لماذا يخاف العراقي من عدم تسليم السلاح؟

لماذا يخاف العراقي من عدم تسليم السلاح؟

لماذا يخاف العراقي من عدم تسليم السلاح؟


19/08/2026

علي لفته سعيد

لم يعد ملفّ السلاح خارج سلطة الدولة في العراق قضيةً سياسيةً مجرّدة تُناقش داخل الغرف المغلقة أو في بيانات الكتل والأحزاب، بل أصبح قضيةً تمسّ حياة المواطن وأمنه ومستقبل الدولة. ولهذا فإن اقتراب الموعد الذي حدّدته الحكومة العراقية لإنهاء هذا الملف، وهو30  أيلول/سبتمبر 2026، جعل العراقي ينظر إلى هذا التاريخ بقلق، لا لأنه يخشى من تسليم السلاح، وإنما لأنه يخشى من عدم تسليمه وما يمكن أن يترتّب على ذلك.

والسؤال هنا ليس: لماذا تريد الدولة حصر السلاح بيدها؟ فهذا من أبسط حقوقها ووظائفها، بل: ماذا سيحدث إذا لم تستطع فرض هذا القرار؟ فالعراقي الذي عاش عقودًا من الحروب والانقلابات والحصار والاحتلال والإرهاب والصراعات الطائفية والسياسية، يعرف أن وجود أكثر من قوّة مسلّحة خارج القرار الرسمي لا يعني تعدّد مصادر القوّة فحسب، بل قد يعني تعدّد القرارات والولاءات. وعندما تتعدّد البنادق القادرة على استخدام هذه القوّة من دون خضوع كامل للقرار العسكري، تصبح الدولة أمام اختبار حقيقي لوجودها وهيبتها وسيادتها.

إن حكومة رئيس الوزراء علي فالح الزيدي تضع موضوعة حصر السلاح ضمن أولوياتها، مؤكّدة المضي في هذا المسار، واتخاذ إجراءات لتشكيل لجان لتنفيذ خطوات فكّ الارتباط بالحشد وحصر السلاح وفق القانون والدستور. لكن المشكلة العراقية ليست في إصدار القرار، وإنما في القدرة على تنفيذه. فملف الفصائل المسلّحة ليس جديدًا، إذ تعاقبت الحكومات وهي تضع حصر السلاح بيد الدولة ضمن برامجها، لكنه ظلّ من الملفات المؤجّلة بسبب توازنات سياسية وأمنية وإقليمية جعلت معالجته أكثر تعقيدًا.

لقد نشأت الفصائل المسلّحة العراقية في ظروف مختلفة، بعضها ظهر لمواجهة الاحتلال الأميركي، وبعضها ارتبط بمواجهة تنظيم “داعش”، وبعضها حمل أبعادًا عقائدية وسياسية تتجاوز الحدود العراقية. وبعد التحوّلات الأمنية والسياسية، أصبح السؤال: هل انتهت الظروف التي برّرت وجود السلاح خارج المؤسّسة العسكرية والأمنية، أم أن بعض الفصائل ترى أنها ما زالت قائمة؟

من هنا يأتي خوف المواطن، الذي لا يخشى السلاح بوصفه قطعة حديد، وإنما يخشى القرار الذي يقف خلف السلاح. فإذا كان السلاح بيد الدولة، فإن المواطن يعرف الجهة التي تتحمل مسؤوليتها القانونية والسياسية. أما إذا أصبح هناك سلاح خارج الدولة، فإن السؤال يصبح: من يقرّر استخدامه؟ ومن يتحمّل مسؤولية إطلاقه؟ ومن يمنع تحوّله من وسيلة دفاع إلى وسيلة ضغط سياسي؟

وقد أظهرت الأشهر الماضية أن بعض الفصائل أبدت مرونة في هذا الملف، فيما بدأت فصائل أخرى خطوات باتجاه تسليم السلاح أو فك الارتباط، بينما ظهرت مواقف أكثر تشددًا من جهات أخرى. وهنا تكمن العقدة الحقيقية. فإذا نجحت الدولة في إقناع جميع الأطراف بأن الانتقال من السلاح إلى العمل السياسي لا يعني إلغاء وجودها السياسي، فإن حصر السلاح يمكن أن يتحوّل إلى خطوة تاريخية في بناء الدولة. أما إذا شعر طرف مسلّح بأن تسليم سلاحه يعني نهايته السياسية أو تعرّضه للخطر، فإن مقاومة القرار تصبح أكثر احتمالًا.

لهذا يزداد القلق أيضًا ممّا تنقله التقارير الصحفية عن زيارات ولقاءات تتّصل بملف السلاح، وعن ضغوط أو رسائل إقليمية بهذا الشأن. ومثل هذه الأخبار تزيد شعور المواطن بأن الملف لا يُدار داخليًا فقط، وأن مصالح إقليمية يمكن أن تؤثر في نتائجه. ومجرّد وجود هذا النوع من التقارير يكشف حجم التعقيد، فالسلاح الذي يفترض أن يكون قرار استخدامه عراقيًا يمكن أن يصبح جزءًا من حسابات إقليمية أوسع.

وهنا يصل الخوف العراقي إلى ذروته. فالعراقي لا يريد أن يرى مواجهة بين القوات الأمنية وفصيل مسلّح، لأن مثل هذه المواجهة يمكن أن تتحوّل إلى صراع داخل المدن والأحياء، حيث يصبح المواطن أوّل من يدفع الثمن. والعراقي الذي خبر الحرب يعرف أن الحرب الأهلية تدخل إلى البيت والشارع والسوق والجامعة ومكان العمل، وتحوّل الخلاف السياسي إلى انقسام اجتماعي، وتضع الدولة أمام أخطر اختبار يمكن أن تواجهه.

ولهذا فإن الخوف الحقيقي ليس من يوم 30 أيلولأيلول/سبتمبر نفسه، وإنما مما يمكن أن يحدث في اليوم التالي إذا لم يكن هناك اتفاق واضح على قوّة الدولة ومرجعية القرار فيها. إن نجاح الحكومة في حصر السلاح لن يكون انتصارًا لحزب أو تيار أو حكومة، بل سيكون انتصارًا لفكرة الدولة العراقية نفسها. وفي المقابل، فإن فشلها لن يعني ببساطة بقاء بعض البنادق خارج المؤسّسات، وإنما قد يعني بقاء العراق أسيرًا لمعادلة سياسية تقوم على توازن السلاح بدل توازن المؤسسات.

لهذا فإن الحاجة إلى معالجات كي لا يزداد خوف المواطن، منها: أولًا، عدم تخويف الفصائل ولا المواطن، بل الوصول إلى لحظة يصبح فيها تسليم السلاح قرارًا سياسيًا وطنيًا، لا هزيمة لفريق أمام فريق، وأن تكون قوة الدولة قاعدة عامة تحمي الجميع. ثانيًا، انتقال الدولة من دولة تخشى قوّة الفصائل، إلى دولة تستطيع استيعاب أبنائها داخل مؤسّساتها، ومن فصائل تخشى المستقبل من دون سلاح، إلى قوى سياسية تؤمن بأن شرعيّتها الحقيقية تأتي من المجتمع والانتخابات والقانون. ثالثًا، الوصول إلى فهم جماعي بأن السلاح يمكن أن يحمي جماعة في لحظة، لكنه لا يستطيع أن يبني دولة. رابعًا، ترسيخ مفهوم أن الدولة التي لا تحتكر قرار الحرب والسلم، تظلّ دولة ناقصة السيادة مهما كانت مؤسّساتها قائمة وأعلامها مرفوعة. خامسًا، أن يكون الحوار الداخلي هو الطريق إلى معالجة الملف، من دون إغفال حقيقة أن العراق جزء من منطقة تتداخل فيها المصالح الإقليمية والدولية، وأن أيّ تصعيد يمكن أن يجعل الساحة العراقية جزءًا من صراعات أكبر من حدودها.

وبدون هذه المعالجات فإن خشية المواطن من عدم تسليم السلاح تظل قائمة بسبب: أولًا، لأنه لا يخاف من فقدان بندقية، بل يخاف من عودة العراق إلى زمن تكون فيه البندقية هي التي تحدّد السياسة والولاءات ومصير المواطن. ثانيًا، لأن الخوف ليس من انتهاء الموعد نفسه، بل مما بعده، فالمواطن يريد أن يكون اليوم التالي للموعد أكثر استقرارًا من اليوم الذي سبقه. ثالثًا، لأن الخشية أن يتحوّل العراق إلى ساحة للصراعات الإقليمية والدولية، وأن يدفع ثمن صراعات لا يملك قرارها، فضلًا عن احتمال تعميق الانقسام الداخلي وتهديد وحدة العراق وزيادة مشكلاته الاقتصادية والاجتماعية. رابعًا، لأن الخشية أن تؤدي المواجهات إلى ظهور جماعات مسلّحة جديدة تستغل الفوضى أو تتشكل لمواجهة جماعات أخرى بحجة الدفاع عن النفس، وهو ما يعني إعادة إنتاج المشكلة بدل حلها. خامسًا، لأن الخوف العراقي، في النهاية، ليس خوفًا من السلاح وحده، وإنما من الفراغ الذي يمكن أن يتركه غياب الدولة عن احتكار القوّة، ومن الفوضى التي يمكن أن تنشأ عندما تصبح البنادق أكثر حضورًا من المؤسسات.

لقد تعب العراقي من الحروب، وتعب من أن يكون بلده ساحةً لتصفية الحسابات. وهو اليوم لا يريد أكثر من دولةٍ تحميه، وقانونٍ يسري على الجميع، ومؤسّساتٍ تمتلك وحدها قرار الحرب والسلم. وإذا كان 30 أيلول/ سبتمبر هو الموعد المحدّد لإنهاء ملفّ السلاح غير المنضبط، فإن الاختبار الحقيقي لن يكون في ذلك اليوم وحده، وإنما في قدرة الدولة على جعل اليوم التالي يومًا عراقيًا هادئًا، لا بداية لمواجهة جديدة.

العرب




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية