اختبار الولاء في ميشيغان: عبدول السيد في مرمى الاتهامات ومناورات الإخوان

اختبار الولاء في ميشيغان: عبدول السيد في مرمى الاتهامات ومناورات الإخوان

اختبار الولاء في ميشيغان: عبدول السيد في مرمى الاتهامات ومناورات الإخوان


27/10/2026

لم تكن القاعة الهادئة في بلدة "كارو" الريفية بمقاطعة توسكولا في ولاية ميشيغان تتوقع أن تتحول إلى مسرح لواحدة من أعقد المعارك الفكرية والسياسية في سباق انتخابات مجلس الشيوخ الأمريكي لعام 2026. 

في ذلك اللقاء الجماهيري المفتوح وقف أحد الناخبين ليوجه سؤالاً مباشراً ومحاصِراً للمرشح الديمقراطي عبد الرحمن "عبدول" السيد: "هل تتبرأ من جماعة الإخوان المسلمين؟". كان السؤال كافياً لإعادة نبش ملف معقد يلاحق الطبيب الشاب والناشط البارز منذ سنوات، واضعاً العلاقة بين النخب الصاعدة في الغرب وشبكات الإسلام السياسي في قلب التجاذب الانتخابي الحامي بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري.

جاء رد عبدول السيد سريعاً وحاسماً بالقول: "بالتأكيد، وبكل وضوح، نعم". غير أنّ المرشح، الذي شغل سابقاً منصب مدير دائرة الصحة العامة في مدينة ديترويت وخاض من قبل انتخابات تمهيدية لمنصب الحاكم عام 2018، سارع إلى تحويل مسار الحوار نحو الهجوم المضاد. اعتبر السيد أنّ الزج باسم "الإخوان" في قاعة نقاش ريفية بميشيغان ليس سوى استدعاء متجدد لعقدة "الولاء المزدوج"، وهي التهمة القديمة التي كانت تلاحق المرشحين الكاثوليك مثل جون كينيدي في ستينيات القرن الماضي، واستُنسخت لاحقاً ضد باراك أوباما للتشكيك في أصوله ووطنيته.

فلسفة المصطلحات: لماذا اختارت "سي إن إن" كلمة "التبرؤ"؟

أفردت شبكة "سي إن إن" (CNN) تحليلاً مطولاً للواقعة ضمن زاويتها السياسية واللغوية "كلمة الأسبوع"، مفككة الفارق الجوهري بين مفهومين متمايزين في الخطاب السياسي الأمريكي: "الإدانة" و"التبرؤ"، وأوضحت الشبكة أنّ مطالبة مرشح سياسي بـ "إدانة" سلوك أو جماعة معينة تعني حثّه على إبداء موقف أخلاقي رافض لأعمال عنف أو إيديولوجيا متطرفة دون افتراض أيّ علاقة تجمع بينهما. أمّا مطالبته بـ "التبرؤ"، فتحمل في طياتها اللغوية والسياسية افتراضاً مسبقاً بوجود صلة قائمة أو ولاء غير معلن ينبغي على المرشح فك ارتباطه به ونفيه بصورة صريحة.

ويكشف التقرير أنّ إصرار خصوم السيد على استخدام تعبير "التبرؤ" ينطلق من رغبة واضحة في تثبيت الانطباع بوجود ارتباط غير مرئي يربطه بالتنظيم الدولي للإخوان المسلمين، ممّا يجبره على البقاء في موقع الدفاع. ورغم أنّ السيد أعلن تبرؤه الفوري، فإنّ الجدل الذي أعقب اللقاء أظهر أنّ القاموس الانتخابي الأمريكي بات يتعامل مع أسماء حركات الإسلام السياسي بوصفها أدوات فرز سياسي حاسمة قادرة على إحراج المرشحين وتفتيت كتلهم الانتخابية.

أرشيف العائلة وشبهات التحالفات القديمة

لم تكن اتهامات التقارب مع الإخوان المسلمين وليدة المصادفة، بل تستند إلى ركام من المعلومات والسجالات التي رافقت مسيرة عبدول السيد منذ انخراطه الأول في السياسة الحزبية. تعود القضية جزئياً إلى حملة انتخابات حاكم ولاية ميشيغان عام 2018، عندما اتهمه منافسه الجمهوري آنذاك، باتريك كولبيك، بالارتباط بالجماعة مستنداً إلى نشاط السيد السابق في "اتحاد الطلاب المسلمين" (MSA) إبّان دراسته الجامعية في جامعة ميشيغان، وهو اتحاد أسسته في ستينيات القرن الماضي عناصر طلابية ارتبطت تاريخياً وفكرياً بجماعة الإخوان.

وتغذت هذه الرواية كذلك بمنشورات سابقة على منصات التواصل الاجتماعي تعود إلى عام 2012 لأخته غير الشقيقة، إيمان عبد الهادي، التي أشارت فيها علانية إلى انخراط عائلي قديم في صفوف الإخوان بمصر خلال حقبة السبعينيات. ورغم تأكيدات عبدول السيد المستمرة بأنّه نشأ وتربى في ميشيغان داخل أسرة والده وزوجته بعد انفصال والديه في طفولته المبكرة، واصفاً الحديث عن أيّ رابط إيديولوجي بأنّه "محض خيال لا أساس له"، إلا أنّ المعسكر الجمهوري لم يتوقف عن توظيف هذه المعطيات. فقد استخدم منافسه الجمهوري مايك روجرز، رئيس لجنة الاستخبارات السابق في مجلس النواب، هذه الخلفية للتشكيك في مدى استقلالية قرار السيد ووضوح بوصلته الفكرية، وهو الطرح الذي وجد صدى متكرراً في خطابات الرئيس السابق دونالد ترامب وتجمعاته الانتخابية.

منظمات الضغط الإسلامية واستراتيجية "التسلل الناعم"

بمعزل عن الخلفية الأسرية، يرى باحثو شؤون الحركات الإسلامية أنّ القضية تتعدى إطار الأشخاص لتصل إلى بنية شبكات النفوذ الإسلامي في الداخل الأمريكي. فالسنوات الأخيرة شهدت تحالفاً عضوياً بين كبرى منظمات الضغط الإسلامية، وفي طليعتها مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (كير- CAIR) ومنظمة "إمغيج" (Emgage)، وبين الجناح التقدمي الراديكالي في الحزب الديمقراطي. هذه المنظمات، التي نشأت قياداتها وتياراتها المؤسسة تحت مظلة فكر الإخوان أو تفرعاته، استبدلت لغتها الدينية التقليدية بمفردات معاصرة تستعير مفاهيم اليسار الغربي حول "العدالة الاجتماعية" و"حقوق الأقليات" و"مناهضة الاستعمار".

ويُعدّ عبدول السيد النموذج المثالي لهذا التقاطع الإيديولوجي؛ فهو خريج أرقى الجامعات الأمريكية والبريطانية (أكسفورد، وكولومبيا) وحاصل على منحة "رودس" المرموقة، وتجمعه روابط وثيقة مع رموز اليسار الأمريكي مثل السناتور بيرني ساندرز والنائبة ألكساندريا أوكاسيو كورتيز، إضافة إلى ممثلة ميشيغان في الكونغرس رشيدة طليب. من هنا، ترى أوساط الإسلام السياسي في شخصيات كعبدول السيد واجهة مثالية قادرة على تمرير أجنداتها وتطبيع حضورها السياسي في المؤسسات الفيدرالية، عبر تقديمها داخل قالب ليبرالي وحقوقي يحصنها من الملاحقة الإيديولوجية المباشرة.

توظيف "الإسلاموفوبيا" كدرع ضد المساءلة الإيديولوجية

في مواجهة هذه الضغوط، دأب عبدول السيد وحلفاؤه في الأوساط التقدمية على اللجوء إلى التكتيك الأكثر فاعلية: تحويل أيّ سؤال حول التطرف أو الإخوان إلى ممارسة تمييزية تنبع من ظاهرة "الإسلاموفوبيا". وبحسب هذا المنطق، فإنّ مجرد مساءلة مرشح مسلم عن موقفه من تنظيم ديني سياسي يمثل معياراً مزدوجاً يستهدف عزله وتخويف الناخبين منه، وهو ما يفسر استدعاء السيد لقصة جون كينيدي وباراك أوباما بوصفهما ضحايا لاختبارات الولاء العقائدي.

لكنّ المتابعين النقديين لملفات الإسلام السياسي يرون أنّ هذا الربط ينطوي على مغالطة متعمدة؛ فالنقد الموجه للإخوان المسلمين لا يتعلق بالدين الإسلامي كعقيدة يمارسها ملايين الأمريكيين بحرية، بل يركز على تنظيم حركي يتبنّى مشروعاً شمولياً عابراً للأوطان يتعارض هيكلياً مع قيم الدولة المدنية الحديثة. وتكمن الإشكالية في أنّ توظيف شماعة "الإسلاموفوبيا" لإسكات أيّ نقاش حول نفوذ التيارات الإسلاموية يوفر غطاءً عملياً لتلك الشبكات للمناورة داخل أروقة الحزب الديمقراطي والمجالس التشريعية دون الخضوع للمساءلة الشفافة.

صراع ميشيغان: مآلات الحضور الإخواني في السياسة الأمريكية

تكتسب ولاية ميشيغان في هذه الدورة الانتخابية حساسية بالغة بالنظر إلى تركيبتها الديموغرافية الفريدة؛ فهي تضم أكبر تجمع للعرب والمسلمين في الولايات المتحدة، وفي الوقت ذاته تحتوي على كتل تصويتية يهودية ومسيحية محافظة قادرة على حسم مصير السباق المتقارب لمجلس الشيوخ. ويجد الحزب الديمقراطي نفسه عالقاً بين رغبته في استرضاء القواعد الشعبية والتمويلية لشبكات الضغط الإسلامية من جهة، ومخاوفه من تنفير الناخبين المعتدلين والمستقلين الذين تثيرهم شبهات التقارب مع الإسلام السياسي من جهة ثانية.

يكشف هذا السجال العاصف الذي رصدته شبكة CNN أنّ جماعة الإخوان المسلمين، كفكرة وشبكة نفوذ، قد تحولت إلى بند دائم في صلب المناظرات السياسية الأمريكية. وفي حين أظهر عبدول السيد قدرة تكتيكية على تجاوز فخ السؤال بـ "التبرؤ" اللفظي، فإنّ التحدي الأعمق سيبقى ماثلاً أمام النظام السياسي الأمريكي بأسره: كيف يمكن حماية الحقوق المدنية للمسلمين ومشاركتهم السياسية الكاملة كمواطنين، دون السماح لإيديولوجيا الإخوان المسلمين بالتواري خلف شعارات اليسار الحقوقي للتأثير على خيارات الديمقراطية الأمريكية من الداخل؟




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية