
ليس هناك ما يشبه الحياة الطبيعية في المناطق المحاذية لما يسميه السكان "الخط الأصفر"، وهنا، لا يقاس الخوف بعدد الغارات أو ساعات القصف فقط، بل بالأمتار الفاصلة بين المنزل والموت، فبضعة أمتار قد تحدد إن كانت العائلة ستبقى ليلة أخرى داخل بيتها، أو ستنضم إلى قوافل النزوح التي لا تعرف وجهتها.
وعلى امتداد المناطق الشرقية والشمالية من قطاع غزة يعيش آلاف الفلسطينيين في حالة انتظار دائمة، انتظار قذيفة، أو إنذار، أو أمر إخلاء جديد.
والخط الأصفر مصطلح يشير إلى المنطقة التي تراجعت إليها القوات الإسرائيلية بموجب اتفاق وقف إطلاق النار الموقَّع في تشرين الأول/أكتوبر 2025.
ورغم الاتفاق يُحظر على الفلسطينيين دخول المناطق السكنية والزراعية الواقعة خلف هذا الخط، ويواجه كل من يقترب منه خطر الاستهداف المباشر من الجيش الإسرائيلي.
ويمتدّ الخط الأصفر على طول قطاع غزة بعمق يتراوح بين كيلومترين و7 كيلومترات، ويبتلع نحو 58% من مساحة القطاع عبر تصنيفها مناطق قتال خطرة خاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي.
وتعيش مئات العائلات القريبة من الخط الأصفر، في بلدة بني سهيلا شرقي خان يونس والشجاعية والتفاح والزيتون شرقي مدينة غزة، أوضاعاً أمنية صعبة بسبب القصف ونسف المباني المستمر.
حياة على حافة الخطر
في حي الزيتون شرق مدينة غزة يعيش الفلسطيني صبحي ياسين (47 عاماً)، منذ أشهر طويلة، متشبثاً بمنزله شبه المدمر على مقربة من الخط الأصفر، رغم قسوة الظروف ومخاطر الحياة اليومية، رافضاً مغادرة ما تبقى من ذكرياته وجذوره التي ارتبطت بهذا المكان.
يقول ياسين، بينما كان يحاول شحن هاتفه من مقبس كهربائي يتقاسمه عشرات النازحين: "كنا ندرك أنّ منزلنا يقع على مقربة من منطقة شديدة الخطورة، لكننا لم نتخيل يوماً أن يتحول الوقوف عند النافذة إلى مخاطرة قاتلة، وأن تصبح لحظة عابرة كفيلة بأن تضع الإنسان وجهاً لوجه أمام الموت."
ويشير ياسين إلى التحول التدريجي الذي فرضته الحرب على حياتهم قائلاً: "في البدايات كانت أصوات الانفجارات تتردد من مسافات بعيدة، ثم أخذت تقترب يوماً بعد آخر، حتى غدت جزءاً من تفاصيل حياتنا اليومية، وصوتاً مألوفاً يرافق ساعات النهار والليل.".
ويوضح ياسين: "لم يكن الخوف على نفسي هو الأصعب، بل على أهلي وأبنائي، وكنت أستيقظ كل ليلة لأطمئن على والدتي وأطفالي، فلم يعد النوم راحة بل أصبح ترقباً دائماً، وكنا ننام بملابسنا الكاملة استعداداً لأيّ لحظة نزوح مفاجئة."
وقبل الحرب كان ياسين يعمل في متجر لبيع الهواتف المحمولة، وكان يحلم بتوسيع مشروعه وافتتاح محل خاص به، اليوم أصبحت كل تلك الأحلام مؤجلة إلى أجل غير معلوم.
حياة مُعلقة
ويتذكر ياسين اليوم الأكثر رعباً في حياته قائلاً: "استيقظنا على أصوات إطلاق نار وانفجارات على مقربة منا، وخلال دقائق امتلأت الشوارع بالناس يفرون في حالة من الذعر، ورأيت امرأة تركض حاملة طفليها وهي تبكي، ورجلاً مسناً يدفع زوجته على كرسي متحرك وسط الفوضى، حينها أدركت أنّ المنطقة لم تعد صالحة للحياة."
ويتابع: "أُجبرنا حينها على النزوح على عجل، ولم نتمكن من حمل سوى بعض الأوراق الثبوتية، فعندما يصبح الموت على هذا القدر من القرب، تتلاشى قيمة كل شيء، وتتغير أولويات الإنسان بالكامل."
ويضيف ياسين: "حين غادرنا المنزل لم يكن لدينا مكان نلجأ إليه، فقضيت وعائلتي يومين كاملين في الشارع، وبعدها قررت العودة رغم المخاطر، ومنذ ذلك الحين أتمسك بالبقاء في منزلي وأرفض مغادرته مهما اشتدت الظروف."
وبسؤاله عن أكثر ما تغير في حياته، لا يتحدث عن الدمار أو فقدان الممتلكات، بل عن الصمت، ويشرح: "الحي الذي كنت أعيش فيه كان مليئاً بالسكان، الآن لا يوجد سوى عدد قليل، فالصمت هنا مخيف أكثر من الانفجارات، حتى القطط والطيور اختفت، وهناك شوارع كاملة تبدو كأنّ الزمن توقف فيها فجأة."
ولم يكن الخطر مقتصراً على القصف فقط، بل امتد إلى أبسط تفاصيل الحياة، ويؤكد ياسين: "الحصول على الطعام والمياه صعب للغاية، وأتذكر أنني قطعت ((3 كيلومترات سيراً على الأقدام لأحصل على بعض الطعام، وعندما عدت وجدت عائلتي تعتقد أنّ مكروهاً أصابني لأنني تأخرت كثيراً."
ويقول ياسين: "أصبح لدينا شعور دائم بأنّ كل شيء مؤقت، المكان مؤقت، والطعام مؤقت، والنوم مؤقت، وحتى الأحلام مؤقتة."
بين الخوف والنجاة
في حي التفاح شرق مدينة غزة تستعيد سميرة رضوان (41 عاماً)، وهي وأم لخمسة أبناء، تفاصيل عيشها قرب الخطر الاصفر، كانت تتحدث بهدوء، لكنّ عينيها كانتا ترويان قصة مختلفة، قصة امرأة أنهكتها الحرب، لكنّها ما زالت تحاول التماسك من أجل أطفالها.
تقول: "كنت أعتقد أنّ أصعب شيء يمكن أن يواجه الإنسان هو فقدان بيته، لكنني اكتشفت أنّ الأصعب هو أن يعيش داخل بيته وهو لا يعرف إن كان سيخرج منه حياً".
وتضيف: "نعيش على بعد دقائق من المنطقة التي أصبحت لاحقاً ضمن مناطق الخطر، فأصوات الانفجارات والرصاص باتت جزءاً من حياتنا اليومية، ولم يعد الأطفال يسألون، ماذا حدث؟ بل أصبحوا يسألون: أين حدث؟".
وتستعيد تفاصيل الأيام الأولى التي تغيرت فيها حياة الأسرة، قائلة: "في البداية حاولنا التكيف، أغلقنا النوافذ، ونقلنا فرش النوم إلى الغرف الداخلية، وخزّنا بعض الطعام والمياه، وكنا نقنع أنفسنا بأنّ الأمر مؤقت، لكنّ الأيام تحولت إلى أسابيع، والأسابيع تحولت إلى شهور."
وتتوقف قليلاً ثم تتابع: "كنت أراقب أولادي طوال الوقت، ولم أعد أخاف على نفسي، وكل خوفي كان عليهم، كأنّ فقدانهم يعني انهيار ما تبقى لي من معنى وصبر وحياة."
حياة على حافة الخطر
وتواصل: "لا نستطيع التحرك بحرّية خلال ساعات النهار، ولا نتمكن من الجلوس في ساحة المنزل، إذ باتت الحركة مقيدة ومراقبة تحت وطأة الخوف والقلق، وقبيل مغيب الشمس نلزم بيوتنا، فلا يغادرها أحد تحت أيّ ظرف كان."
وتكمل: "لا يمر يوم دون أن يتخلل هذا الواقع الأعيرة النارية التي تخترق جدران ما تبقى من منزلنا، وتزيد من ثقل المشهد ورعبه المستمر. والكثير من جيراننا اليوم لا أعرف مصيرهم، فقد تفرقوا بسبب النزوح إلى مناطق أخرى، فالحرب لا تكتفي بتدمير المباني، بل تمتد يدها إلى ما هو أعمق، فتقوض العلاقات، وتمحو الذكريات، وتبدد التفاصيل الصغيرة التي كانت تمنح المكان روحه ومعناه."
وتوضح أنّ "الحياة قرب مناطق الخطر لم تكن مرتبطة فقط بالخوف الأمني، بل بمعركة يومية من أجل البقاء، فأبسط الأمور تتحول إلى تحديات كبيرة، الحصول على الخبز، وشحن الهاتف، وإيجاد دواء، أو حتى مكان للنوم."
وتتابع: "عندما يعيش الإنسان تحت ضغط مستمر، يبدأ بالتفكير بطريقة مختلفة، ويصبح الماء أهم من المال، والبطانية أهم من أيّ شيء آخر."
وتختتم حديثها قائلة: "أكبر أحلامنا اليوم لم تعد بيتاً جديداً أو مالاً أو سفراً، وأكبر أحلامنا أن يمر يوم كامل دون خوف.".
آثار نفسية
ترى الإخصائية النفسية في مركز العودة الصحي أماني محمود أنّ "العيش في بيئة يتكرر فيها التهديد المباشر للحياة يضع الإنسان في حالة يقظة دائمة، حيث يبقى الجهاز العصبي في وضع استعداد مستمر للخطر، وهذا يؤدي إلى ارتفاع مستويات القلق، واضطرابات النوم، وصعوبة التركيز، والشعور بانعدام الأمان حتى في اللحظات الهادئة."
وتضيف: "الأطفال غالباً يظهرون أعراضاً مثل التبول اللّاإرادي، ونوبات خوف مفاجئة، والتعلق الزائد بالوالدين، والانسحاب الاجتماعي، أو العدوانية، وقد يعانون من كوابيس متكررة واستجابة مبالغ فيها للأصوات العالية."
وتوضح: "الأهل يعيشون ضغطاً نفسياً مضاعفاً بين حماية الأسرة والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار، وهذا قد يؤدي إلى إرهاق نفسي شديد، وشعور بالعجز، واكتئاب، وقلق مزمن مرتبط بالمستقبل، إضافة إلى شعور دائم بالذنب تجاه الأطفال."
وتشير إلى أنّه في كثير من الحالات قد تتطور الأعراض إلى اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، الذي قد يستمر لفترات طويلة حتى بعد انتهاء الخطر المباشر، وتشمل هذه الآثار ذكريات اقتحامية، وحساسية مفرطة للأصوات، وتجنب أماكن أو مواقف تُذكّر بالحدث."
وتؤكد أنّ "الدعم النفسي يحتاج إلى تدخلات متعددة المستويات: دعم نفسي أولي، وتوفير بيئة آمنة قدر الإمكان، وجلسات تفريغ نفسي، ودعم للأطفال عبر اللعب والرسم، إضافة إلى تقوية الروابط الاجتماعية داخل المجتمع لتقليل الشعور بالعزلة."










![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Capture_187.png.webp?itok=cUgosDEz)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/images_7_0_0.jpg.webp?itok=Dz8R7P8M)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_2_0.jpg.webp?itok=Mf-zyZxn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%A8%D9%8A%D8%A8%D8%A9_2_0_1_4_0_0_2_1_0.jpg.webp?itok=JUavmW24)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/88888_1_0.jpg.webp?itok=z8gvC3RS)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/aadbeb50-0699-4359-8d4e-8951106bf7e5.jpg.webp?itok=wnuQsws2)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8%20_2.jpg.webp?itok=AnV0Unc7)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%867_2_0_0.jpg.webp?itok=KAB_cJlS)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)