء جراحياً، يصبح تأمين المستلزمات الطبية واستعادة قدرة المستشفيات على إجراء العمليات ضرورة لحماية بصر المرضى وتقليل معاناتهم.

في غزة، حيث ما تزال آثار الحرب تثقل كاهل السكان، لم تعد معاناة المرضى تقتصر على الإصابات المباشرة والقصف ونقص الأدوية، بل امتدت إلى أمراض العيون، التي قد تتحول في ظل تأخر العلاج وصعوبة الوصول إلى الرعاية المتخصصة إلى تهديد حقيقي لحاسة البصر، وبين هؤلاء مرضى المياه البيضاء، الذين ينتظر بعضهم فرصة لإجراء عمليات جراحية قد تعيد إليهم وضوح الرؤية، بينما يخشى آخرون أن تطول معاناتهم، ويزداد تأثير المرض في حياتهم اليومية.

والمياه البيضاء أو "إعتام عدسة العين" هو مرض يؤدي إلى فقدان العدسة الطبيعية لشفافيتها، فتبدو الرؤية ضبابية أو معتمة، ويواجه المصاب صعوبة في القراءة وتمييز الوجوه والحركة والتنقل، خصوصاً في الإضاءة الضعيفة، ورغم أنّ المرض قابل للعلاج غالباً من خلال عملية جراحية تستبدل فيها العدسة المعتمة بعدسة صناعية، إلا أنّ الوصول إلى هذا العلاج في غزة بات مرتبطاً بتوافر الأطباء المتخصصين، والتجهيزات الطبية وغرف العمليات والعدسات الصناعية، فضلا عن قدرة المستشفيات على استقبال المرضى.

مرضى ينتظرون استعادة الرؤية

بالنسبة إلى المصابين بالمياه البيضاء، لا يتعلق الأمر بمجرد تشوش مؤقت في الرؤية، بل بتراجع تدريجي في القدرة على أداء أبسط تفاصيل الحياة، فالمريض الذي كان يعتمد على نفسه في التنقل وقراءة الكتب أو التعرف على أفراد أسرته، قد يجد نفسه مضطراً إلى الاستعانة بالآخرين، مع ازدياد صعوبة الرؤية وتراجع قدرته على الحركة بأمان، وفي غزة تزداد هذه المعاناة لدى كبار السن الذين يحتاجون إلى متابعة طبية منتظمة، وكذلك لدى المرضى الذين يعانون أمراضاً مزمنة، مثل السكري، الذي قد يترافق مع مشكلات أخرى في العين تستلزم التشخيص والعلاج.

تقول منظمة الصحة العالمية: إنّ جراحة المياه البيضاء من التدخلات الطبية الفعالة والاقتصادية التي يمكن أن تسهم في استعادة البصر وتحسين جودة الحياة، لكنّ نجاح العلاج لا يتوقف على إجراء العملية وحدها، بل يتطلب أيضاً التشخيص الصحيح، وتوافر التجهيزات والعدسات الصناعية، وإجراء الفحوص اللازمة قبل الجراحة.

وفي مجتمع يعاني أصلاً من ضغوط الحرب والنزوح، تتحول مشكلات الرؤية إلى عبء إضافي على المريض وأسرته، ممّا يجعل توفير العلاج والدعم النفسي والاجتماعي جزءاً مهماً من الاستجابة الصحية، في حين يتحدث مرضى عن صعوبة تأقلمهم مع الوضع الصحي الصعب الذي يعيشونه، في ظل غياب العلاج اللازم.

غياب العلاج 

تقول الحاجة أم سعيد 47 عاماً: "أعاني من تراكم المياه البيضاء في العين اليمنى واليسرى منذ عامين، حيث يؤثر ذلك على مجريات حياتي، فأجد صعوبة في قراءة القرآن والخروج من المنزل يكون بحذر شديد، خاصة في ظل تناثر أكوام الركام في الطرقات، والخوف من التعرض للإصابة".

وتضيف في حديثها لـ "حفريات" أنّها "طرقت كل الأبواب من أجل إجراء عملية جراحية تعيد لها التوازن البصري، لكنّ صعوبة توفر المواد والمعدات في ظل انهيار المنظومة الطبية، أدى إلى زيادة المعاناة وزيادة تراكم المياه في العين".  

وتوضح أنّه "في ظل تأخر العلاج وعدم وجود بوادر انفراجة قريبة للوضع، أن تفقد البصر بشكل كامل، وهذا بالطبع سيؤثر على نفسيتها، وستتوقف عن أداء مهام حياتها، خاصة قراءة القرآن وإعداد الطعام، لذلك تناشد كل أحرار العالم بضرورة الوقوف إلى جانب الشعب في غزة، الذي يعاني من حصار ظالم ومطبق".

أمّا السيد فريد درويش 50 عاماً، فهو "الآخر يعاني من تراكم المياه البيضاء في عينيه، ولا يجد حل لمشكلته إلا بتوفر المواد الأساسية الخاصة بسحب المياه، إلى جانب توفر كوادر طبية ذات كفاءة، بعد أن لجأ العديد من الأطباء إلى مغادرة غزة هرباً من القتل والجوع".

ويؤكد في حديثه لـ "حفريات" أنّ "ضعف بصره يزيد من  خطر السقوط وصعوبة التنقل، فضلاً عن العزلة الاجتماعية، خاصة عندما يصبح الخروج من المنزل أو التواصل مع الآخرين أكثر صعوبة، إلى جانب الذهاب إلى المسجد وقراءة القرآن". 

المياه البيضاء مرض قابل للعلاج

يقول طبيب العيون الدكتور حسام داود: "في ظل الأوضاع الصحية الصعبة في قطاع غزة تمثل استمرارية خدمات طب العيون تحدياً أمام المرضى الذين يحتاجون إلى تدخلات جراحية أو فحوص دقيقة، وتوفير هذه الخدمات يتطلب كوادر متخصصة وأجهزة تشخيص وتجهيزات جراحية ومستلزمات طبية، إلى جانب قدرة المستشفيات على إجراء العمليات ومتابعة المرضى".

وأوضح في حديثه لـ "حفريات" أنّ "جراحة المياه البيضاء تتطلب  تجهيزات دقيقة، ولا يمكن إجراؤها بأمان من دون توفر الأدوات والمستلزمات اللازمة، وتقييم الحالة قبل العملية، لذلك فإنّ توفير العدسات الصناعية والأجهزة الجراحية، وإصلاح المعدات المعطلة، ودعم الكوادر الطبية، يمثل جزءاً أساسياً من الاستجابة لاحتياجات المرضى".

وبيّن أنّ "المياه البيضاء لها علاج ، ولا يعني أنّ كل مريض بالمياه البيضاء سيفقد بصره حتماً، فالتدخل الجراحي يستطيع استعادة الرؤية لدى كثير من المرضى، لكنّ تأخر العلاج قد يطيل فترة ضعف البصر، ويزيد الأعباء اليومية والنفسية على المصاب وأسرته". 

وأضاف: "يواجه المرضى تحديات تتجاوز المرض نفسه، إذ يحتاجون إلى فحوص متخصصة لتحديد درجة إعتام العدسة، والتأكد من عدم وجود مشكلات أخرى في الشبكية أو العصب البصري، ثم تقييم إمكانية إجراء العملية الجراحية، وفي ظل محدودية الإمكانات المتاحة، قد تصبح رحلة العلاج طويلة وشاقة".

وبين الانتظار والأمل في استعادة البصر، لا يحتاج مرضى المياه البيضاء إلى الوعود بقدر حاجتهم إلى علاج متاح، وعمليات جراحية تعيد إليهم قدرتهم على الرؤية، وممارسة حياتهم باستقلالية، فكل تأخير في الوصول إلى الرعاية يطيل معاناة المريض ويزيد الأعباء على أسرته، في وقت تتراجع فيه الخيارات المتاحة أمام السكان.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية