تفكيك السلفية: تحولاتها وتحوراتها من مجالس العلم إلى جبهات القتال

تفكيك السلفية: تحولاتها وتحوراتها من مجالس العلم إلى جبهات القتال

تفكيك السلفية: تحولاتها وتحوراتها من مجالس العلم إلى جبهات القتال


10/12/2025

صدر للباحث المغربي الدكتور محمد بوشيخي، عن مركز دراسات الوحدة العربية، كتاب بعنوان: "تفكيك السلفية: تحولاتها وتحوراتها من مجالس العلم إلى جبهات القتال". الكتاب كبير الحجم، يضم (448) صفحة، ويلقي الضوء على كثير من المواضيع التي تُقارب موضوع السلفية وتحولاتها عبر التاريخ. وهو يضم قسمين: القسم الأوّل: من الوهابية الحديثية الإحيائية: رحلة السلفية على طريق القطبية. القسم الثاني: السلفية الجهادية: الميلاد والانشطار.  

إنّه كتاب مهم جداً في بابه؛ إذ جمع بين جانب استيعاب الموضوع المتعلق بالسلفية في بُعده النظري، من جهة تَشَكُّل القناعات والتصورات والأفكار عبر التاريخ، وبين جهة البحث في طبيعة جمود مختلف تلك التصورات وتصلُّبها، وتحوُّلها بذلك إلى قناعات مُفارِقة للواقع، الذي من سِمَتِه التغير والتبدُّل، وسقوطها في فخ الطائفية والمذهبية والإيديولوجية، التي لا تقبل الاختلاف والتعددية الفكرية، وتكمن المشكلة هنا عندما يصطبغ كل ذلك بصبغة الدين. وأكبر مشكلة نتجت عن ذلك هي تحول السلفية من أروقة ما هو علمي إلى دائرة قتال المخالفين.

تجدر الإشارة إلى أنّ الدكتور محمد بوشيخي، باحث مغربي، خبير متخصص في القضايا الجيوسياسية والحقل الديني، ويركّز بشكل خاص على قضايا الإسلام السياسي والتطرف. وقد عزز هذا التخصص بحصوله على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من مدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية بباريس EHESS، وعلى الصعيد البحثي، نشر بوشيخي عدة أبحاث تتناول إشكاليات معقدة مثل الإيديولوجيا والدين، والدولة المدنية، وتحديات الحداثة، والمؤسسة الدينية، والتعليم الديني، والنسوية الإسلامية. وقام بإعداد دراسات وتقارير تناولت الصراعات الجيوسياسية والتطورات الأمنية المرتبطة بالمد الجهادي في المنطقة العربية ومواقع أخرى حول العالم.

تفكيك السلفية ومنهج التشدد: التقاطع مع القطبية

يبيّن هذا الكتاب طبيعة الفروق المنهجية بين مصطلح السلفية الذي يُفهم منه اتباع السلف الصالح مع العناية بالاجتهاد والاعتراف بالتعددية الفكرية والمذهبية، وبيّن كيفية توظيف مفهوم السلفية وشرعيتها في فهم تراث الأمّة في اتجاه انزلق نحو التشدد والتطرف والإعراض عن الاختلاف، وتكفير المخالفين، والدعوة إلى قتالهم. وكلها صفات لم يقل بها سلف الأمّة من الصحابة والتابعين وغيرهم. والجدير بالذكر هنا هو طبيعة التقاطع الذي حدث في الزمن الحاضر بين السلفية في صورتها المتشددة وطروحات الإسلام السياسي، عبر تزكية اجتهادات سيد قطب. فالظواهري، أحد زعماء القاعدة، كان معروفًا عنه أنّه مُشبع بتصورات سيد قطب التي تم تطعيمها بمختلف تصورات السلفية المتشددة. يرى المؤلف محمد بوشيخي بأنّ السلفية شيَّدت لنفسها "براديغمًا" فريدًا يرتكز على دعائم منهجية أساسية تتسم بالفهم الظاهري والتجزيئي للنصوص الدينية، مُسيّدةً النقل ومُتبعةً العقل، سواء في معالجة مسائل العقيدة أو استنباط أحكام الفقه، وهو ما أفضى في نهاية المطاف إلى توليد مفاهيم صدامية مع مقتضيات الواقع والاجتماع البشري المعاصر، كالانطلاق من فرضيات مثل "خيرية الأمّة" و"الفرقة الناجية" و"فسطاط الحق"، التي أسهمت في انزلاق هذا "البراديغم" نحو التشدد والانغلاق.

سلطة الحديث ومنهجيات مقاربة النص: من أهل الرأي إلى توافقية الشافعي

يرى المؤلف أنّ هذا التمدد في إعمال النص الحديثي على حساب المركزية القرآنية، ووضعه في مستوى قوته المرجعية ذاته في فهم العقيدة والتشريع، هو العنصر الأهم الذي أنتج الرؤية السلفية المعاصرة في عقيدتها وفقهها، فمدرسة "أهل الحديث" مثّلت أول تعبير عن هذه النزعة، إذ رفعت منزلة السنّة وجعلت لها موقعًا في الاعتقاد والتشريع لا يقلّ عن موقع القرآن، حتى صارت المقولة السائدة هي أنّه "لا إسلام بدون سنّة". وهذا الموقف عزز فكرة أنّ النص الديني في الإسلام يتخذ صورتين مختلفتين من حيث المصدر: القرآن كمصدر إلهي مباشر، والسنّة النبوية كمصدر إلهي غير مباشر، يُعبّر عن مراد الله وقصده، وهي رؤية اعتمدت على العصمة النبوية استنادًا إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾.

وقد حلل محمد البوشيخي طبيعة المفارقة المنهجية التي تشير إليها مختلف الكتابات حول هذا الموضوع، وهي أنّ أقوال المحدّثين والفقهاء قديمًا وحديثًا قد شرختها خلافات عميقة، لا سيّما في ما يتعلق بشروط قبول الحديث ومنهجية "الجرح والتعديل"، كما أنّ المقولة التي كثيرًا ما تتردد حول أنّ السنّة "مؤكدة لأحكام القرآن"، وأنّها "تفصّل مجمله وتخصّص عامه وتُقيّد مطلقه" لم يتحقق الإجماع حول معناها أو آليات تطبيقها، فظل ترتيب العلاقة بين القرآن والسنّة، أو القرآن والحديث بتعبير أدق، مرتبطًا بشكل وثيق بنمط التكوين والمذهبية والميول الفكرية والقناعات المعرفية لكل عالم. وهذا الواقع الفكري أدى خلال القرن الثاني للهجرة إلى اكتمال تبلور منهجيتين رئيسيتين في مقاربة النص الديني، وهما: منهجية المحدّثين التي ركزت على الظاهر، ومنهجية الفقهاء (أهل الرأي) التي ركزت على المقاصد. وقد حاول الإمام الشافعي لاحقًا، من خلال "توافقيته" المعروفة، إقامة جسور بين هاتين المنهجيتين عبر قواعد علم الأصول، فكانت حصيلة توافقيته تقوم على مبدأ الجمع والتعايش وليس المزج والتجانس، حيث شرّعت الأبواب أمام الحديث لكنّها وضعته في مرتبة دون مرتبة القرآن، وقالت بحجيته مع التفريق في درجاته، واعتدت بالقياس لكنّها رفضت الاستحسان والمصالح المرسلة، ودفعت ردّ الحديث بقاعدة عموم البلوى وعمل أهل المدينة. الأمر الذي أبقى على "توافقية الشافعي" مستبطنة للنزعتين السابقتين عليها، نزعتي أهل الحديث وأهل الرأي معًا، فاستمر التجاذب بينهما ولكن هذه المرة بوساطة المنهجية الأصولية وقواعدها بدلًا من التضخم في الحديث بالوضع والتضخم في الرأي بالافتراض. ومع ذلك، لم يترتب على أطروحة الشافعي الأصولية الحسم الجذري للخلاف في مسائل الفقه، وبالأحرى مسائل العقيدة التي كانت أصلًا خارج نطاق اشتغال آليات هذا التوافق الأصولي.

ميلاد الحديثية الإحيائية والسلفية الجهادية: الألباني وسيد قطب

لقد تُوِّج هذا الواقع في المشهد الثقافي الإسلامي عبر القرون التالية بتراجع المحدّثين وتقدم الفقهاء، ممّا أدى إلى تشكل المذاهب الفقهية في المراكز الإسلامية الكبرى، بخلاف بلاد الهند التي شهدت حضورًا مطردًا للمحدّثين، وإن كانت "نزعتهم الحديثية" مصطبغة بالتعددية المجتمعية. وفيما بعد سمح تقاربهم مع مدرسة الدعوة النجدية بإقامة ترابط تُوِّج بتداخل منهجي ومعرفي تمثل في انزياح المحدّثين الهنود نحو المعتقد الأثري الأكثر صفاء، واستعادة علماء نجد للمنهج الحديثي في الفقه، وهو ما أدى إلى ميلاد ما اصطلح عليه الباحث بمدرسة "الحديثية الإحيائية". ويقصد بها المدونة الحديثية التي ظهرت خلال العقود القليلة الماضية كتوجه مذهبي مستقل وفق أصول مدرسة المحدّثين الأوائل، التي اتسمت بمنهجيتها الفقهية المرتكزة على القراءة الظاهرية للنص ووضع الحديث في مرتبة القرآن. وقد ولدت هذه الحركة بالسعودية بظهور الشيخ الهندي أحمد الدهلوي، لكنّها شهدت تحولًا لافتًا خصوصًا مع الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، الذي اجتهد في إثبات حجية خبر الآحاد وسلطته في نسخ القرآن، والمساواة في الدرجة بين القرآن والسنّة، فضلًا عن رفض المذهبية وتبنّي القراءة الظاهرية. 

يرى المؤلف أنّ الألباني، الذي يُعدّ أبرز نموذج لـ "المحدّث الإحيائي" بعد الدهلوي، قد أحدث انقلابًا علميًا في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة من خلال سلسلة الأحاديث الصحيحة والضعيفة وغيرها، وهو ما مثّل المركب المركزي لمرجعية المدرسة الحديثية الإحيائية. وقد ترتب على مساواة السنّة بالقرآن ورفض التمييز في الحديث بين متواتره وآحاده إحياء "إشكال عميق" عند النظر إلى الجدل القديم حول خبر الآحاد، وأسفر عن ثلاث نتائج مباشرة خلخلت منظومة الفكر الديني السنّي، ورسخت معالم الافتراق: أولاها الأخذ بخبر الآحاد في العقائد، وثانيتها القول بنسخه للقرآن، وثالثتها تكفير من رده. وفي تطور لاحق، دفع نجاح "الألبانية" إلى التقاطع مع طروحات الإسلام السياسي وتزكية اجتهادات سيد قطب عبر قراءات الألباني السلفية لمفاهيم الحاكمية والجهادية والمفاصلة وتطويره مقاربة لمفهوم "الطائفة المنصورة" متماهيًا مع مفهوم قطب لـ "الجيل القرآني الفريد"، وهنا تحولت الألبانية إلى قنطرة للمتشددين من ذوي النزعة الجهادية نحو تبنّي "القطبية" على مستوى الفكر والمنهج التغييري، ليتبلور بذلك تيار "السلفية الجهادية" كتيار مستقل يقوم على ركيزتين أساسيتين: سلفية متمثلة في "الألبانية" وحركية متجسدة في "القطبية". 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية