التمرد المالي للإخوان يدفع الاقتصاد اليمني نحو الهاوية

التمرد المالي للإخوان يدفع الاقتصاد اليمني نحو الهاوية

التمرد المالي للإخوان يدفع الاقتصاد اليمني نحو الهاوية


23/04/2026

 

عقد رئيس مجلس القيادة الرئاسي في اليمن، الدكتور رشاد العليمي، اجتماعاً رفيع المستوى ضم قيادات الحكومة والمحافظات الإيرادية، في إطار خطوة عاجلة تهدف إلى احتواء ما وُصف بأزمة مالية متفاقمة، ومحاولة إنهاء حالة "التمرد المالي" التي تمارسها بعض السلطات المحلية، وعلى رأسها سلطات تابعة لحزب (الإصلاح) "ذراع الإخوان المسلمين في اليمن".

وجاء هذا التحرك عقب تقرير نشرته وكالة (رويترز) كشف عن وصول البلاد إلى أسوأ أزمة سيولة نقدية منذ عقد، وفق تصريحات لمسؤولين في البنك المركزي بعدن. وأشار التقرير إلى امتناع بعض المحافظات، ومنها مأرب وتعز وحضرموت والمهرة، عن توريد الإيرادات السيادية إلى الحساب العام للدولة، وهو ما أسهم في تعميق العجز الحكومي عن دفع المرتبات وتغطية احتياجات أساسية، من بينها وقود الكهرباء.

وشهد الاجتماع، الذي حضره سلطان العرادة بصفته محافظ مأرب، مناقشة الإجراءات المتعلقة بضبط الإيرادات العامة. وصدرت توجيهات ركزت على إنهاء ازدواجية الحسابات المالية، وإغلاق الحسابات الموازية التي تُدار خارج رقابة البنك المركزي، مع إلزام الجهات المحلية بتوريد الإيرادات إلى الخزينة العامة، ورفع تقارير دورية حول المحافظات الممتنعة عن التوريد لاتخاذ إجراءات قانونية بحقها. وشملت التوجيهات التشديد على منع أيّ تدخلات محلية في صلاحيات شركة النفط، وضمان توريد عائداتها لدعم الخدمات الأساسية.

محاولات إنقاذ المنظومة المالية

وتشير هذه الإجراءات إلى محاولة إعادة ضبط المنظومة المالية للدولة وتوحيد الموارد تحت سلطة البنك المركزي، في ظل استمرار التباين بين المركز وبعض السلطات المحلية في إدارة الإيرادات.

حدة اللغة المستخدمة في الاجتماع تعكس حجم الضغط الذي يواجهه مجلس القيادة الرئاسي، بعد تصاعد الجدل حول ملف الإيرادات والصلاحيات، وبلوغه مستوى التداول الإعلامي الدولي. وتضع هذه التطورات المجلس أمام تحدٍ مباشر لإثبات قدرته على فرض سيطرته على الموارد المالية الموزعة بين مراكز القوى المحلية، خصوصاً في المحافظات ذات النفوذ القوي، وسط اتهامات متبادلة بشأن إدارة الإيرادات خارج الإطار الرسمي للدولة واستخدامها في تمويلات محلية لا تخضع للموازنة العامة.

وتشهد المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية في جنوب وشرق البلاد أزمة سيولة نقدية حادة، انعكست بشكل مباشر على الحياة اليومية للمواطنين والتجار، في ظل شح متزايد في النقد داخل الجهاز المصرفي واضطراب واضح في الدورة المالية. ووفقاً لما نقلته وكالة (رويترز) عن مسؤولين في البنك المركزي اليمني بعدن، فإنّ البلاد تواجه أسوأ أزمة سيولة منذ اندلاع الحرب عام 2015، وهو ما يعكس عمق التدهور في النظام المالي وانعكاساته على قدرة الدولة في إدارة التزاماتها الأساسية، وعلى رأسها دفع الرواتب وتوفير الخدمات العامة.

وترتبط هذه الأزمة بعدة عوامل مهمة؛ أبرزها تراجع الإيرادات العامة للدولة، خصوصاً الإيرادات السيادية التي يفترض توريدها إلى البنك المركزي، مقابل بقاء جزء كبير منها خارج النظام المالي الرسمي. وأسهمت حالة الانقسام الإداري والمالي بين المركز وبعض المحافظات في تعقيد المشهد، حيث أشارت تقارير إلى أنّ محافظات استراتيجية مثل مأرب وتعز وحضرموت والمهرة لم تلتزم بشكل كامل بتوريد إيراداتها إلى الحساب العام للدولة، وهذا ما أدى إلى تقليص الموارد المتاحة للحكومة المركزية وإضعاف قدرتها على تغطية نفقاتها التشغيلية.

أزمة السوق الموازية

إلى جانب ذلك، فإنّ جزءاً كبيراً من النقد المتداول في السوق خرج فعلياً من الجهاز المصرفي، إذ يتم تخزينه أو تداوله عبر قنوات غير رسمية مثل شركات الصرافة والتجار، وهو ما أدى إلى تفاقم شح السيولة داخل البنوك. هذا الوضع خلق فجوة واضحة بين الكتلة النقدية المتداولة فعلياً وبين السيولة المتاحة للنظام المالي الرسمي، الأمر الذي انعكس في تعثر عمليات الدفع والتحويل، وارتفاع الضغوط على القطاع المصرفي الذي يعمل في بيئة شديدة الهشاشة منذ سنوات.

وقد انعكست هذه الأزمة بشكل مباشر على الوضع المعيشي، حيث تواجه الحكومة صعوبة متزايدة في دفع رواتب موظفي القطاع العام بشكل منتظم، إضافة إلى تراجع قدرتها على تمويل الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والوقود. وقد أدت أزمة السيولة إلى اضطراب في الأسواق المحلية، وزيادة الضغوط على المواطنين الذين يعانون بالفعل من تدني الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة، في ظل اقتصاد منهك يعتمد بدرجة كبيرة على الإنفاق الحكومي كمصدر رئيسي للدخل والتشغيل.

وتعكس أزمة السيولة النقدية في اليمن أزمة أعمق تتعلق ببنية الإدارة المالية وتعدد مراكز القرار الاقتصادي وتراجع فعالية المؤسسات الرسمية في ضبط الإيرادات وتوحيدها. ووفق التحذيرات الواردة عن مسؤولين في البنك المركزي كما نقلتها (رويترز)، فإنّ استمرار الوضع الحالي دون إجراءات إصلاحية عاجلة قد يدفع نحو مزيد من التدهور الاقتصادي، ويزيد من احتمالات الانكماش المالي، وهو ما يجعل استعادة الانضباط المالي وتوحيد الدورة النقدية شرطاً أساسياً لتفادي مزيد من التدهور في الاستقرار الاقتصادي العام.

دور الإخوان في الأزمة

وجود الإخوان في محافظات مثل مأرب وتعز وحضرموت أدى إلى نشوء حالة من تعدد مراكز القرار المالي، حيث لا تخضع الإيرادات المحلية التي يسيطر عليها الإخوان لمنظومة وزارة المالية والبنك المركزي في عدن. وهذا الوضع أسهم في إضعاف قدرة الحكومة المركزية على تجميع الموارد وتوحيد السياسة المالية،  وانعكس في نهاية المطاف على أزمة السيولة وصعوبة دفع المرتبات وتمويل الخدمات.

هذا الوضع الشائك يرتبط بطبيعة التحالفات السياسية والعسكرية داخل معسكر الحكومة بكل تناقضاته، حيث تتداخل الاعتبارات الحزبية والمناطقية في إدارة الموارد، وهو ما يجعل السياسة المالية عرضة للتجاذبات. 

وكانت تقارير دولية موثقة قد اتهمت حزب التجمع اليمني للإصلاح، "الذراع السياسية للإخوان"، بالسيطرة على الموارد العامة وممارسة الفساد المالي، خاصة في المناطق التي تخضع لنفوذهم العسكري والإداري. وتتركز أبرز الاتهامات في محافظة مأرب التي تُعدّ مركز ثقل نفوذ الحزب ومنطقة إنتاج رئيسية للنفط والغاز. وتشير بعض التقارير إلى وجود انتقادات تتعلق بعدم توريد كامل عائدات النفط والغاز إلى البنك المركزي اليمني في عدن، مع إدارة جزء من هذه الإيرادات عبر قنوات محلية أو حسابات غير خاضعة للرقابة المركزية، واستخدام جزء من هذه الموارد في دعم التشكيلات العسكرية المحلية، على حساب توجيهها لدفع الرواتب وتحسين الخدمات العامة.

وظهرت اختلالات في تحصيل وتوزيع الإيرادات المحلية في محافظة تعز، بما في ذلك عائدات ضريبة القات والرسوم المحلية. وجزءاً من هذه الموارد يُدار عبر قنوات عسكرية أو محلية، بدلاً من توريده بشكل كامل إلى الخزينة العامة، وهو ما يُنظر إليه كعامل إضافي في تفاقم الأزمة المالية على مستوى المحافظة.

وهناك اتهامات موثقة بالأدلة للإخوان بالفساد في إدارة وتوزيع المساعدات الإنسانية والطبية في مناطق النفوذ، بما في ذلك اتهامات بإساءة استخدام جزء من هذه المساعدات أو إعادة توجيهها خارج مسارها الإغاثي. مع ثبوت وجود سوق غير رسمية لبعض المواد الإغاثية، في ظل ضعف الرقابة وتعدد الجهات المشرفة على التوزيع.

بالتزامن مع ذلك جرى توسيع نفوذ الحزب الإخواني داخل مؤسسات الدولة في بعض المناطق، من خلال تعيين موالين له في مواقع إدارية ومالية حساسة مثل الضرائب والجمارك والقطاع النفطي، كوسيلة للتأثير على تدفق الموارد العامة.  وخضعت إدارة بعض المنافذ البرية، وما يرتبط بها من عوائد جمركية، لشبكات نفوذ محلية.

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية