أهوال سردية إخوان السودان

 أهوال سردية إخوان السودان

أهوال سردية إخوان السودان


30/10/2025

هاني سالم مسهور

هذه لحظة أخرى في أيام السودان المعتكرة، عنوانها الفاشر وما بعدها، كما هو ما قبلها. فمنذ استقلال السودان، غرقت هذه البلاد في الحروب. منذ عام 1956، ظلت هذه البلاد في الحروب. بعض الأبجديات مؤلمة، غير أنها أبجديات الحقائق بكل ما فيها. من 1955 وحتى 1972، خاض السودان حربًا أهلية، ما إن انتهت حتى اندلعت حرب 1983. هذه البلاد، بتاريخها الموسوم بالانقلابات العسكرية، والحروب الإثنية والعرقية والقبلية والمناطقية، لم يكن ينقصها سوى انقلاب 1989، الذي تمكن فيه الإخوان من حكم السودان.

ذلك التاريخ المشمول بالعنف والصراعات هو الحاضر الذي يعيش فيه جيل السودان اليوم: صراع الجنرالات والجيوش، التداخلات والتدخلات. هذه لحظة سودانية أخرى تتكثف فيها المأساة، وتتكشف معها الحقيقة. الفاشر ليست مجرد مدينة سقطت بعد حصار طويل؛ من هذه الحقيقة يجب أن تبدأ الرواية. الجيش ليس حارسًا بريئًا خرج من رحم دولةٍ مدنية مكتملة الأركان، والميليشيا ليست غريبًا بالكامل عن جسد السلطة. خرج الطرفان من بنية واحدة غذّاها مشروع الإسلام السياسي حين احتاج إلى الذراع الخشنة لفرض السيطرة، فأنشأ “الجنجويد” بالأمس، ثم أعاد تسمية القوة نفسها، وصقل أدواتها، وأطلقها حين لزم الأمر. لذلك، كان من الطبيعي أن تنفجر مفاصل الدولة عند أول محاولة انتقال جاد، وأن تتناسل الجيوش داخل الجيش، وأن يجد السودان نفسه أمام معادلة وحشية: سلاح يتكئ على أيديولوجيا، وأيديولوجيا لا تحيا إلا تحت ظل السلاح.

وسط هذه الفوضى، تحاول السردية الإخوانية أن تكتب فصلًا جديدًا بمدادٍ قديم: إخفاء أصل العطب، وقذف المسؤولية إلى الخارج. تتكرر القصة نفسها: اتهامٌ للإمارات، وشعاراتٌ عن “المرتزقة المدعومين”، وصورٌ مُعلّبة تقفز من شاشة إلى أخرى، بينما تمرّ خطوط الإمداد الحقيقية حيث يعرف العارفون. مسيّرات إيرانية ظهرت في سماء الخرطوم، وصفقات تُطبخ في الخفاء، وأبوابٌ تُفتح لتركيا وإيران على الموانئ والحدود. هنا تتبدى المفارقة: تُهاجَم الإمارات لأنها لم تتورط، لأنها لم تضع يدها على زناد حربٍ عبثية، لأنها اختارت أن تكون مع الشعب لا مع أدوات فوضاه. ويُكافأ ذلك الموقف بحملاتٍ إعلامية ودعاوى سياسية تتبدد أمام أول اختبار قانوني جاد، كما حدث حين سقطت الشكوى أمام محكمة العدل الدولية، لا لأن المحكمة “تحابي”، بل لأن الادعاء اعتاد الاستعراض أكثر مما اعتاد الأدلة.

ليس في وسع أحد اليوم أن يُنكر الوقائع. ما حصل في “الفاشر” أكبر من أن يُختزل في تقرير مسموم أو حتى في شهادات كربلائية. السودان انشطر بين شرق وغرب، حكومتان وجيشان، فظائع وقتل وحشي، كلّها جرائم حرب، لكنها ليست غريبة على تاريخ السودان. هل ما زال أحد في العالم لا يعرف أن الرئيس السابق عمر البشير قد صدرت بحقه مذكرتا اعتقال من المحكمة الجنائية الدولية في 2009 و2010 بتهمة “الإبادة الجماعية”؟ هذه هي حقائق الجيش والدولة في بلد مخطوف من جماعة الإخوان.

منذ بداية الجولة الحالية، قالت الإمارات ما تردّد الآخرون في قوله، ثم كرّسته الرباعية لاحقًا: جذور الحرب سودانية – إخوانية قبل أن تكون خلافًا تكتيكيًا بين جنرالين. قالت أيضًا إن أيّ حلّ لا يبدأ بتجفيف مصادر السلاح، أياً كانت وجهته، لن يكون سوى استراحة محارب. ولذلك، ذهب موقفها إلى جوهر المسألة: وقف فوري شامل لإطلاق النار، ممرّات إنسانية آمنة، انتقالٌ إلى سلطة مدنية كاملة، وتفكيكٌ صريح لسطوة الإسلام السياسي داخل مفاصل القرار العسكري والإداري معًا. لم تعرض أبوظبي “خارطة طريق” لتُضاف إلى رفّ الوثائق، بل مارستها بالفعل: دعمٌ سياسي من جدة إلى جنيف، وشراكات أممية في الإغاثة، وتمويلٌ يُقاس بالأثر لا بالعناوين، بأكثر من أربعة مليارات دولار من الغذاء والدواء والإيواء، دخلت كلّ مناطق النزاع من دون أن تسأل الناس عن اصطفافهم، ولا عن هوياتهم.

هنا يشتدّ غضب خصومها، لا لأنها أخطأت، بل لأنها أصابت. لأن نموذج الدولة التي تبني ولا تتاجر بالخراب يحرج سرديةً لا تعيش إلا تحت ظل الفوضى. لذلك يُستدعى قاموس التخوين، وتُفتعل المعارك القانونية، وتُعاد تدوير الاتهامات التي سقطت بالأمس كي تُرمى اليوم بثوبٍ جديد. لكن الحقيقة لا تتغير: الإمارات ليست طرفًا في صراعٍ أهلي، بل تريد له أن يتوقف. وهي لا تبحث عن حصص، ولا عن موانئ المقايضة، بل عن استقرار يصون البحر الأحمر وسلاسل الإمداد وحياة الناس. وإذا كان هناك من يريد للبلد أن يظلّ ساحة اختبار للمحاور، فمن حق الإمارات، ومن واجب كل عاقل، أن ينسحب من لعبة دمٍ لا تنتهي إلا إلى فقدان الدولة نفسها.

الفاشر اليوم لحظة كاشفة. لقد أسقطت “الحياد الزائف” الذي يساوي بين مشروع دولة ومشروع جماعة، وأسقطت أيضًا مقامرة “التعويل على الجيش لإصلاح الجيش” من دون قطيعةٍ صريحة مع إرث الترابي والبشير. هي تقول للفاعلين الإقليميين والدوليين إنّ ترفَ تدوير النخب انتهى، وإنّ كل هدنةٍ تُبنى على إنقاذ شبكات الإخوان داخل المؤسستين لا تُفضي إلا إلى هدنةٍ تلد حربًا. وتقول للسودانيين إنّ معركتهم هي معركة تعريف قبل أن تكون معركة سلاح: تعريف الدولة بوصفها عقدًا مدنيًا جامعًا، لا ظلاً لتنظيم، ولا لافتة لقبيلة.

في هذا المفترق، يصبح من الطبيعي العودة إلى الإمارات، ليس لأنها “الحجر الذي يعثر به الخطاب الإخواني كل مرة”، بل لأنها المعيار الذي يقيس به الإقليم الفارق بين من يملك شجاعة تسمية الأشياء ومن يخاف الحقيقة. أبوظبي لم تسعَ إلى تلميع أحد، ولم تُصدر البيانات لتسترضي أحدًا، بل وضعت يدها في يد المجتمع الدولي كي يتقدم إلى حيث يجب: وقف التدفق التسليحي من الخارج، وتحقيق مستقل في جرائم دارفور، وحماية المدنيين، وصياغة انتقالٍ لا مكان فيه للسلاح ولا لعقود “المحاصصة الأيديولوجية”.

هذا هو الفارق بين من يبني سياسة ومن يكتب منشورًا، بين دولةٍ تُراكم المعنى، وسرديةٍ لا تعيش إلا على الصراخ. وحين يهدأ الغبار، سيبقى سؤالٌ واحدٌ ناصع: هل يريد السودانيون دولةً تتسع للجميع، أم تنظيمًا يُقصي الجميع؟ إذا اختاروا الأولى، فسيتعين عليهم أن يكسروا قيد 1989 مرةً واحدة ونهائية، أن يخرجوا “التمكين” من الإدارة، وأن يستعيدوا الجيش إلى تعريف الجيش. وإذا اختاروا الثانية، فلن يحتاجوا إلى خصمٍ خارجي كي يخسروا الوطن؛ يكفيهم أن يعيدوا تدوير الكذبة القديمة بثوبٍ جديد. في كلا الحالين، ستظل الإمارات على موقفها: مع السودان لا مع أدوات فوضاه، مع الإنسان لا مع الشعار، ومع السلام الذي يُبنى بالحقائق لا بالتهويم. هذا ليس ترفًا سياسيًا، ولا تمايزًا دعائيًا، بل مسؤولية تاريخية في إقليمٍ يتعلم ببطء أن الدول لا تقوم على الضجيج، وأن الانتصار الحقيقي  ليس أن ترفع رايتك فوق الخراب، بل أن ترفض الدخول إلى حفلة الجنون، وأن تقول “لا” حين يركض الجميع نحو الجحيم.

الإمارات في سردية إخوان السودان هي ذاتها في سردية كل فروع التنظيم الدولي. فهذه الجماعة تُصاب كلما رأت دولةً عربيةً تنجح خارج عباءتها، ولديها ما يمكن تسميته بـ”فوبيا الإمارات”، التي تحولت عندها من عقدة سياسية إلى عجزٍ نفسي مزمن. الإمارات ليست مشغولة بهم، ولن تنشغل مطلقًا بالمصابين عقليًا والمضطربين نفسيًا. فمشروعها أوسع من ردٍّ على ضجيج الهزيمة. لديها مهمة واضحة ضمن المجتمع الدولي، ستنجزها كما أنجزت غيرها: بناء السلام، وتجفيف منابع الإرهاب، وترميم ما خرّبته الأيديولوجيا في وعي الشعوب، أما السرديات المكسورة فستظل تدور في الفراغ، بلا أثر ولا معنى، لأن الأثر الحقيقي لا يُصنع بالخطابات بل بالحقائق، الأثر صنعته الإمارات بأقوالها وأفعالها، بحضورها في ساحات الإغاثة لا في شاشات التحريض، وبشراكتها في صناعة الاستقرار لا في تمويل الفوضى،  ولأنها دولة تأسست على الفعل لا على الادعاء، فقد تركت للإخوان كل شيء يحبونه، العويل، والافتراء، والعيش في ماضٍ انتهى، بينما مضت هي تصنع الغدّ بمنطق الدول لا بمنشورات الجماعات،  تلك هي الحكاية باختصار  الإمارات تعمل، والإخوان يصرخون، والتاريخ لا يُنصت إلا لمن يعمل وينتصر.

العرب




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية