من نقص المخزون إلى ارتفاع الأسعار... أزمة الدواء تلاحق مرضى غزة

من نقص المخزون إلى ارتفاع الأسعار... أزمة الدواء تلاحق مرضى غزة

من نقص المخزون إلى ارتفاع الأسعار... أزمة الدواء تلاحق مرضى غزة


02/09/2026

في غزة، لا تنتهي رحلة المريض عندما يخرج من عيادة الطبيب حاملاً وصفته الطبية؛ ففي كثير من الأحيان تبدأ أصعب مراحلها عند باب الصيدلية، يحمل المريض أسماء الأدوية في ورقة صغيرة، وينتقل من صيدلية إلى أخرى، باحثًا عن علاج قد يكون غيابه أطول من قدرة جسده على الانتظار.

في شتاء 2024 عاش محمد أحمد هذه الرحلة في دير البلح، حين كان يبحث عن أدوية لوالده المصاب بالفشل الكلوي، تنقل بين الصيدليات، حتى وصل إلى الخامسة، لكنّ الوصفة التي ضمت ثلاثة أدوية لم تكتمل؛ وجد واحدًا منها فقط، وبقي الآخران خارج متناول يده، لم تكن المشكلة يومها في تشخيص المرض أو في وصف العلاج، وإنّما في المسافة التي اتسعت بين الوصفة ورفّ الصيدلية.

هذه المسافة أصبحت واحدة من أكثر صور الأزمة الصحية وضوحًا في غزة. فالدواء قد يكون مدرجًا في الوصفة، لكنّه غير موجود في المخزن، وقد يصل إلى المخزن من دون أن ينتظم توزيعه، وقد يظهر في صيدلية ثم يختفي قبل أن يصل إليه المريض، ومع استمرار الحرب وتضرر البنية الصحية وتعقّد حركة الإمدادات، تحولت أزمة كانت موجودة أصلًا إلى مشكلة تمسّ قدرة النظام الصحي على تقديم العلاج بصورة منتظمة.

أزمة لم تبدأ مع الحرب

لم يدخل القطاع الصحي الحرب من وضع طبيعي، فقبل 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 كانت غزة تعاني أصلًا نقصًا مزمنًا في الأدوية والمستلزمات الطبية، نتيجة سنوات من القيود على الحركة والإمدادات وضعف الموارد، وتظهر مراجعات منظمة الصحة العالمية أنّ النظام الصحي في غزة كان يعمل أصلًا تحت ضغط نقص الأدوية والمستلزمات والكوادر، بينما كان توفر الأدوية الأساسية أقلّ استقرارًا من الضفة الغربية.

لكنّ الحرب نقلت المشكلة إلى مستوى آخر، ارتفع الطلب على المضادات الحيوية والمسكنات وأدوية التخدير والمحاليل والمستلزمات الجراحية، في وقت تعرضت فيه المستشفيات والمخازن والمرافق الصحية لأضرار واسعة، واضطربت طرق النقل والتوزيع.

في حزيران/يونيو 2024 قالت منظمة أطباء بلا حدود إنّ مرافقها في غزة تواجه نقصًا حادًا في الأدوية والمعدات الطبية، مشيرة إلى أنّ فرقها لم تتمكن من إدخال إمدادات طبية إلى القطاع منذ نهاية نيسان/أبريل من ذلك العام. وبعد شهر حذرت المنظمة من أنّ نقص المستلزمات في مستشفى ناصر كان يهدد قدرة الطواقم على تقديم الرعاية الحيوية للمرضى.

وهكذا لم يعد النقص مسألة تتعلق بعبوة دواء مفقودة، بل أصبح جزءًا من سلسلة متشابكة: مستشفى يحتاج إلى دواء، ومختبر يحتاج إلى مادة تشغيل، ومريض يحتاج إلى علاج مزمن، وصيدلية تنتظر إعادة التوريد.

حين لا يستطيع المريض الانتظار

أشد المتضررين هم أولئك الذين لا يستطيعون تأجيل علاجهم، مريض السكري يحتاج إلى الإنسولين بصورة منتظمة، ومريض القلب يعتمد على أدوية لا يمكن ببساطة التوقف عنها، أمّا مريض الفشل الكلوي، فمرتبط بجلسات غسيل متكررة لا يمكن تأجيلها إلى أجل غير محدد.

في تموز/يوليو 2026 قالت OCHA إنّ نقص الإنسولين، وأدوية القلب، ومستلزمات غسيل الكلى، إلى جانب أدوات التشخيص والمراقبة، ما زال يعرقل علاج الأمراض غير السارية في غزة، وفي تقرير آخر خلال الشهر نفسه أشارت المنظمة إلى استمرار النقص في نظائر الإنسولين لمرضى السكري من النوع الأول، وأدوية القلب، وأجهزة قياس السكر، وشرائط الفحص، وأجهزة قياس الضغط.

وفي حزيران/يونيو ذكرت OCHA أنّ نقص الإنسولين وحقن الإنسولين ومستلزمات غسيل الكلى يؤثر في نحو 700 مريض يحتاجون إلى جلسات غسيل ثلاث مرات أسبوعيًا.

الأرقام هنا لا تعكس وحدها حجم القلق الذي يعيشه المريض، فـ 700 مريض لا تعني رقمًا في تقرير أممي فحسب؛ إنّهم مئات الأشخاص الذين يحتاجون إلى استمرار سلسلة علاجية دقيقة، في بيئة صحية تعمل أصلًا بقدرات محدودة.

وفي الوقت نفسه أظهرت تقارير OCHA أنّ المشكلة لا تقتصر على الأدوية المتخصصة، ففي حزيران/يونيو 2026 كان نحو 20% من أدوية الأونروا، بما فيها مضادات حيوية للبالغين وأقراص "الباراسيتامول" وبعض أدوية علاج الطفيليات، خارج المخزون، بينما كانت أكثر من 95% من مستلزمات المختبرات والمواد الاستهلاكية التابعة لها تعاني نفادًا، بما يهدد باستمرار الخدمات المخبرية إذا لم تصل إمدادات جديدة.

السرطان... حين لا يكفي وجود الطبيب

بالنسبة إلى مريض السرطان، لا يكفي أن يجد الطبيب أو المستشفى، فالعلاج يحتاج إلى منظومة كاملة تبدأ بالتشخيص والفحوصات، وتمر بالأدوية والأجهزة والكوادر المتخصصة، وتنتهي بمتابعة منتظمة. وإذا تعطلت حلقة واحدة، يصبح العلاج أكثر صعوبة، حتى لو كان المريض نفسه حاضرًا أمام الطبيب.

كانت هذه المشكلة موجودة قبل الحرب، فقد حذّرت منظمة الصحة العالمية قبل اندلاع الحرب من وجود نقص في أدوية السرطان والرعاية التلطيفية للأطفال المصابين بالسرطان في غزة، ومن صعوبات الوصول إلى خدمات متخصصة مثل العلاج الإشعاعي.

ثم جاءت الحرب لتضرب أجزاء واسعة من المنظومة. في أيار/مايو 2025 قالت منظمة الصحة العالمية إنّ المستشفى الأوروبي في غزة كان خارج الخدمة، ممّا أدى إلى فقدان خدمات حيوية، بينها رعاية القلب وعلاج السرطان، في وقت كانت فيه المستشفيات الأخرى تعمل تحت ضغط هائل.

وبحلول نهاية نيسان/أبريل 2025 أفادت منظمة الصحة العالمية بأنّ 43% من الأدوية الأساسية كانت عند مستوى مخزون صفري، مع فجوات كبيرة في أدوية العلاج الكيميائي وأمراض الدم، وصلت إلى 62%، إلى جانب نقص واسع في المستلزمات الطبية.

وفي أيلول/سبتمبر من العام نفسه أشارت WHO إلى أنّ أكثر من نصف الأدوية الأساسية كانت عند مستوى المخزون الصفري وفق بيانات وزارة الصحة، في مؤشر على أنّ المشكلة لم تعد مرتبطة بتذبذب مؤقت في صنف أو صنفين، بل باتت تضرب قدرة النظام الصحي على الحفاظ على مخزون أساسي.

عندما يصل الدواء... ولا يستطيع المريض شراءه

لكنّ توفر الدواء لا يعني بالضرورة أنّ المريض حصل عليه، مع ندرة بعض الأصناف واضطراب سلاسل التوريد وتدهور القدرة الشرائية للأسر، أصبحت تكلفة العلاج عائقًا إضافيًا أمام الوصول إليه.

في شهادة ميدانية من غزة عام 2024 قال محمد "32 عامًا" وهو صيدلي: إنّ شريط "الباراسيتامول" الذي كان يُباع قبل الحرب بنحو شيكل واحد وصل إلى عشرة شواكل، وارتفعت أسعار أدوية الأطفال وبعض المسكنات عدة أضعاف.

ولا يمكن اعتبار هذه الأسعار متوسطًا للسوق كله، لأنّ أسعار الأدوية في غزة تتغير وفق الصنف والكمية ومصدر التوريد ومكان البيع، لكنّها تكشف جانبًا آخر من الأزمة: الدواء قد يصبح موجودًا، لكن بسعر لا تستطيع الأسرة تحمله.

وهذا ما يجعل رحلة المريض أكثر تعقيدًا، حيث لم يعد السؤال فقط: هل الدواء موجود؟ بل أصبح: أين يوجد؟ وكم ثمنه؟ وهل أستطيع شراءه اليوم؟ وهل سأجده مرة أخرى عندما تنتهي هذه العبوة؟

وتصبح هذه الأسئلة أكثر قسوة بالنسبة إلى الأسر التي فقدت مصادر دخلها، أو نزحت أكثر من مرة، أو تنفق جزءًا كبيرًا من مواردها المحدودة على الغذاء والمياه والمواصلات.

من أين يأتي النقص؟

خلف الصيدلية التي لا تجد فيها الدواء، توجد سلسلة طويلة تبدأ قبل وصول العبوة إلى غزة. الإمدادات الطبية تحتاج إلى الدخول عبر المعابر، ثم التخليص والتنسيق والنقل والتخزين والتوزيع، وكل تأخير في إحدى هذه المراحل يمكن أن ينعكس على المستشفى أو الصيدلية أو المريض.

وتؤكد التقارير الإنسانية أنّ المشكلة ليست في دخول شحنة واحدة أو عدم دخولها، وإنّما في انتظام التدفق. ففي تموز/يوليو 2026 قالت OCHA إنّ منظمة الصحة العالمية واصلت تسهيل إدخال مستلزمات غسيل الكلى وشحنة جديدة من حقن "الإنسولين" وغيرها من الإمدادات، لكنّ أصنافًا أساسية ظلت تعاني نقصًا حادًا.

وفي الوقت نفسه، تقول السلطات الإسرائيلية إنّها تسمح بدخول مساعدات طبية وتعمل على تنسيق إدخال الإمدادات. ولذلك فإنّ تقييم الأزمة يحتاج إلى النظر ليس فقط في عدد الشحنات التي دخلت، بل في انتظام الإمداد، ونوع المواد التي وصلت، وقدرة النظام الصحي على توزيعها، ومدى كفايتها أمام حجم الاحتياجات.

وهنا تكمن إحدى أكثر نقاط الأزمة تعقيدًا: دخول الإمدادات لا يساوي تلقائيًا استقرار المخزون. قد تصل شحنة كبيرة وتخفف الضغط لأسابيع، ثم ينفد صنف أساسي قبل وصول الشحنة التالية. وقد يتوفر الدواء في مستودع ولا يصل بالسرعة نفسها إلى كل المناطق. وقد يكون العلاج موجودًا في غزة، لكنّ المستشفى الذي يقدمه خارج الخدمة أو غير قادر على تشغيل الخدمة التي يحتاجها المريض.

الأزمة أكبر من رفّ الصيدلية

توضح أحدث التقارير أنّ أزمة الدواء لم تعد محصورة في المستودعات أو الصيدليات. في تموز/يوليو 2026 قالت OCHA إنّ نحو 350 ألف شخص يعانون من أمراض مزمنة في غزة يواجهون اضطرابًا شديدًا في الخدمات الأساسية، مع استمرار نقص الأدوية وأدوات التشخيص والمعدات المتخصصة التي يحتاجها مرضى ارتفاع ضغط الدم والسكري وأمراض الكلى والسرطان وأمراض القلب.

وفي المقابل، تواصل منظمة الصحة العالمية إدخال وتوزيع الإمدادات الطبية. ففي أيار/مايو 2026 قالت WHO إنّ أكثر من 30 مرفقًا صحيًا ومنظمة شريكة في غزة تلقت إمدادات طبية منقذة للحياة للمساعدة في استمرار الخدمات الأساسية.

لكنّ استمرار وصول المساعدات لا يلغي حجم الفجوة لنظام الصحي لا يحتاج إلى شحنة واحدة تنقذه، وإنّما إلى سلسلة إمداد مستقرة. والمريض المصاب بمرض مزمن لا يحتاج إلى دوائه مرة واحدة، وإنّما يحتاج إليه غدًا وبعد غدٍ وبعد أسبوع.

من المخزن إلى يد المريض

في نهاية المطاف، تختصر رحلة الدواء الأزمة كلها، هناك مريض يفتح خزانة علاجه فيجدها فارغة. وهناك أسرة تحسب ثمن الدواء مقابل ثمن الطعام. وهناك صيدلي يحاول العثور على صنف في منطقة أخرى. وهناك طبيب يكتب وصفة وهو يعرف أنّ توفرها ليس مضمونًا.

هذه ليست أزمة صنف دوائي واحد، بل هو خلل في سلسلة تبدأ من التوريد، وتمرّ بالمخازن والمرافق الصحية والصيدليات، وتنتهي عند المريض.

وقد تعود بعض الأدوية إلى الرفوف، ثم تختفي من جديد. وقد تدخل شحنة فتخفف النقص مؤقتًا، لكنّ ذلك لا يعني أنّ النظام الصحي استعاد قدرته الطبيعية على العمل. ولهذا، فإنّ المريض في غزة لا يبحث عن الدواء مرة واحدة، يبحث عنه اليوم، ثم غدًا، ثم في الأسبوع التالي، وفي كل مرة يعيد الرحلة نفسها: وصفة في يده، وصيدلية أمامه، وسؤال لا يملك إجابته مسبقًا: هل الدواء موجود؟

في غزة، لم يعد العثور على العلاج خطوة تسبق الشفاء؛ أصبح جزءًا من رحلة العلاج نفسها.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية