توجيهات أمريكية: رفض لجوء المنتمين إلى الإخوان... نهاية ملاذ آمن؟

توجيهات أمريكية: رفض لجوء المنتمين إلى الإخوان... نهاية ملاذ آمن؟

توجيهات أمريكية: رفض لجوء المنتمين إلى الإخوان... نهاية ملاذ آمن؟


18/08/2025

ما يزال ملف جماعة الإخوان المسلمين يتصدّر أجندة النقاشات في الغرب، لا بوصفها مجرد حركة سياسية دينية، بل باعتبارها كياناً يهدّد البنية الأمنية والمجتمعية في البلدان التي يحاول أفراده أن يجدوا فيها ملاذاً بغطاء "اللجوء السياسي". التطور الأحدث جاء من الولايات المتحدة، فقد كشفت مصادر رسمية عن "توجيه" من وزارة الأمن الداخلي (DHS) إلى مكاتب دائرة خدمات الهجرة والجنسية (USCIS)، يتيح التعامل مع جماعة الإخوان منظمة إرهابية في سياق تقييم طلبات اللجوء.

هذا التوجيه، وإن بدا إجرائياً للوهلة الأولى، فإنّه يحمل رسائل سياسية وأمنية مزدوجة، مفادها أنّ واشنطن باتت أكثر ميلاً إلى التعامل مع الإخوان باعتبارهم خطراً عابراً للحدود، لا "ضحايا سياسيين" يستحقون التعاطف أو الحماية.

الإخوان بين خطاب الاضطهاد وواقع العنف

منذ سقوط حكم الجماعة في مصر عام 2013 استثمرت الآلة الإعلامية للإخوان في الخارج خطاب "المظلومية"، محاولةً تصوير أتباعها كضحايا مطاردين بسبب آرائهم. غير أنّ الواقع على الأرض أثبت أنّ كثيراً من هؤلاء كانوا متورطين بشكل مباشر أو غير مباشر في أعمال عنف وتحريض، سواء داخل مصر أو عبر شبكات دعم لوجستية في الخارج.

اليوم، تأتي التوجيهات الأمريكية لتضع حداً لهذه "المظلومية المصطنعة"، عبر اعتبار الانتماء إلى الإخوان سبباً كافياً لرفض طلبات اللجوء، بل ربما إعادة النظر في الطلبات المقبولة سابقاً إذا تبيّن وجود تزوير أو إخفاء لمعلومات تتعلق بالانتماء التنظيمي.

جهود تشريعية متصاعدة في الكونغرس

لم يكن هذا التحرك البيروقراطي بمعزل عن الجهود السياسية داخل الكونغرس. فهناك تيار متنامٍ، خاصة بين الجمهوريين وبعض الديمقراطيين، يدفع بقوة نحو تصنيف الإخوان منظمة إرهابية أجنبية، وربطها بحركات مسلّحة مثل "حماس".

مشروع القانون رقم (4397)، الذي قدّمه النائبان ماريو دياز وجاريد موسكوفيتز، يأتي ضمن هذه المساعي. المشروع يهدف إلى إدراج الإخوان رسمياً في قوائم الإرهاب، وهو ما سيفتح الباب أمام تجميد أصولهم المالية، وتشديد الرقابة على الجمعيات المرتبطة بهم في الولايات المتحدة.

في مجلس الشيوخ أعاد السيناتور تيد كروز طرح مشروع قانون مشابه، يعكس إصراراً جمهورياً على حسم هذا الملف الذي طال انتظاره. واللافت أنّ هذه المبادرات لم تعد تصطدم بالقدر نفسه من المعارضة داخل الإدارة كما في السابق، خاصة بعد صعود أصوات ترى في الإخوان واجهة ناعمة لمشروع متشدد يهدد الأمن القومي الأمريكي.

إرث ترامب وإجراءات لم تُمحَ

لعلّ المتابع يتذكّر أنّ إدارة الرئيس دونالد ترامب، في ولايته الأولى بين عامي 2017 و2021، كانت قد وضعت أسساً صارمة للتعامل مع طلبات اللجوء. فقد جرى حينها تشديد التدقيق الأمني إلى حد غير مسبوق، ووُضعت آليات تسمح بإحالة بعض الملفات مباشرة إلى المحاكم من دون المرور بمقابلات اللجوء التقليدية. كما شهدت تلك الفترة سحب الجنسية الأمريكية من بعض الأفراد بعد ثبوت تقديمهم بيانات مزوّرة أو إخفاء انتمائهم التنظيمي.

هذه السياسات، وإن بدت للبعض قاسية، فإنّها من منظور الأمن القومي الأمريكي كانت استجابة مباشرة لمخاوف حقيقية من تسلل عناصر مرتبطة بجماعات الإسلام السياسي، وعلى رأسها الإخوان، إلى داخل الولايات المتحدة عبر بوابة "اللجوء الإنساني". واليوم يبدو أنّ الإدارة الحالية تستعيد هذا الإرث ولكن بصياغة جديدة أكثر مؤسسية.

الإخوان في دائرة المنع

أكثر ما يثير الانتباه في هذه التطورات هو تأثيرها المباشر على آلاف الطلبات المقدمة من البعض، خلال الفترة من 2015 إلى 2019. كثير من هؤلاء لجؤوا إلى الادعاء بالانتماء إلى الإخوان، أو بالاضطهاد بسبب علاقتهم التنظيمية، كذريعة للحصول على حق اللجوء.

لكن مع المراجعة الجديدة، فإنّ تلك الملفات باتت مهددة، بل إنّ بعض الموافقات السابقة قد تُسحب إذا تبيّن أنّ مقدمها أخفى انتماءه أو لجأ إلى تزوير في إثباتات التعرض للاضطهاد. هذا التحول يضع الجاليات الإخوانية في الغرب أمام اختبار صعب، إذ لم يعد كافياً الحديث عن "قمع" أو "استهداف سياسي"، بل بات مطلوباً تقديم براءة من الانخراط في إيديولوجيا جماعة تتعامل معها السلطات كتهديد إرهابي محتمل.

سقوط أقنعة "الملاذ الآمن"

لطالما اعتبر الإخوان أنّ الدول الغربية، بما فيها الولايات المتحدة، تشكّل "ملاذاً آمناً" يتيح لهم إعادة تنظيم صفوفهم، والحصول على الشرعية عبر غطاء إنساني أو حقوقي. لكنّ التوجيه الأمريكي الأخير يبدّد هذه الصورة، مؤكداً أنّ مرحلة التغاضي قد ولّت، وأنّ الغرب لم يعد مستعداً لاستقبال الجماعة بالورود.

إنّ ما يجري ليس مجرد إجراء إداري، بل هو تحوّل استراتيجي في النظرة إلى الإخوان، خصوصاً أنّ عدداً من الدراسات الأمنية في أمريكا وأوروبا ربطت بين الجماعة وتيارات أكثر تشدداً، مشيرة إلى أنّ خطابها "المعتدل" ليس سوى قناع يخفي مشروعاً أكثر خطورة.

بين حماس والإخوان خيط لا ينقطع

لا يمكن إغفال أنّ جزءاً من الزخم الأمريكي ضد الإخوان مرتبط بالعلاقة الوطيدة التي تجمع الجماعة بحركة حماس. فالعديد من المشرّعين الأمريكيين يرون أنّ الفصل بين الاثنين مجرّد تلاعب لغوي، إذ إنّ حماس تمثل الفرع الفلسطيني الصريح للإخوان.

وبالتالي، فإنّ إدراج الإخوان في قوائم الإرهاب من شأنه أن يعزز الموقف الأمريكي في مواجهة حماس، خاصة في ظل تصاعد الصراع في غزة وتنامي القلق من تمدد النفوذ الإيراني في المنطقة. هذا الربط يضع الإخوان في قلب معادلة الأمن الإقليمي والدولي، ويجعل استمرار التغاضي عنهم مسألة غير مبررة.

مأزق الإخوان في الغرب

أمام هذه التحولات تجد جماعة الإخوان نفسها أمام مأزق مزدوج: فمن جهة تفقد أوراقها التقليدية في استدرار التعاطف عبر خطاب المظلومية، ومن جهة أخرى  تواجه خطر الملاحقة القانونية، وربما سحب الجنسيات أو إلغاء إقامات بعض أعضائها.

وقد تآكلت صورتها في المجتمعات الغربية بشدة خلال السنوات الأخيرة، بعد الكشف عن تورط جمعياتها في قضايا تمويل مشبوهة أو نشر خطاب متشدد تحت ستار العمل الخيري. كلّ ذلك يجعل من الصعب على الإخوان الادعاء بأنّهم "ضحايا"، بينما الوقائع تشير إلى أنّهم شبكة إيديولوجية عابرة للحدود تتلاعب بالقوانين والمجتمعات.

لا شكّ أنّ الطريق ما يزال طويلاً قبل أن يُدرج الإخوان رسمياً على لوائح الإرهاب الأمريكية. لكنّ المؤشرات واضحة: هناك إرادة سياسية وتشريعية متزايدة، وتوجيهات إدارية بدأت بالفعل في تغيير طريقة التعامل مع طلبات اللجوء.

في حال مضى الكونغرس قُدُماً وأقرّ أحد مشروعي القانون المطروحين، فإنّ ذلك سيعني تحوّلاً جذرياً في معادلة وجود الإخوان في الغرب، وسيضع حدّاً لاستغلالهم مساحات الحرية لتحقيق أجندتهم.

منذ سنوات كان الإخوان يراهنون على ضعف الإرادة السياسية الغربية في مواجهتهم، وعلى قدرة خطاب "المظلومية" على فتح الأبواب أمامهم. لكنّ التوجيه الأمريكي الأخير يثبت أنّ اللعبة انتهت، وأنّ زمن استغلال اللجوء كغطاء للتمدد قد ولّى.

إنّ إدراك واشنطن لحقيقة الإخوان كتنظيم ذي وجهين، أحدهما "دعوي" والآخر "عنيف"، يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التضييق عليهم في معاقلهم الخارجية. ولعلّ الأيام المقبلة تحمل مزيداً من القرارات التي ستضع هذه الجماعة في حجمها الحقيقي: تنظيم يسعى إلى تفكيك الدول من الداخل، وليس كياناً سياسياً مظلوماً كما يحاول أن يصوّر نفسه.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية