حزب "وعد" ذراع إخوان سوريا الذي لم يفِ بأيّ وعود... قصة حزب إخواني وُلد ميتاً

حزب "وعد" ذراع إخوان سوريا الذي لم يفِ بأيّ وعود... قصة حزب إخواني وُلد ميتاً

حزب "وعد" ذراع إخوان سوريا الذي لم يفِ بأيّ وعود... قصة حزب إخواني وُلد ميتاً


04/08/2026

في أعقاب اندلاع الثورة السورية عام 2011 والتحولات المتسارعة التي شهدتها البلاد، قررت جماعة الإخوان المسلمين السورية فرض نفسها على الواقع السياسي الجديد، وإعادة نفسها إلى المشهد السياسي المحتدم عبر البحث عن أدوات سياسية جديدة تتجاوز بها أطر العمل التنظيمي المغلق الذي مارسته لعقود في المنفى.

من هنا نشأت فكرة إطلاق مشروع حزبي تابع للجماعة، لمنافسة التيارات المختلفة التي بدأت في الظهور على الساحة السورية. ومن ثمّ استلهم الإخوان تجارب إقليمية صاعدة في ذلك الوقت، كحزب العدالة والتنمية التركي وحركة النهضة التونسية وحزب الحرية والعدالة المصري، فأُعلن الإخوان رسمياً في حزيران (يونيو) 2013 عن تأسيس "الحزب الوطني للعدالة والدستور"، والمعروف اختصاراً بحزب "وعد"، خلال مؤتمر حاشد عُقد في مدينة إسطنبول التركية، ليتلوه افتتاح أول مقر ميداني للحزب داخل الأراضي السورية في بلدة "كلي" بمحافظة إدلب. وتولى الدكتور محمد حكمت وليد رئاسة الحزب في مرحلته التأسيسية، حيث ركزت وثائق الحزب على التزامه بمبادئ الدولة المدنية، والتعددية السياسية، ومزاعم التداول السلمي للسلطة، مع الحفاظ على المرجعية الإسلامية، واضعاً في مقدمة أهدافه الإسهام في إسقاط نظام بشار الأسد وبناء سوريا جديدة.

خدعة الإطار الوطني العريض

حرصت جماعة الإخوان المسلمين في البداية على تقديم الحزب كإطار وطني عريض، مستقطبة في صفوفه شخصيات مستقلة، وناشطين مدنيين، وممثلين عن المكونات العرقية والدينية المختلفة، إضافة إلى شخصيات محسوبة على التيارين الليبرالي والقومي. غير أنّ هذا التنوع التأسيسي ظل مجرد واجهة ظاهرة، إذ بقيت المفاتيح الأساسية للإدارة والتمويل وصنع القرار الحقيقي محصورة في يد كوادر الجماعة، وهو ما دفع العديد من هؤلاء إلى إدراك حقيقة أنّ الحزب مجرد غطاء مدني يُدار من المطبخ السياسي المغلق للتنظيم الأم.

وجاءت نقطة التحول المفصلية التي عصفت بالحزب في أواخر عام 2014، حين انتُخب رئيسه الدكتور محمد حكمت وليد مراقباً عاماً لجماعة الإخوان المسلمين في سوريا. كشف هذا التطور بصورة لا تدع مجالاً للشبهة عن حجم التداخل البنيوي بين الجماعة والحزب، وأسقط عملياً ادعاءات استقلالية "وعد" عن الجماعة، ممّا أدى إلى اهتزاز ثقة القوى الوطنية والأعضاء المستقلين بالحزب، بعدما بات واضحاً أنّ بوصلته السياسية تخضع كلياً لقرارات قيادة الإخوان.

ترتب على هذا التداخل أزمة تنظيمية حادة تمثلت في موجة استقالات جماعية شهدها الحزب عام 2015، قادها عدد من المفكرين والسياسيين المستقلين وغير الإسلاميين، وفي مقدمتهم الكاتب والناشط السياسي حسن النيفي، احتجاجاً على استمرار وصاية جماعة الإخوان على القرار الحزبي. وأسفرت تلك الاستقالات عن تشكّل كيان سياسي جديد عُرف بـ "حزب النداء الوطني الديمقراطي"، بينما خسر حزب "وعد" تنوعه الفكري، وتحول تدريجياً إلى حزب يغلب عليه الحضور الإخواني الصافي.

ولم تقتصر مصاعب الحزب على الانقسامات الداخلية، بل امتدت لتشمل تحديات ميدانية وإقليمية معقدة. فمع تمدد "جبهة النصرة" ولاحقاً "هيئة تحرير الشام" وفرض سيطرتها على محافظة إدلب، تضاءلت المساحة المتاحة للعمل السياسي المدني المستقل، وتعرضت مقرات الحزب لضغوط وملاحقات أدت إلى توقف نشاطه الميداني هناك تماماً. 

بالتوازي مع ذلك، أدى إدراج جماعة الإخوان المسلمين في قوائم الإرهاب في عدد من الدول الإقليمية، وخاصة في مصر والسعودية، إلى تجفيف مصادر الدعم المالي، ممّا ألقى بظلاله الثقيلة على الإمكانات التنظيمية واللوجستية للحزب.

وعانى الحزب من عزلة جغرافية وسياسية ناتجة عن إدارة شؤونه من الخارج، حيث استقرت قياداته الرئيسية في الأراضي التركية بعيداً عن الواقع الميداني السوري المعقد، ممّا أوجد فجوة كبيرة بين أطروحاته النظرية والشارع السوري المتأثر بظروف الحرب والأزمات المعيشية، وحال دون بناء قاعدة شعبية حقيقية تتفاعل مع تطورات المشهد الداخلي.

محاولات يائسة لإحياء الحزب

جرت عدة محاولات إخوانية لتنشيط الحزب، ورغم محاولات الإنعاش السياسي التي جرت عام 2019 بانتخاب محمد زهير الخطيب رئيساً للحزب، وافتتاح مقر جديد عام 2020 في بلدة أخترين بريف حلب الشمالي الواقعة ضمن مناطق سيطرة "الجيش الوطني السوري" الموالي لتركيا، إلا أنّ هذه التحركات لم تنجح في إعادة الانبعاث للحزب. وانحصر نشاطه خلال السنوات الأخيرة في إصدار البيانات السياسية في المناسبات المختلفة، وتنظيم ندوات محدودة الحضور دون تأثير ملموس.

واليوم، يقف حزب "وعد" على هامش المعارضة السورية، متجرداً من وزنه السياسي وحضوره الميداني في الشمال السوري، بعد أن فقد مقومات مشروعه الأول بسبب التبعية التنظيمية للإخوان المسلمين التي أدت إلى إجهاض صورته كحزب مدني مستقل، ليتحول من محاولة طموحة لإعادة صياغة حضور التيار الإسلامي في الحياة السياسية، إلى تجربة سورية أخرى لم تتجاوز أطرها التنظيمية الضيقة.

هذا، وكشف المسار العملي للحزب عن هيكل سياسي هش تحول إلى ما يشبه الأداة الوظيفية المرتبطة ببوصلة السياسة الخارجية التركية، حيث عجز الحزب عن بناء إرادة سياسية مستقلة أو قاعدة شعبية متماسكة داخل الأراضي السورية، مظهراً اعتماداً كليّاً على مظلة الدعم والاحتضان الإقليمي في أنقرة. وتجسدت طبيعة هذه العلاقة منذ لحظة التأسيس الأولى، عندما اختار الحزب مدينة إسطنبول التركية مقراً لإشهار مشروعه وإطلاق مؤتمره التأسيسي، متخذاً من نموذج حزب العدالة والتنمية التركي مرجعية سياسية يتطلع للتماهي معها.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية