
أعادت هيئة حماية الدستور الألمانية (الاستخبارات الداخلية) في ولاية ساكسونيا السفلى فتح ملف جماعة الإخوان المسلمين بقوة، بعدما حذرت في تقريرها السنوي الأخير من تصاعد خطر ما تصفه ألمانيا بـ "الإسلام السياسي القانوني" أو "الإسلاموية القانونية"، مؤكدة أنّ التهديد لا يتمثل في العنف المباشر بقدر ما يتمثل في مشروع طويل الأمد يهدف إلى إعادة تشكيل المجتمع والمؤسسات من الداخل عبر شبكات منظمة تتخفى خلف العمل الدعوي والاجتماعي والتعليمي. وأبرز ما أثار الانتباه في التقرير الإشارة إلى رصد نشاط مرتبط بعناصر من حركة النهضة التونسية المقيمة داخل الولاية، في خطوة نادرة تعكس اتساع دائرة المراقبة لتشمل امتدادات الإخوان العابرة للحدود.
ويأتي هذا التحذير في سياق متزايد من القلق داخل الأجهزة الأمنية الألمانية تجاه التنظيمات المرتبطة بفكر الإخوان المسلمين، التي تُصنفها السلطات ضمن التيار "الإسلاموي القانوني" الذي يعمل داخل الأطر الديمقراطية ظاهرياً، لكنّه يسعى في المدى البعيد إلى بناء مجتمع موازٍ قائم على مرجعيات إيديولوجية تتعارض مع المبادئ الدستورية الألمانية.
استراتيجية التغلغل البطيء والسيطرة من القاعدة لا من القمة
ترى أجهزة الأمن الألمانية أنّ جماعة الإخوان لا تعتمد على المواجهة المباشرة مع الدولة، وإنّما على استراتيجية طويلة النفس تقوم على التغلغل التدريجي داخل المجتمع. ويقوم هذا النهج على بناء نفوذ ثقافي ودعوي واجتماعي يسمح للتنظيم بإنتاج أجيال متعاقبة تحمل رؤيته الفكرية وتعمل على نشرها داخل المؤسسات المختلفة.
وتستند هذه المقاربة إلى أفكار منظري الجماعة الذين دعوا إلى "أسلمة المجتمع من القاعدة"، بحيث يبدأ التأثير من الأسرة والمدرسة والمسجد والجمعيات الأهلية قبل الوصول إلى مواقع النفوذ السياسي. ومن وجهة نظر الأجهزة الأمنية الألمانية، فإنّ خطورة هذا النموذج تكمن في قدرته على التكيف مع البيئة الأوروبية وتجنب الصدام المباشر مع الدولة مع الحفاظ على الأهداف الإيديولوجية بعيدة المدى.
وتؤكد تقارير حماية الدستور أنّ الإخوان لا يقدمون أنفسهم عادة كحركة ثورية أو راديكالية، بل كفاعلين اجتماعيين معتدلين يدافعون عن الاندماج والحوار الديني والتعايش، وهو ما يمنحهم فرصاً أكبر للوصول إلى دوائر صنع القرار والهيئات الحكومية والبلديات ومؤسسات المجتمع المدني.
من أخطر ما كشفته التقارير الأمنية الألمانية أنّ ممثلي الإخوان نجحوا خلال سنوات طويلة في تقديم أنفسهم كشركاء موثوقين للدولة في ملفات تتعلق بالاندماج والتربية الدينية وتمثيل الجاليات المسلمة. وتعتبر الأجهزة الأمنية أنّ هذا التكتيك مكّن الجماعة من اكتساب شرعية مؤسسية واستغلال الثقة الرسمية لتعزيز حضورها داخل المجال العام.
وترى السلطات الألمانية أنّ الإشكالية لا تكمن في المشاركة المدنية بحد ذاتها، وإنّما في استخدام هذه المشاركة لبناء نفوذ إيديولوجي طويل الأمد. فالتنظيم، بحسب التقارير الأمنية، يحاول التأثير في المؤسسات السياسية والاجتماعية والتربوية وتوجيهها تدريجياً بما يخدم رؤيته الخاصة للمجتمع والدولة.
ولهذا السبب تكرر أجهزة حماية الدستور تحذير المسؤولين المحليين والهيئات الحكومية من التعامل السطحي مع المنظمات المرتبطة بالإخوان، مؤكدة أنّ الخطاب المعتدل المعلن لا يعكس دائماً الأهداف الحقيقية التي تتحرك في الخلفية.
شبكة المساجد والجمعيات... البنية التحتية للمشروع الإخواني
تعتبر السلطات الألمانية أنّ "الجالية المسلمة الألمانية" (DMG)، التي كانت تُعرف سابقاً باسم "الجماعة الإسلامية في ألمانيا"، تمثل المركز التنظيمي الأهم للفكر الإخواني داخل البلاد. وتشير تقارير حماية الدستور إلى أنّ المنظمة تسعى إلى الظهور كممثل معتدل للمسلمين في ألمانيا، بينما ترتبط قياداتها وشبكاتها بعلاقات ممتدة مع البنية الدولية لجماعة الإخوان المسلمين.
وتوضح التقارير أنّ نشاط التنظيم لا يقتصر على مؤسسة واحدة، بل يمتد عبر شبكة من المراكز الثقافية والجمعيات والمساجد التي تقدم دروساً دينية وبرامج تعليمية وأنشطة اجتماعية وشبابية. وترى الأجهزة الأمنية أنّ هذه المؤسسات تؤدي دوراً محورياً في نشر الرؤية الفكرية للتنظيم وبناء قواعد اجتماعية موالية له داخل الجاليات المسلمة.
ويُحذر خبراء الأمن من أنّ هذه الشبكات تمنح التنظيم قدرة على العمل بصورة هادئة ومستمرة، بما يسمح له بالحفاظ على حضوره حتى في ظل الضغوط السياسية أو الأمنية التي قد يتعرض لها.
حركة النهضة التونسية على رادار الاستخبارات الألمانية
أحد أكثر الجوانب لفتاً للانتباه في التقرير الأخير هو الإشارة إلى نشاط مرتبط بأعضاء من حركة النهضة التونسية داخل ولاية ساكسونيا السفلى. وتكتسب هذه الإشارة أهمية خاصة لأنّ حركة النهضة تُعدّ أحد أبرز الفروع السياسية للفكر الإخواني في العالم العربي، كما أنّ ذكرها بالاسم داخل تقرير أمني ألماني يعكس اتساع نطاق المراقبة ليشمل الامتدادات الدولية للتنظيم.
وتشير هذه المتابعة إلى أنّ السلطات الألمانية لم تعد تنظر إلى الإخوان باعتبارهم ظاهرة محلية مرتبطة بمساجد أو جمعيات داخل ألمانيا فقط، بل باعتبارهم شبكة عابرة للحدود تمتلك امتدادات سياسية وتنظيمية وفكرية تتجاوز الدولة الواحدة وتعمل وفق أجندة دولية متشابكة.
وحذّر التقرير أيضاً من ظاهرة متنامية تتمثل في تزايد التعاون والتقاطع بين تيارات متطرفة كانت تبدو منفصلة تاريخياً. وترى الأجهزة الأمنية أنّ الخطوط الفاصلة بين بعض مكونات الإسلام السياسي والتيارات المتشددة الأخرى أصبحت أقلّ وضوحاً ممّا كانت عليه في السابق.
وتخشى السلطات الألمانية أن تؤدي هذه التقاطعات إلى تعزيز قدرات الحركات المتطرفة على التجنيد والتعبئة ونشر الخطاب الراديكالي، خصوصاً في البيئات الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي التي أصبحت ساحة رئيسية للصراع الإيديولوجي والتأثير الفكري.
الإخوان خطر استراتيجي
لا تنطلق المخاوف الألمانية من اتهام الجماعة بالتخطيط لأعمال عنف مباشرة، بل من قناعة أمنية بأنّ مشروعها يقوم على تغيير البنية القيمية والسياسية للمجتمع تدريجياً من داخل المؤسسات الديمقراطية نفسها. ولذلك تصنفها أجهزة حماية الدستور ضمن أخطر أشكال "الإسلاموية القانونية" التي تستفيد من الحريات الديمقراطية لتحقيق أهداف تتعارض مع النظام الدستوري الديمقراطي.
وفي هذا السياق جاء تحذير وزير داخلية ولاية براندنبورغ يان ريدمان عندما قال إنّ جماعة الإخوان "تستغل الحريات التي يوفرها نظامنا القانوني بهدف إلغاء هذه الحريات ذاتها"، في تلخيص للمخاوف الألمانية من استراتيجية تقوم على استخدام أدوات الديمقراطية للوصول إلى نتائج مناقضة لأسسها.
يكشف التحذير الصادر عن استخبارات ولاية ساكسونيا السفلى أنّ ألمانيا باتت تنظر إلى جماعة الإخوان المسلمين باعتبارها تحدياً أمنياً وفكرياً طويل الأمد، لا بسبب قدرتها على تنفيذ أعمال عنف، وإنّما بسبب قدرتها على بناء شبكات نفوذ اجتماعي وثقافي ومؤسسي تعمل بهدوء داخل المجتمع. وتؤكد التقارير الأمنية أنّ الخطر يكمن في استراتيجية التغلغل التدريجي التي تسمح للتنظيم بتوسيع حضوره عبر الأجيال، مستفيداً من الجمعيات والمساجد والمنظمات المدنية وخطاب الشراكة مع الدولة. ومن هنا ترى المؤسسات الأمنية الألمانية أنّ مواجهة هذا النوع من التنظيمات تتطلب يقظة مستمرة، لأنّ معركتها الأساسية ليست على الشارع فقط، بل على الهوية والمؤسسات والشرعية داخل المجتمع الأوروبي نفسه.












![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%A8%D9%8A%D8%A8%D8%A9_2_0_1_4_0_0_2_1_0.jpg.webp?itok=JUavmW24)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_2_0.jpg.webp?itok=Mf-zyZxn)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Capture_187.png.webp?itok=cUgosDEz)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/88888_1_0.jpg.webp?itok=z8gvC3RS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/images_7_0_0.jpg.webp?itok=Dz8R7P8M)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/aadbeb50-0699-4359-8d4e-8951106bf7e5.jpg.webp?itok=wnuQsws2)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8%20_2.jpg.webp?itok=AnV0Unc7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)