
"أهكذا يكون جزائي لأنني أحببتك بكل هذا الحنان؟"، "إنك تتصرف كطاغية لا كعاشق"، هذه اقتباسات من نصوص كُتبت بيد راهبة برتغالية في القرن السابع عشر "ماريانا ألكوفورادو"، في (5) رسائل طويلة قال عنها ثيوفيلو براغا: إنّها أجمل ما أبدعه العقل البرتغالي في ذلك القرن كله، كانت الرسائل التي كُتبت في دير بلا دنس من أصدق آيات العشق، ومن أكثر الرسائل تعبيرًا عن الحب المهزوم ومن أعمق ما صورت العاطفة النسائية المجروحة، حيث نرى امرأة مجنونة تمامًا بحبّ رجل بارد ومتعالٍ، مع قلب يتفتق عشقًا وولعًا.
كانت الحرب البرتغالية الإسبانية على أشدّها حين أرسل الملك لويس الرابع عشر فرقه من أفضل فرسانه لمساندة البرتغال التي يتحالف معها ضدّ إسبانيا، وكان من ضمن أولئك الفرنسان القائد نويل بوتون دي شاميلي، الذي صادف أن مرّ من أمام شرفة الدير حيث تقف ماريانا التي أحبته منذ اللحظة الأولى عندما رأت ذلك الرجل العسكري بمظهره المهيب وهو يقود فرسانه ويداعب جواده، كذلك وصول أخبار إليها عن مدى كرمه وسماحة نفسه، لم يكن أمام تلك الشابة الغضة، التي أرغمت على الانضمام إلى الدير في سن الحادية عشرة بناء على رغبة والديها، غير أن تقع في أسر تلك العاطفة القوية.
كان لدخول ماريانا الدير تفاصيل أخرى توضح طبيعة ذلك العصر، وكيف كان ينظر فيه إلى المرأة، فقد كانت ماريانا الابنة الثانية في عائلة كبيرة ونبيلة ومتنفذة، أرادت أن تورث ضياعها وأملاكها لابنها البكر، ويكون نصيب الفتيات هو الدخول إلى الدير حيث التقشف والفقر والانعزال والعبادة، فلا تحمل الأسر مسؤولية تجهيزهن للزواج وتبديد ثرواتها، إضافة إلى الحرب بين البرتغال وإسبانيا التي دارت رحاها مدة 28 عامًا، ممّا جعل والدي ماريانا يفكّران في الدير باعتباره أكثر الأماكن أمانًا لبناتهم، لكنّ القدر كان له قول آخر.
من الدير إلى الهوى
كانت التربية والحياة في الدير مختلفة نوعًا ما، فالمرأة تتعلم القراءة والكتابة، وأساليب اللباقة الاجتماعية وعادات الضيافة والكرم حتى تجذب المحسنين للإنفاق على الدير، فكانت الراهبات يتمتعن بنوع من الحرية النسبية وشيء من الجاذبية التي تصنعها امرأة متعلمة مختلفة تمامًا عن نساء البيوت المحتجزات والأميات. وماريانا كانت فتاة مثقفة وقارئة وتشعّ حيويةً وجمالاً. غير أنّ حظها العاثر وخبرتها الصغيرة أوقعتها في شراك رجل عسكري يعرف حساب مكاسبه ويعرف تحديدًا متى يهرب من أرض المعركة حين تبدو أنّها أفلتت منه، وهذا ما فعله عندما كُشفت علاقتهما لمن في الدير حيث كانت تستقبله، وعاشا معًا ليالي فوق السحاب كما تصفها، وكما ظلت تعذبها.
لم يكن لهذا النوع من العلاقات أن يظل طيّ الكتمان، إذ سرعان ما انتشر خبر ذلك العشق ووصل إلى الملك. فما كان من الفارس إلا أن هرب، "بعد أيام سيكتمل عام منذ أسلمت نفسي لك بلا تحفظ، كان حبك لي دافئًا وصادقًا، ولم يخطر لي قط أنّ عطاياي ستضايقك إلى حدّ أن تجبرك على قطع خمسمئة فرسخ، وتعريض نفسك للخطر، فرارًا منها."
وهكذا وجدت نفسها منبوذة من عائلتها وراهبات الدير، "أمقت نفسي حين أستعيد كل ما ضحيت به من أجلك، لقد عرّضت نفسي لغضب والدي وقسوة قوانين هذا البلد على المتدينات، وأخيرًا لنكرانك الذي كان أعظم مصائبي جميعًا". يُشقيها ويمرضها هذا الحب فتخبره في موضع آخر: "حتى أشدّ المتدينات يشعرن بالشفقة على حالي، ويتحركن نحوي بنوع من الاعتبار والرحمة".
لقد كانت رسائلها جميلة وعذبة وواضحة، حتى أنّها أسست لنوع من العاطفة العارية عُرف بسببه الحب البرتغالي، فقد أحبت ماريانا نوعًا من الحب لم تعرفه سيدات الصالونات المتحفظات في ذلك الوقت، لهذا اندهشت الصالونات الباريسية حين تلقت هذه الرسائل، وكأنّها تتلقى عاطفة لم يُسمع بمثلها في الآفاق أو السير، ومن العجيب أنّ هذه الرسائل كانت إبداعية، إلى درجة أنّ جان جاك روسو أنكر أن تكون من قلب وقلم امرأة، حيث لا توجد ـ من وجهة نظره ـ العبقرية في النساء ولا يرقين إلى هذه الطريقة من الحب والتعبير، لذلك ظلّ يدافع لسنوات عديدة عن أنّ هذه الرسائل لرجل، وأنّ نسبها إلى امرأة خدعة تسويقية. وحتى مع اكتشاف اسم ماريانا بعد نشر الرسائل بمئة وخمسين عامًا ظل الكثيرون يعتقدون أنّها قصتها، لكنّها ليست بقلمها.
رسائل مربكة
هل تُناقش العاطفة؟ هل يصح أن نحكّم العقل في شعورنا؟ أم أنّ العاطفة تكتسب حرارتها من كونها عفوية وتلقائية ولم تمرّ على منطق، من يقرأ الرسائل سيضحك ويدمع ويتأثر ويندهش ويعطف، لكنّي لا أجد أيّ حكمة في ممارسة العقل حين نقرأ الأدب، أو حين نرى سيلان قلب على هيئة حبر، أحسب أنّ هذه الرسائل كانت بعض دمها.
العظيم في هذه الرسائل هو أنّ ماريانا كانت صادقة نحو عاطفتها قوية في اعتقادها، مدافعة عن مشاعرها حتى أمام الشخص الذي لم يكن ليصحّ أن يدفعها لكل هذا الألم الذي رأيناه على الورق، "يخدمك حبي حتى أنني لا أستطيع أن أدينك"، "حين أحببتك ذقت لذة لم أعرفها قط، لكنّ هذه اللذة نفسها كلفتني حزناً لم أكن لأعرفه قط".
أحسب أنّ ماريانا كانت تدافع عن حبها هي، عمّا وجدته في قلبها، وكانت تندهش من كونه "عاجزًا عن حبٍّ عظيم"، وأنّه قادر على أن ينساها بسهولة، والأعجب أنّ هذا قد يحدث "دون أن يدفعه حب جديد إلى ذلك". وكأنّها كانت تقول له إنّ المشكلة في قلبه، لقد أعطته وأحبته كما لم تفعل امرأة، ولن يجد في فرنسا نساء لهنّ قلوب أدفأ من قلبها، ثم تصل إلى استنتاج أنّه يا للأسف "الحب بذاته لا يولد الحب". تقول في أحد المواضع: "إنّه لو سَلم لحبها وصدق فيه، لوجد فيه لذة أكبر من لذة خداعها، إذا كان الأمر لذة بلذة."
لم يكن حبها الأول فقط، بل كان وعيها الأول، أحبت بقلبها كله، "ومع ذلك أكره السلام الذي كنت أعيش فيه قبل أن أعرفك"، ورغم أنّ الرسائل تتجه نحو شيء من العقل يتبدّى واضحًا في الرسالة الخامسة، لكنّها تظل حتى النهاية مُحبّة، حتى الندم الذي أظهرته كان على خلفية حب كبير لا نملك إلا أن نحسّ مراراته نحن القرّاء وقد مرت قرون.
إننا لا نستطيع أن نقرأ رسائل ماريانا دون وعي بخبرتها المحدودة وتجاربها البريئة وحياة النساء في الأديرة، ووعي دي شاميلي الرجل المحارب والقائد الذي سافر وغامر وخَبر النساء، وربما لم تكن ماريانا بالنسبة إليه سوى فضول لتجربة الحب مع النساء التقيات. لكننا لا نملك إلا أن نعجب من صدق الكلمات التي بعد قرون تحرك وجدان القراء. فشكرًا للحب وللفراق وللألم وللصدق وللأحوال الإنسانية التي تخلق هذه الدراما الخالدة.
عاشت ماريانا ألكوفورادو في الدير حتى توفيت عن عمر سبعة وثمانين عامًا، ويبدو من نص النعي أنّه بعد هذا الحب الذي عاشته لم تعش لشيء آخر غير العبادة، جاء في نعيها:
"في اليوم الثامن والعشرين من شهر تموز/يوليو 1723 توفّيت، في هذا الدير الملكي لسيدتنا العذراء الحبل بلا دنس، الأم دونا ماريانا ألكوفورادو، عن عمر سبعةٍ وثمانين عامًا، قضتها كلها في خدمة الله.
وكانت مواظبة على حضور الجوقة والأخويات، وأدّت سائر واجباتها بأمانة.
وكانت مثالًا يُحتذى، لا يُؤخذ عليها شيء، كثيرة الغفران للجميع.
ولمدّة ثلاثين عامًا مارست تقشّفًا صارمًا، وتحمّلت أمراضًا شديدة بتسليمٍ كامل، راغبةً في مزيدٍ من الألم.
وحين علمت بدنوّ ساعتها الأخيرة طلبت جميع الأسرار المقدّسة، وتلقّتها بوعي كامل، شاكرةً الله جزيل الشكر على نيله إيّاها.
وهكذا ختمت حياتها بكل علامات الاصطفاء الإلهي، متكلّمة حتى اللحظة الأخيرة.
وأنا، دونا آنا صوفيا بابتا دي ألميدا، ناسخة الدير، دوّنت هذا، ووقّعته في اليوم والشهر والسنة المذكورة أعلاه."

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B1%20%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%A7%D8%AE%D9%84%D9%8A_1_3_1_1.jpg.webp?itok=o3ONEK_p)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D8%AD%D9%84_10_4.jpg.webp?itok=Tb3ja79D)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%8688_0_3_1_7_2_0_1_0_0.jpg.webp?itok=p75friqA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%86%D8%AF%D9%86_0_0_1_0.jpeg.webp?itok=5qeLZFsM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A74_0_1_0.jpg.webp?itok=WYTaC8Sk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B3%D9%8A%D9%86_6_4_0_2.jpg.webp?itok=N6xMIywk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7_13_0_1_1_1.jpg.webp?itok=aTCaigQF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%85%D9%88%D9%8A%D9%84_1_4.jpg.webp?itok=MzntINad)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%A7%D8%B1%D9%81%D9%88%D8%B1_1_0_2_0.jpg.webp?itok=MDx45CBJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_2.jpeg.webp?itok=R9lPs42T)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A9_3_3_0.jpg.webp?itok=XgfaK1jy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_27.jpg.webp?itok=3Lue5fk6)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/011_4.jpg.webp?itok=0QR5maRr)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B2%D8%A9_176.jpg.webp?itok=aL0i-O1b)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/gTGVJYA8Soq88WhZ87SZT86l-NhktgxZXrXBWLD5U4-gW74rQPSDc5KkiAElerlGJDpkVinqV_IVub3fiLsTcaIFgS4YFRi540cvVyjFl6q6YwV5GPba4BZAwc66ROVfLjG_fhvGomuAwALIwgPZrpkkNDn3WZZb6Eq0wPFCKW1xDN7N9GpASNMGhz3hniMt%20%281%29.jpg.webp?itok=8wWXHyWI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83_25.jpg.webp?itok=ILOKs7sV)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D9%84%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=TYJr2e66)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/4e45cd14-609d-41dc-8337-47bdff5ee0cc_0.png.webp?itok=aZAFci1K)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B2%D8%BA%D9%88%D9%84_0.png.webp?itok=JrmJPh7m)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/HHRtQyysZbF0IsEiyGiEZKf1ErV2yrq1-DIV9JDL9Ea-U42ySG26AhLkGx4aRrvXrGW3a-dsfoYN135TImYBxnP0hT98P-6BkwWNswOStJnPRoU-VCiP1Bf1IEcOSKkhvJJHgKmaZ6DeJI58qCX6GOpjD1tmn7QClHujb4AwIBO4ScyqzMqfIetVxvwha7iT%20%281%29.jpg.webp?itok=WCx_0Fzx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/GDwvCo_zMvwWviO1UBjZOIncr8lBppACdNT5J2TgfLKiQt_Gch5Mbarh28Jo_9qBwcr2yCAGeE6sde8thVaLC2axkS3EdFlt0lVf9sRMY3oGNK4DR-i8hDLKVbVwbGpBttMNqPlZ0db_UOo4RUv8BtbOP3ye6_zuKhmtGTMdUL1NuxY8S1_j8dcMOIUPl9Ht%20%281%29.jpg.webp?itok=nS9xUUct)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/ViYLxN7VkltvpvRG-BjwxijOzunHI9I_yZcM-e_K1TvKFCw4ds6oGRnGjeoTuODbDJZmxErM8WUpMaoSmGVs1o2jjcTozGzw4UwThDP3UDzeljr5wkQNDW3VWrMykNYUsRHwLAOMXx7_q52ErSNBggk2RD-IprWZcNisyCgWBHQYHnnJWha4GC1CQRvIuX5h%20%281%29.jpg.webp?itok=iKGLY69d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%A7%D8%AA_0_1.jpg.webp?itok=PBow1BGf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A7_82_1_2_0_0_0_0_1.jpg.webp?itok=--QJOt8O)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)
