"ماري كوري"... رحلة الخروج من حضيض الفقر وقدر الوطن المُبتلى والجنس المقهور

"ماري كوري"... رحلة الخروج من حضيض الفقر وقدر الوطن المُبتلى والجنس المقهور

"ماري كوري"... رحلة الخروج من حضيض الفقر وقدر الوطن المُبتلى والجنس المقهور


10/01/2026

"ماري كوري" امرأة من صُلبٍ مرِن، خرجت من حضيض الفقر، ومن قدر الوطن المُبتلى، والجنس المقهور، حتى بلغت تلك المكانة الرفيعة التي لم يصل إليها أحد قبلها ولا بعدها. قال عنها آينشتاين: "إنّ ماري كوري هي المرأة الوحيدة التي لم تُفسدها الشهرة، دون سائر المشهورين والمشهورات من بني الإنسان".

صورتها الشهيرة وهي تجلس وحيدة بتواضع وهدوء، بين أذكى عقول القرن العشرين من الرجال، تُثبت أنّ للمرأة عقلاً في المعمل، ويدًا في المطبخ، وساعدين في الحقل، وقلبًا في التربية، وعقلاً في الاقتصاد، ورحمًا في الإبداع والخلق، وروحًا ضامّة للسكن، كلّ ذرة في المرأة قادرة على العطاء، ومواهبها أقوى من أن تُحاصر، وأشرس من أن تُغْمَط، وهي أكثر صبرًا لتنتزع مكانها ومكانتها انتزاعًا.

ماري كوري خرجت من حضيض الفقر ومن قهر الوطن والجنس، لتصبح أول امرأة تبلغ المجد العلمي، بشهادة آينشتاين نفسه.

وُلدت ماري في أسرة بولندية من الطبقة البرجوازية المتوسطة، والتي حافظت على تقاليد الالتزام بالتعليم وتقديسه رغم ما آل إليه حال تلك الطبقة من فقر. كان جدّ ماري ووالدها لهما سمت العلماء وكان الذكاء فيهما واضحًا، غير أنّ وقوع بولندا تحت سيطرة روسيا منع جيليهما من بلوغ أحلامهما، كان جدها أحد المقاومين للغزو الروسي والثائرين على الاحتلال، وظلّ يعاني حتى أواخر أيامه من آثار التعذيب. أمّا والدها، فقد اختار طريقًا آخر للمقاومة وهو التعليم، كان يعتقد أنّ جيلًا متعلمًا ومسلحًا بالمعرفة قادر على إعادة استقلال بولندا. عَمِل معلمًا للفيزياء والكيمياء في إحدى المدارس الثانوية، إلى أن منعت السلطات الروسية المواطنين البولنديين من تدريس هاتين المادتين، وضيّقت على تعلم اللغة البولندية، فضلًا عن حظرها تدريس التاريخ والأدب البولندي. ماتت إحدى شقيقات ماري بالتيفود، ولحقتها أمها بداء السل، وقد تركت هاتان الحادثتان ظلالًا من الاكتئاب ظلت تعاود ماري في الفترات الصعبة من حياتها. ومن ملاحظات مديرة مدرستها عنها أنّها على الرغم من تفوقها فإنّها تعاني من حساسية زائدة يُخشى فيها على عقلها، ونصحت والدها بأن يتريث عامًا قبل إلحاقها بالصف التالي، وهذا ما رفضه الأب الذي قدّم لابنته في مدرسة أعلى، كانت فاتحة لتنامي الشعور القومي لدى ماري، خاصة وهي ترى كيف يُعاني الطلاب البولنديون من التهميش في المدرسة، ويُحجر على الثقافة واللغة البولندية. 

جلست ماري كوري بتواضع بين أعظم عقول القرن العشرين، تؤكّد أنّ للمرأة عقلًا يبدع، وقلبًا يربّي، وساعدين يزرعان الحياة.

تخرّج أولاد سكلادوفسكا في المدرسة العليا، وقد جاء الوقت ليلتحقوا بالجامعات، وعلى الرغم من أنّ والد ماري لم يفرّق في تعليم البنات والأولاد، غير أنّ أمواله كلها ذهبت لإلحاق ابنه جوزيف بكليّة الطب، كانت الأختان برونيا وماري لهما تطلعات كبيرة نحو مستقبليهما، حلمت برونيا بأن تصبح طبيبة، وحلمت ماري بأن تصبح عالمة، غير أنّ الفقر وقف في طريق حلميهما، كذلك لم تكن هناك جامعة في وارسو تُلحق الفتيات في صفوفها، فانضمت بعد تخرجها في المدرسة العليا، إلى جامعة سرّية أنشأها أحد البولنديين الوطنيين ضمت (200) امرأة، غير أنّ السلطات الروسية علمت بأمر هذه الجامعة فنفت معلميها، وأنشأ وطنيون بولنديون جامعة متنقلة، ليس لها مقر محدد، ولا أوقات محددة بنظام تعليم سرّي، لم تستطع أن تسيطر عليه السلطات الروسية، فتركتهم إذا لم يكن هناك خطر كبير من وجهة نظرها ممّا يمكن أن تفعله الفتيات.

مطاردة الحلم

لم يكن هذا كافيًا لإرضاء طموح الأختين المثابرتين، فعزمتا على الالتحاق بجامعة السوربون في فرنسا، والعمل لجمع المال من أجل الحُلم، بدأتا العمل كمدرّستين خاصتين تتنقلان داخل البيوت لتعليم الأطفال، غير أنّ أجر هذه المهنة كان زهيدًا، فقررت ماري أن تعمل مُربية لدى إحدى الأسر الثرية، ولم يكن لماري سمت الخادمات فكانت تتعامل بندية مع الجميع معتزة بانتمائها للطبقة المتوسطة، وبعد ثلاثة أشهر من العمل فقط تركته، وكتبت ماري تقول: "على المرء ألّا يحتك بالناس الذين أفسدت الثروة أخلاقهم".

لم تكن برونيا قد جمعت من المال سوى ما يُغطي تكلفة عام واحد فقط من الأعوام الخمسة التي يجب أن تقضيها في باريس لدراسة الطب، فأخبرتها ماري بأن تسافر وستكمل هي العمل هنا، وترسل لها نصف راتبها، وبعد أن تنهي دراستها تستطيع ماري اللحاق بها، وانفجرت برونيا باكية أمام تضحية ماري.

ورثت ماري من جدها ووالدها حبّ العلم والمقاومة، وتعلّمت أنّ المعرفة سلاح يُنتزع به الاستقلال ويُقاوَم به القهر.

سافرت برونيا إلى فرنسا لدراسة الطب، والتحقت ماري بخدمة إحدى الأسر الثرية للمرة الثانية، كانت هذه الأسرة في تعاملها مع الخدم أفضل حالًا من الأسرة الأولى، وكانت لديهم ابنة في عمر ماري، دعتها كثيرًا للحفلات الراقصة التي كانت تُعدّ بشكل دائم، ولكنّها كانت ترفض، لأنّه لم يكن لديها ملابس تليق بهذه الحفلات من جهة، ولأنّها لم تعد قادة على الاختلاط بالناس السطحيين. كانت تقضي طوال الليل تدرس في حجرتها، وتستيقظ قبل السادسة تؤدي مهامها المنزلية. كتبت عن هذه الفترة تقول، إنّها درست بشكل مستقل كتاب الفيزياء لدانيال، وكتاب علم الاجتماع لهربرت سبنسر باللغة الفرنسية، وكتابًا في التشريح والفسيولوجيا لبول بيرس باللغة الروسية، وناضلت لتعليم نفسها استعدادًا للالتحاق بأختها في باريس، ولم يكفّ والدها عن إرسال مسائل رياضية لها لتحلها، وحذّرها من أن تنشغل بأيّ شي عن التعليم. كانت ماري على موعد مع أمر آخر لم يكن ضمن خططها، إذ وقعت الشابة النابهة في الحب، فقد كان لهذه الأسرة ابن يدرس الرياضيات في إحدى الجامعات، عاد في أحد فصول الربيع ليجد في البيت مربية ذكية تدرس الرياضيات والفيزياء وتتكلم ثلاث لغات بطلاقة وتكتب بها، وقع الثنائي في الحب، وفاتح الشاب أسرته برغبته في الزواج من ماري، انتفضت الأسرة كلها ضد هذا الزواج، فكيف لكازميير ابنهم الجامعي الثري الذي يدرس الرياضيات أن يتزوج من خادمة معدومة تعمل في البيوت، شعرت ماري بالمهانة وكتبت تقول: "لن أذكر شيئًا عن ملابسي المهترئة التي تحتاج للإصلاح، فإنّ روحي هي الأخرى قد اهترأت". عاودت ماري نوبات الاكتئاب "لقد سقطت في الملنخوليا السوداء".، وهي في غمرة هذه الأحزان أرسل إليها والدها يبلغها أنّه وجد وظيفة راتبها مُجزٍ، ستمكنه فيما بعد من التقاعد بشكل محترم، وأنّه ليس عليها بعد الآن أن ترسل مالًا لبرونيا، غادرت ماري أسرة كازميير مرفوعة الرأس بعد أن حلها والدها من ارتباطها السابق مع أختها.

ماتت شقيقتها بالتيفوئيد، وأمها بالسل، لتعيش ماري شبح الاكتئاب مبكرًا، وتدرك هشاشة الحياة وعظمة الهدف.

كلفت هذه العلاقة ماري أربع سنوات حتى تخرج من المحنة، أرست بعدها مبدأ لباقي حياتها: "لا تدع قط أحدًا أو حادثًا يهزمك"، وفي أيلول (سبتمبر) من عام 1891، أي بعد (8) أعوام من اتفاقها مع أختها، كتبت لها تستقدمها لباريس، وتعطيها غرفة من منزلها، إذ كانت برونيا قد تزوجت من طبيب بولندي واستقرت هناك، خرجت ماري من وارسو بحشية من الريش، وطعام وماء وكرسي بلا ظهر، وابتاعت أرخص تذكرة نحو باريس، واستقبلتها أختها في بيتها الذي كان عيادة أيضًا تستقبل برونيا وزوجها فيها المرضى.

سجلت ماري أوراقها في كلية العلوم، وعكفت على استذكار الرياضيات حتى تكون جاهزة إذا ما بدأت الدراسة، وكان للضجيج الذي يعج به منزل برونيا نهارًا بالمرضى، وليلًا بالمهاجرين البولنديين الذين يناقشون أحوال بلادهم، تأثير خانق على ماري التي كانت تحتاج للهدوء للدراسة، فعزمت على أن تستأجر غرفة في أحد الأحياء الباريسية الفقيرة مع حاجتها الشديدة للمال، وغادرت منزل برونيا، وتنقلت أثناء دراستها في كلية العلوم بين أربع غرف بائسة ومتشابهة في أحياء تعج بالفنانين الفقراء و العاهرات والعمال، ووصفت برودة تلك الغرف، فقالت: إنّ المياة كانت تتجمد في إناء الاغتسال من شدة البرد، وكانت تضطر في بعض الأيام للنوم تحت كل ما تملك من ملابس لتشعر بالدفء، وتعيش أيامًا على وجبة مكونة من بيضة واحدة. كانت ماري واحدة من (23) طالبة ضمن أكثر من (2000) طالب سجلوا في كلية العلوم، وكان من أشهر أساتذتها هنري بوانكريه الفيزيائي والرياضي والفلكي الكبير، وفي نهاية العام كانت ماري سكلادوفسكا الأولى على دفعتها، وتقدّمت للحصول على درجة علمية في الرياضيات في تموز (يوليو) عام 1894 وحصلت على المركز الثاني، ونتيجة هذا التميز أعد لها أستاذها جابرييل ليبمان منحة دراسية بمبلغ (600) فرنك، لتدرس خواص المغناطيسية لأنواع الصلب المختلفة، لكنّ الأجهزة المعدة لهذه الدراسة كانت كبيرة وثقيلة ولن يسعها معمل أستاذها، فرشحت لها واحدة من صديقاتها الأستاذ بيير كوري ليُساعدها إذ كان قد اخترع عدة أجهزة أحجامها أقلّ، قد تساعدها في عملها.

لم يكن التعليم للفتيات متاحًا، لكن ماري التحقت بجامعة سريّة، تُعلّم في الظلام، وتنشُر النور في زمن الطغيان الروسي.

على الرغم من شهرة بيير المتواضعة فقد عُدَّ في الأوساط العلمية واحدًا من علماء فرنسا الأفذاذ، وأملت ماري أن يقدم لها المساعدة حول بحثها عن "رصد المغناطيسية في الأجسام الصُلبة"، وحينما تستعيد ماري أول لقاء بينها وبين بيير تقول: إنّها وقفت أمام رجل طويل وفي مقتبل العمر لا يخلو من رهافة ورقة وبدا لها عطوفًا جدًا، أمّا بيير، فقد كانت له وجهة نظر خاصة في النساء عمومًا، إذ كان يراهن مُعيقات للرجال الأفذاذ وشديدات الشره للحياة، وعلى الرجل النابه عدم التورط معهن، وكان يرى أنّ "العبقرية في النساء أمر نادر"، حتى قابل العبقرية نفسها ووقع في غرامها، وسمحت لهما علاقاتها المتعاونة والهادئة التي تتسم بالانعزالية عن الناس على تفجر عبقريتهما، بل إنجاب جيل ممتد من النساء العبقريات.

نبوغ وتحدٍّ

كانت أسرتا بيير وماري متشابهتين جدًا، فقد نشأ بيير في أسرة فقيرة تقدّس المعرفة، وكان والده رجلًا نابهًا ومتقدّمًا عن أهل زمانه، أدرك أنّ التعليم المدرسي لن يقدّم لعقل ابنه الفذ، فخطط لتعليمه منزليًا، وصنعت منه هذه التنشئة عالمًا حاد الذهن في الجوانب العلمية، مع ضعف واضح في قدرته على القراءة والكتابة اللتين لم يتقنهما تمامًا، حتى قيل إنّه ظل حتى أواخر أيام حياته يكتب بخط طفل.

تفوّقت ماري على أكثر من ألفي طالب، وحصلت على منحة بحثية، لتبدأ رحلتها مع بيير كوري نحو الخلود العلمي.

أمّا ماري، فقد  قدّرت بيير وعقله، وقدّرت أكثر من ذلك تفهمه لمحبتها لعملها، حتى أنّها قالت في إحدى مراسلاتها لأختها إنّه مسّ شغاف قلبها حين عرف ما يعنيه لها العمل أكثر من حديثه عن الحب، وهكذا اقتسم بيير وماري الحياة والعمل والنجاح والشهرة والخلود. أنشأ بيير معملين في جزء من البيت حتى يحفظ خصوصيتهما، كانت الخصوصية ركنًا أساسيًا في حياة هذين الزوجين المختلفين اللذين عاشا لأهداف كبيرة.

اقتسمت الأختان الحُلم والعمل، وسافرت برونيا تدرس، وبقيت ماري تُربّي وتُدرّس وترسل المال، لتمنح أختها مستقبلًا طبيًا.

رزقت ماري في سن الثلاثين بابنتها الجميلة إيرين، وواصلت أبحاثها حتى قدّمت ورقة علمية تتضمن اكتشافًا جديدًا حول نشاط الذرة، تضمنت تلك الورقة  كشفًا جديدًا، فقد لاحظت أنه عند دراسة مواد تحتوي على عنصري اليورانيوم والثريوم يصدر عنهما نشاط إشعاعي غير عادي، وأكبر بكثير ممّا كان متوقعًا، وقالت: إنّ اليورانيوم والثريوم لا يُظهران هذا النشاط الإشعاعي الكبير، لكن في شكلهما الخام يفعلان، واستنتجت أنّها أمام اكتشاف عنصر كيميائي جديد، وأمام السباق المحموم بين علماء فرنسيين وإيطاليين حول دراسة العناصر المشعة، كانت ماري في سباق مع الزمن حتى تصل بكشفها المثير أوّلًا، ولتعلن في مقالة بحثية منشورة اكتشاف عنصر الراديوم والبولونيوم كعناصر شديدة الإشعاع، وقد استغرق هذا الاكتشاف عامًا واحدًا فقط كانت تسابق فيه الزمن.

ظنّ بيير أنّ العبقريات نادرات، حتى قابل ماري، فوقعت العبقرية في حبّ ذاتها، وتحول اللقاء إلى شراكة علمية وإنسانية.

تم اكتشاف الراديوم والبولونيونم نظريًا فقط، وكان على ماري أن تُثبت للمجتمع العلمي أنّ هذين العنصرين موجودان ولهما وزن ويمكن رؤيتهما حقًا، وليس مجرد استنتاج، ولكي تفصل هذين العنصرين من  خام البيتشلبلند، استغرق الأمر سنوات، عانت فيها هي وبيير أشد المعاناة، فقد كانت طرق الفصل يدوية وبدائية، ولم يكن المعمل حديثًا بما يكفي أو لديهما مساعدون مُفرغون يعاونوهما، فضلًا عن أنّ ماري وبيير لم يكونا على علم بآثار عنصر الراديوم على الجسم، فبدأ بيير يشعر بآلام في عظامه عزاها للمجهود الكبير الذي يبذله في التقطير، وفقدت ماري الكثير من وزنها، لكنهما واصلا العمل، ليحصلا بعد أكثر من أربع سنوات ومعالجة أطنان من الخام ثم تقطيره وفصله على ما يقدّر بأقل من ربع معلقة شاي من الراديوم النقي، غير أنّ حفيدة ماري جاءت بعد عدة سنوات لتعيد تصحيح هذه النسبة التي كلفت جديها جهدًا جبارًا، فقد كانت الكمية التي استخلصاها أقلّ من واحد على خمسين من ملعقة صغيرة، إلا أنّ هذا نفسه كان إنجازًا عظيمًا، فقد كانت هذه النسبة الصغيرة قادرة على أن تجعل مياهًا مجمدة تصل إلى الغليان خلال ساعة، وكان بيير قد حصل في العام نفسه على وظيفة أستاذ للفيزياء في جامعة السوربون.

رفضت ماري الانتماء للخدم، وكتبت: "على المرء ألا يحتك بالناس الذين أفسدت الثروة أخلاقهم"، وفضّلت العلم على المجاملة.

وفي عام 1903 عمل أربعة من العلماء البارزين على ترشيح كل من بيير كوري والعالم هنري بيكيريل للفوز بجائزة نوبل في الفيزياء، ولم يشر هذا الخطاب إلى السيدة ماري، مع أنّ اكتشافات ماري وجهودها معروفة لدى المجتمع العلمي، وكان السبب الوحيد لهذا التحيز هو كونها امرأة، لكن عندما بلغ بيير أنّه مرشح للفوز بالجائزة دون زوجته صَرّح بأنّه لن يقبل الجائزة إلا إذا ضمت ماري. واحتد النقاش بين أعضاء اللجنة حتى ضُمّت ماري أخيرًا، وقد جاء في حيثيات منح الجائزة أنّهما أسهما في "بدء فرع جديد في أبحاث الكيمياء" كما "أسهما أيضًا في أعظم وأروع طرق الدراسات الدؤوبة".

بعد أعوام من التضحية، لحقت ماري بأختها إلى باريس، تحمل كتبها وحلمها وكفافها، مستعدة لولادة جديدة.

ومع أنّ الزوجين قبلا الجائزة، لكنّهما لم يتمكنا من الذهاب إلى السويد لاستلامها في حضور الملك أوسكار الثاني ملك السويد، ذلك أنّ ماري عاودتها نوبات الاكتئاب الحادة على إثر فقدان حملها وهي في شهرها الخامس، ولم يكن  مرّ وقت كثير على فقدان والدها، ليعود وينقذها من الاكتئاب والعزلة تشكيك أحد العلماء في صحة اكتشافها، إذ ادّعى أنّ عنصر البولونيوم الذي اكتشفته ماري ما هو إلا مُركّب، وقد استند على كلام ماري نفسه من أنّه سريع التبخر، واندفعت ماري تثبت أنّ ذلك العالم فسّر كلامها بشكل خاطئ، ولتثبت له، أو بالأحرى للمشككين في عمل المرأة، بأنّ البولونيوم عنصر جديد، وقد كلفها هذا الإثبات عامين، تمكنت فيهما من وضعه تحت رقم84 في الجدول الدوري لمندليف ووزن 212.

أحبت ماري ابن العائلة الثرية، فرفضوه لكونها خادمة، فكتبت: "روحي مهترئة كملابسي"، وسقطت في الملنخوليا السوداء.

وكان لاكتشاف عنصر الراديوم وحصول علماء بسببه على جائزة نوبل، أثر السحر على الصحافة والمجتمع، وحتى على الناس العاديين، فقد انبرت الصحافة تكتب عن الزوجين الفقيرين اللذين حصلا على جائزة نوبل، وعن القدرات المذهلة لعنصر اليورانيوم، وراحت المصانع تدخله في كل شي وتزعم بقدراته المعجزة، فأدخلا الراديوم في صناعة المساحيق التي تقضي على الشيخوخة، وفي وصفات الطعام، وفي صناعة الملابس والحقائب، وادّعوا أنّ له قدرة سحرية على فحولة الرجال والشباب الدائم للنساء، حتى أنّ أحد رجال الأعمال واظب على شربه صباحًا، فمات بألم شديد من سرطان المعدة بعد أن تحللت عظام وجهه، وأصبح الراديوم سلعة. والغريب أنّ أحدًا لم يتحدث عن النشاط الإشعاعي نفسه الذي اكتشفه آل كوري، واندفع الناس وراء الجنون المحض، ونتيجة الشهرة فقدت أسرة كوري أهم أعمدة قوتها وهي الخصوصية التي جعلت هذه الأسرة تتفرغ لأعظم إنجازات العصر، وانهالت المراسلات والزيارات على منزل الزوجين، حتى أنّهما لم يستطيعا أن يكملا دراساتهما في تلك الفترة التي اتّسمت بالفوضى.

درست في غرفة تتجمد فيها المياه، ونامت تحت كل ثيابها لتشعر بالدفء، وعاشت أيامًا على بيضة واحدة فقط.

وبعد أن هدأت تقليعة اليورانيوم وهدأت الصحافة، راحت عائلة كوري تستعيد سيرة حياتها الأولى، وعادت للانهماك في العمل من جديد، لم يلاحظا في ذلك الوقت موت حيوانات المعمل، ولم يربطا بين ذلك وبين العنصر الجديد، وانهمك بيير في أبحاثه بالمشاركة مع أطباء لتطبيق استخدامات الراديوم في المجال الطبي، واستمر إحساسه بالتعب حتى أنّه وصل إلى درجة لم يستطع فيها ارتداء ملابسه بمفرده، مع آلام مستمرة في عظامه، وكانت السيدة كوري قد وضعت ابنتها الثانية "إيف"، وقررت أن تحصل على شيء من اليُسر والسعة بعدما كانت تقتصد في كل شيء، فقد كانت تعيد تصليح ملابسها وترتديها، وتبحث في أرجاء معملها عن الأوراق التالفة وتعيد كتابة الملاحظات عليها، وكانت الأسرة بحلول عام 1906 لأول مرة تكتفي من النقود بحيث لم يعد أمر تدبيرها همًّا مستمرًا بالنسبة إلى العائلة.

استخرج الزوجان أقلّ من خمسين جزءًا من ملعقة راديوم من أطنان الخام، وكانت تكفي لغلي المياه خلال ساعة.

بدا آل كوري أكثر سعادة واستقرارًا هذه الأيام، حتى مع الشكوى المستمرة لبيير من صحته، وفي يوم من الأيام وهو عائد من مقابلة مجموعة من أصدقائه العلماء، كان الجو ممطرًا ومزدحمًا بالعربات والناس، وبينما كان بييريعبر الشارع على قدميه التي أصيبت إحداهما بالعرج مؤخرًا، اصطدم بحصان يجر عربة، وإذ بالحصان يرفع قوائمه الأمامية، فاستقر جسد بيير المنهك بين قائمتيه ومرت عليه العربة التي حطمت رأسه، ومات على الفور، وقيد سبب الوفاة حادث سير، دون أن يشك أحد في ذلك العنصر الجديد.

ويمكن أن نفهم مشاعر كوري بعد خبر موت زوجها من خلال حديث ابنتها "إيف" التي كانت بالكاد تخطت عامها الأول عند موت والدها، والتي كتبت تستعيد تأثير تلك الحادثة على والدتها، تقول:

"كانت منذ لحظة وصول الكلمات الثلاث "بيير قد مات" لوجدانها وكأنّها دخلت في كهف من الوحدة والعزلة إلى الأبد. وفي هذا اليوم من نيسان (أبريل) لم تكن مدام كوري مجرد امرأة أرملة، بل في الوقت نفسه وحيدة ومسكينة لدرجة لا يمكن علاجها".

كانت ماري تقول: "ما مسّ شغاف قلبي في بيير، أنّه فهم ما يعنيه لي العمل أكثر من أيّ حديث عن الحب".

ومن الغريب أنّ هذه الأسرة العلمية كانت تؤمن بتحضير الأرواح، وكان الزوجان يذهبان إلى تلك الجلسات مع علماء آخرين، كان لديهم إحساس قوي بأنّ الفراغ من الممكن أن يحمل طاقات أخرى قد تكون أرواحًا، وقد كانت هذه سمة العصر الذي عاش فيه الزوجان، فقد كانت جلسات تحضير الأرواح ممارسة منتشرة في أوروبا آنذاك، غير أنّ الغريب هو أن تؤمن به أسرة علمية، ويحضره علماء ويسجلون عنه الملاحظات كما لو أنّهم في معمل يدونون تجربة، وكانت ماري تؤمن به كذلك حتى أنّها كتبت في مذكراتها مستخدمة أفعالًا تخاطب بها بيير كما لو أنّه كان حاضرًا، وذكر هنري بوانكريه أنّه عندما رفض ضم ماري إلى أكاديمية العلوم، جاءت روح بيير إليها مواسية، وقالت لها: "سيختارونك المرة القادمة".

رحلة البحث عن عزاء

عادت ماري للمعمل جسدًا دون روح، انكبت على عملها لتهرب من غياب بيير، وكانت قد وصلت إلى درجة من الشهرة والمكانة في المجتمع حتى اختيرت لتشغل محل زوجها في الجامعة، وكانت أول امرأة تحصل على ذلك المنصب في السوربون، ويوم محاضرتها الأولى كانت القاعة المعدة لاستقبال (120) طالبًا مزدحمة بالمئات من الطلبة والصحفيين والناس العاديين الذين جاؤوا ليساندوا ويعربوا عن محبتهم وتقديرهم لهذه المرأة. واصلت السيدة كوري أبحاثها عن الإشعاع ومتابعتها لبنتيها إيرين وإيف، وقد أظهرت الأولى براعة غير عادية في الرياضيات والفيزياء، حتى أنّها كانت تدرّس الرياضيات المتقدمة وهي في سن الحادية عشرة، وفي الرابعة عشرة سمحوا لها في المدرسة بتدريس هذه المواد لزميلاتها، أمّا إيف التي لم تُبدِ أيّ ولع بالرياضيات والعلوم كباقي أفراد عائلتها، فقد كانت شديدة الولع بالموسيقى حتى أنّ ماري دربتها على يد موسيقي شهير أخبرها بأنّ ابنتها تملك موهبة غير عادية في الموسيقى، وأحضرت السيدة التي عاشت عمرها كله على الاقتصاد والتدبير بيانو أصابعه من العاج الفاخر لإيف.

رُشّح بيير لنوبل وحده، فرفض الجائزة دون زوجته، وقال: "لن أقبلها إلا إذا ضمّت ماري"، فكان الإنصاف.

توسعت نشاطات ماري، وزاد عدد المساعدين لها في المعمل، وصارت قياساتها الأكثر دقة، وكانت المعامل والمصانع تستعين بالعينات التي تعمل عليها لأنّها أفضل من أيّ عينات أخرى، واستمرت أيضًا في بحوث خاصة بتطبيق العناصر الجديدة المكتشفة في مجال الطب والصناعة. وبينما هي غارقة في هذه الانشغالات يحدث أن تقابل عالمًا عبقريًا كان تلميذًا سابقًا لبيير، اسمه بول لانجفين، يصغرها بخمسة أعوام، وتوطدت العلاقة بينهما، وحكى لها عن زواجه التعس، وبدا أنّ ماري كانت مستعدة ومنفتحة لمرحلة جديدة من حياتها، حيث ارتدت في حفل ضم عددًا من الأصدقاء فستانًا أبيض على أحدث صيحات الموضة، وهي المعتادة على لبس الأسود، ولم تكن أبدًا تشبه نفسها، وكان السبب في ذلك بول، غير أنّ هذه السعادة لم تدم، إذ سرعان ما انكشفت هذه العلاقة لزوجة بول، التي يبدو أنّها لم تكن مهتمة بخيانات بول السابقة، لكنّها شعرت بالألم من خيانته لها مع تلك المرأة المهمّة، فعينت مخبرًا خاصًا استولى على مراسلات بول وماري الخاصة، وهددتها السيدة بول بأنّها تُعدّها للنشر، وقد هَزَّ هذا التصرف المرأة القوية، فقررت أن تشغل نفسها والسفر لحضور مؤتمر سولفاي 1911 الذي حضر فيه ألمع علماء العصر، بوانكريه وآنشتين ورزرفود، وبول أيضًا، وعلى غير المنتظر، وأثناء المؤتمر أعلنت اللجنة الخاصة بجائزة نوبل منح السيدة كوري الجائزة للمرة الثانية في مجال الكيمياء نظرًا لقياساتها الدقيقة وإنتاجها لعينات نقية من عنصري الراديوم والبولونيوم، وفي التوقيت نفسه كانت زوجة بول قد أرسلت رسائل ماري الخاصة للصحف.

عندما عادت ماري إلى فرنسا كانت الفضيحة قد انتشرت، وانتهز خصومها هذا الحدث، وخاصة الأجزاء من الرسائل التي قالتها في فورة غيرتها وهي تشرح لبول كيف يتخلص من زوجته، وكانت موجة العداء للسامية والكراهية للأجانب تتصاعد في فرنسا، حتى أنّ بعض الأساتذة في السوربون طلبوا من ماري مغادرة البلاد، وانتهز أعداء نجاح النساء هذا الحدث ليلطخوا سمعتها وليقضوا على الرمز الكبير الذي اسمه ماري كوري، تناولتها الصحف بالتجريح والسبّ، وسبّ كل النساء اللواتي وقفن معها، ووصفوها بالشيطانة والملعونة، ولم تذكر هذه الصحف، حتى ولو هامشيًا، أنّها هي المرأة نفسها التي حصلت للتو على جائزة نوبل للمرة الثانية... كانت ماري تعيش ألمًا رهيبًا هي وبناتها.

من المؤكد أنّ كل هذا لم يحدث لو أنّ ماري كوري كانت رجلًا، حتى أنّ بول نفسه لم يُوجّه له أيّ أذى بسبب هذه المشاعر التي خصتهما معًا، كانت ماري تقاسي في العمل والحياة لأنّها امرأة. 

أنقذها الشكّ العلمي من الاكتئاب، فأثبتت أنّ البولونيوم عنصر حقيقي، وغيّرت الجدول الدوري، وغيّرت التاريخ.

أعتقد أنّ ماري لم تكن تحبّ بول حبًا حقيقيًا، وإنّما هي مغامرة من جانب ماري  لاستنقاذ نفسها من الاكتئاب والعزلة بعد موت بيير، ولا أعتقد أنّها كانت مشاعر جادة، ربما لم تكن غير محاولة ليعاودها الإحساس بالحياة من جديد، واستدعاء المشاعر نفسها التي عاشتها مع بيير، وربما أرادت أن تُحلّ بول محل بيير في المعمل، وأن تستعيد إحساس الثنائي المتفاهم الذي يغيّر وجه العلم.

إلا أنّ الأغرب من موقف الصحافة والمجتمع من علاقة ماري وبول، هو موقف أحد أعضاء لجنة جائزة نوبل الذي أرسل إلى السيدة كوري يخبرها في إشارة إلى الفضيحة بأنّه لو كانت اللجنة علمت بصحة هذه الرسائل المنشورة قبل قرار المنح، لكان تغير هذا القرار، فأجابته السيدة كوري بالردّ المنطقي: ما علاقة حياتي الشخصية والتشهير بسمعتي بجهودي العملية في أبحاث النشاط الإشعاعي؟!.

نضال من أجل الإنسانية

حصلت السيدة ماري كوري على جائزة نوبل للمرة الثانية، لتعود من السويد وقد أصابها الاكتئاب على نحو أشرس، وتبدو من مراسلاتها أنّها حاولت الانتحار، لكنّها تعافت بعد عام من صحبة ابنتيها ومعونة بعض الأصدقاء، وفي عام 1913 سلمت ماري اللجنة العليا لمعيار الراديوم عينة في علبة زجاجية محكمة الإغلاق تزن 21.99 مليجرامًا من الراديوم، وأطلق على هذا المعيار المؤسس "كوري" تخليدًا دائمًا لذكرى هذه العائلة وعطاءاتها، وفي العام التالي شُيّد معمل كوري للأبحاث، وأشرفت السيدة ماري بنفسها على مراحل تأسيسه.

شرب الناس الراديوم طمعًا في الخلود، وماتوا، بينما فقد آل كوري خصوصيتهم وسط جنون الإعلام والشهرة.

في الثالث من أيلول (سبتمبر) عام 1914حيث الحرب العالمية الأولى، كانت المرأة نفسها التي شهّرت بها باريس وشوّهت سمعتها ليس لشيء غير أنّها امرأة، تندفع وسط الجموع الفارة بعد أنباء تقدّم الألمان نحو باريس تحمل حقيبة ثقيلة جدّا، تحوي أنبوبًا فيه بروميد الباريوم، وهو مُغلف برصاص عازل، وقد كانت هذه الكمية الصغيرة "ثروة فرنسا القومية" وكلّ ما تمكله من هذا العنصر بعد استخلاصه، وعليها أن تخفيه حتى لا يقع في يد الألمان. لم تكن كوري المرأة الوحيدة التي اندفعت بهذه العاطفة القوية نحو فرنسا التي اعتبرتها وطنها وأحبتها كما أحبت في صغرها بولندا، كانت السيدات الفرنسيات أيضًا يقمن محل الرجال في المهن التي غادروها إلى الجبهة، وعندما رأت ماري الأعداد الكبيرة من الجنود الفرنسيين العائدين دون أطراف، دفعت بوحدات متنقلة من الأشعة السينية التي أثبتت كفاءتها في الكشف عن كسور العظام، ودفعت بابنتها إيرين ذات السبعة عشرة عامّا إلى الجبهة لتجري الأشعة بنفسها، وتدرّب فريق الممرضات في الميدان حتى وصل عدد الذين خضعوا للفحص مليون إنسان، وتمكنوا من إنقاذ الكثير من الأرواح. من أيّ طينة جُبلت أرواح العلماء يا الله؟!.

وبعد انتهاء الحرب واصلت ماري العمل مع ابنتها إيرين داخل معمل عائلة كوري، وقد أثبتت إيرين لأمّها كفاءة واقتدارًا جعلتها تُسلم قيادة المعمل لها. كانت إيرين قد تزوجت من عالم عبقري أيضًا "فريدريك جوليا" وتابعا الأبحاث معًا، وكان وقوفهما في المعمل يستحضر في الأذهان فورًا ماري وبيير، وقد رُزقت إيرين بطفليها "هيلين" و"بيير"، واكتشفت أنّها مصابة بالسل الرئوي، وواصلت العمل دون أن يوجه أحد اتهامًا لذلك العنصر الذي كانت تسمّيه ماري بـ "طفلي".

أسهم الزوجان إيرين وفريدريك في اكتشافات رائعة في طريق البحث عن المواد المُشعة، وأعلنا في كانون الثاني (يناير) عام 1934 اكتشافهما للإشعاع الصناعي الذي يُعدّ "واحدًا من أعظم اكتشافات القرن"، كانت فرحة ماري لا توصف بهذا حتى مع انهيار جسدها، إذ عاودها السل وحصوة المرارة وطنين الأذن الوسطى، وأجرت عمليتين لإزالة المياه البيضاء من عينيها، ورفضت إجراء فحص الدم. كانت ماري في معملها عندما شكت من صداع وحمى شديدتين، وساءت حالتها جدًا، ودخلت في غيبوبة، وكانت آخر كلمة قالتها: "أريد أن أترك في سلام". وقال طبيبها إنّه شيء يشبه المعجزة أنّها عاشت إلى سنّ 67 عامًا، وشُخص سبب الوفاة بأنّه فقر دم.

بعد موت بيير، دخلت ماري كهف الوحدة، وعادت للمعمل جسدًا دون روح، لتثبت أنّ العلم عزاء العظماء.

دُفنت ماري بجوار بيير في سيو، وظلت في هذه المقبرة (61) عامًا، قبل أن يُنقل جُثماناهما إلى مدافن الخالدين.

ويُذكر أنّ ماري وبيير كانت أصابعهما صلبة ومتشققة، وفقدا الإحساس بها، وفي صورة شهيرة تظهر ماري وهي تمصّ المواد الخطرة باستخدام الماصة بفمها مباشرة، كما كان تعرّض إيرين أيضًا للإشعاع في المعمل وللأشعة السينية على الجبهة أثر على صحتها، حتى أنّها أصيبت بسرطان الدم، وماتت عن عمر يناهز 59 عامًا، وبعدها بعامين اعتلت صحة زوجها متأثرًا بإشعاع الراديوم، وكان قد وصف فريدريك معاناة عائلة كوري مع الراديوم بأنّه "مرضهم المهني".

رغم التشهير بعلاقتها مع بول، بقيت ماري صامدة، وقالت: "ما علاقة حياتي الشخصية بجهودي في النشاط الإشعاعي؟".

لم تعش ماري حتى ترى ابنتها تحصل على جائزة نوبل، ولم ترَ الصراع العلمي المحموم الذي خاضته مع العلماء الألمان، حتى أعلنت أنّ العناصر التي اكتشفها الألمان واعتقدوا أنّها عناصر أثقل من اليورانيوم، لم تكن عناصر جديدة، بل كانت انشطارات ذرية لليورانيوم نفسه، ولم يكن هذا غير تخليق نظائر أخرى له، مؤكدة كلام العالمة مايتنز التي كان بينها وبين إيرين تنافس علمي حاد. وكان اكتشاف انشطار الذرة قد مهدّته بحوث الزوجين (فريدريك وإيرين) في النشاط الإشعاعي الصناعي، وكان هذا الاكتشاف فاتحة الأمل والعذاب الكبير للبشرية، فقد وضعهما هذا الاكتشاف على بُعد خطوة من صنع القنبلة النووية. لقد كان مسلك عائلة كوري بعد أن علما كل هذه الأسرار عن الذرة، وخاصة سر انشطارها وطاقتها الجبارة، هو كيف يستخدمان هذه الطاقة في السلم، وهو ما عملوا عليه.

ماتت ماري كوري قائلة: "أريد أن أترك في سلام"، بعدما أفنت حياتها في تحويل الطاقة الذرية إلى أمل للإنسانية.

وكأنَّ عائلة كوري قد خُلقت للتميز، فقد عاشت إيف الابنة الثانية لماري متنقلة تنقذ حياة الأطفال بعد زواجها من مدير اليونسيف هنري لابواز، أمّا ابنا إيرين، فإنّهما لم يخلوا من جينات الإبداع، فقد كان بيير الحفيد أستاذًا في الكلية الفرنسية ومسؤولًا عن قسم الطاقة البيولوجية للخلية وحصل على نوط الشرف، وهيلين عملت مع والدها فريدريك على تطوير أوّل مفاعل ذري فرنسي، وكانت نتيجة مجهودها أن حصلت فرنسا على 80% من مصادر من طاقتها من الداخل، وناقشت هيلين رسالة الدكتوراه، وفي الخمسينيات أصبحت رائدة علمية بفضل دراساتها في استقطاب الإلكترونات المنبعثة من التحلل الإشعاعي.

لقد كانت عائلة كوري عائلة فريدة بحق، ليست العبقرية العقلية التي هي منحة الطبيعة ولا دخل للإنسان فيها هي من جعلتهم متفردين، ولكن لهذه المثابرة والكفاح والإنسانية التي عرفت كيف توظف الطبيعة لخدمة البشرية. لقد ظلت عائلة كوري في كل محاضرات أفرادها داعمة ومحبة للسلام...، فسلامٌ على أرواح آل كوري.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات
الصفحة الرئيسية