هل يسعى الحشد الشعبي لتوريط العراق مع إسرائيل لإرضاء طهران؟

العراق

هل يسعى الحشد الشعبي لتوريط العراق مع إسرائيل لإرضاء طهران؟

مشاهدة

03/09/2019

تباينت آراء النخب العراقية بشأن الاستهداف الإسرائيلي لمواقع تابعة لقوات الحشد الشعبي في قضاء القائم الحدودي مع سوريا؛ إذ لم ترتفع معدلات الاستنكار للهجمة الإسرائيلية بقدر ارتفاع النقد الموجَّه لقادة الفصائل الشيعية، الساعية إلى زجّ العراق بالحرب الباردة بين إسرائيل وإيران، فيما وجّه إعلام الحشد الشعبي منصاته باتجاه حملات تخوين "النقد السياسي" الذي يطال قادة الحشد، عبر الميديا العراقية، مما أطلق وغذّى حملات التعبير عن الرأي في مواجهة الخطر والتهديدات المستمرة من قبل ما تسمى "الجيوش الإلكترونية" التابعة لتلك الفصائل، عبر وسائل الإعلام والسوشل ميدياً عموماً.

الزعيم الشيعي مقتدى الصدر يهاجم "عنتريات" الحشد الشعبي، ويدعو الحكومة العراقية إلى فرض هيمنتها على مختلف الفصائل

ظهور زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، على مسرح الحدث، بعدما طالب قيادات الحشد الشعبي بالابتعاد عن سياسة التسقيط و"الهتافات الرنانة"، أعطى زخماً معنوياً للشباب العراقي الناشط في المجال المدني في إدانة سلوكيات بعض الفصائل المسلحة في العراق؛ حيث اتفق صحفيون وناشطون وساسة مع دعوات الصدر إلى ضرورة حصر السلاح بيد الدولة.

واتهم قادة الحشد الشعبي العراقي، في 25 الشهر الماضي، إسرائيل، رسمياً، بالوقوف وراء الهجوم الأخير بطائرتين مسيَّرتين على أحد ألويته قرب الحدود العراقية السورية.

 زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر

الصدر يطالب بتحقيق حكومي

وكان زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، قد أصدر في 27 آب (أغسطس) الماضي، بياناً تطرّق فيه إلى استهداف معسكرات تابعة للحشد الشعبي، واتهام إسرائيل، بتنفيذها عبر طائرات مسيرة.
ودعا الصدر، بحسب بيانهِ، إلى "تأييد القرارات الرسمية للحكومة العراقية، وعدم الانجرار خلف الهتافات الرنانة"، في إشارة إلى تصريحات سابقة لنائب رئيس الحشد، أبو مهدي المهندس.
وفي مخالفة صريحة لدعوة المرجع الشيعي في إيران، كاظم الحائري، طرد الأمريكيين ومقاتلتهم والردّ على إسرائيل، أكّد الصدر "ضرورة أن تعمد الحكومة العراقية إلى التحقيق في المسألة، ولو بإشراف دولي، كما بتسليم مخازن الأسلحة التابعة للحشد الشعبي إلى الحكومة العراقية وإغلاق مقراتها وتركها للحدود وخروج جميع عناصرها من سوريا".

اقرأ أيضاً: حرب بيانات بين الحشد الشعبي والدولة: مَن الأعلى كعباً في العراق؟
ولم يستبعد زعيم التيار الصدري أن تكون إسرائيل وراء الهجوم على مقرات الحشد الشعبي، قائلاً: "إنني لا أبرّئ العدو الصهيوني من أفعاله الإرهابية في العراق"، كما طالب "بعقد طاولة مستديرة لا يتحكم فيها من أسماهم الفاسدين، أو الموقِّعين على الاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة الأمريكية، في حال ثبوت تورط إسرائيل بالفعل"، داعياً إلى أن "يكون الردّ العراقي بخطوات مدروسة، تبعد العراق والعراقيين عن أن يكونوا ضحايا".

نائب رئيس الحشد أبو مهدي المهندس

سلم أولويات الوطن

وفي معرض الردّ الرسمي للحشد الشعبي على إسرائيل، يؤكّد الناشط السياسي، غيث التميمي، ضرورة معرفة "أحجام الدول" حينما يود البعض مناكفتها عسكرياً.

مطالبات سياسية بضرورة الاهتمام بالوضع الداخلي العراقي والابتعاد عن المغامرات الدولية وإعمار المناطق المحررة من داعش

ويقول لـ "حفريات": إنّ "دولاً كثيرة لا تربطها علاقات رسمية، أو شكل من أشكال التعاطف، مع إسرائيل، لكنّها تعرف حجمها وتقدّر معاناة شعبها، ولا تورّط نفسها في معالجة مشاكل تاريخية، عجز المجتمع الدولي خلال أكثر من نصف قرن على معالجتها، بكلّ الصيغ السياسية والعسكرية والاقتصادية"، مبيناً أنّ "النظام الذي لم ينجح في مشروع إستراتيجي واحد يستحق الثناء أو الذكر، (عيب أن يتحدث) عن قضايا كبرى مثل القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي"، في إشارة منه إلى النظام الإيراني.
وطالب التميمي القوى السياسية الشيعية بـ "علاج جراح العراق، لا سيما بعد خروجه من معارك شرسة خاضها ضدّ داعش الإرهابي"، داعياً إلى معالجة "تجارة المخدرات، والمشاكل الأمنية، ومحاسبة الفاسدين والمقصّرين، وتشريع قانون النفط والغاز، ومعالجة ملف المناطق المتنازع عليها، والعلاقة بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان، وغيرها، قبل أن تتحدثوا عن قضايا كبيرة عليكم، واختيار قضايا على حجمكم".

لقاء الرئاسات الثلاث مع قيادات الحشد الشعبي في القصر الجمهوري ببغداد

"بدعة الموقف الوطني" للميليشيات

إعلام الميليشيات المنضوية في هيئة الحشد الشعبي، طالب مختلف العراقيين بضرورة الوقوف مع فصائل الحشد في مواجهته هذه مع "العدوان الإسرائيلي"، داعياً إلى إعلاء الهوية الوطنية والغضّ عن الممارسات الطائفية لتلك الفصائل.

أكاديمي عراقي: الأمريكيون أبلغوا عبد المهدي بإمكانية قصف إسرائيل لمواقع الحشد في حال استمرار الأخير بنقل الأسلحة الإيرانية لسوريا

خطاب كهذا، قوبل باستهجان عالٍ من قبل عدة ناشطين مدنيين، معتبرين أنّ هذه الدعوات محاولة تبريرية وخادعة للرأي العام العراقي، وعن ذلك يقول الناشط زايد العصاد: "رأيت عشرات المنشورات التي تُدافع عن الميليشيات والمرتزقة، بحجة أنّهم عراقيون، وأنا كعراقي يتوجب عليَّ أن أُدافع عنهم فقط لأنهم عراقيون، حسناً لماذا لا نفتح جدل الجنسية على مصراعيه، ونضع مُقدمات ومعايير جديدة في التعامل مع الشخصيات والجهات والأزمات".

ويضيف العصاد لـ "حفريات": "لنقل ابتداءً: إنّ جنسية الفرد مُقدمة على أفعاله (بحسب معايير البعض) حسناً دعونا نبدأ بـ (صدام حسين)، صحيح أنّه كان مجرماً وطاغيةً ودكتاتوراً، لكنّه في النهاية كان عراقياً، ولا يجوز لنا التنكيل بهِ والوقوف ضدّه مع الغزاة الإمبرياليين"، مبيناً أنّ "هذه هي المعايير التي يستند عليها الإعلام المتطرف، في تقييم المواقف وتحديد نوع الاصطفافات".

غياب المعالجة الحكومية
وفي السياق ذاته؛ انتقد باحثون في العلوم السياسية، موقف الحكومة العراقية، تجاه أمن البلاد المتعرض للخطر، جراء مناوشات طهران وخصومها في العالم، ويقول الأستاذ في العلوم السياسية، د. رياض محمد لـ "حفريات": إنّ "دول العالم لا تمزح في قضايا الأمن والحرب، ولهذا عندما يبلغ وزير الخارجية الأمريكي، مايكل بومبيو، رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي، في أيار (مايو) 2019، وبرسالة واضحة ومباشرة أثناء زيارة الأول لبغداد، من أنّ الولايات المتحدة قد لا تستطيع منع إسرائيل من استهداف الحشد الشعبي؛ فإنّ واجب الحكومة العراقية التصرف الجدي لمعالجة الموقف قبل أن يتحوّل التلميح بالتهديد إلى هجوم إسرائيلي فعلي".

اقرأ أيضاً: مصير "الحشد الشعبي"
ويتابع محمد إنّ "واجب الحكومة الأساسي هو حفظ الأمن؛ لأنّه أساس قيام الدولة؛ بل الحضارة، وهو أساس العقد الاجتماعي بين المواطن وبين الدولة"، مضيفاً: "كان على الحكومة العراقية؛ أن توضح الحقائق للبرلمان، باعتباره الجهة المسؤولة عن إعلان الحرب، بطريقة السؤال الواضح والصريح: إسرائيل ستقصف الحشد الشعبي، إذا استمر مرور الأسلحة الإيرانية له، هل يوافق البرلمان على دخول العراق في حالة حرب مع إسرائيل؟ وما هو هدف هذه الحرب؟ هل للعراق مصلحة في كلّ ذلك؟".

وزير خارجية أمريكا مايكل بومبيو خلال لقائه رئيس الحكومة العراقية عادل عبدالمهدي في أيار 2019

المهندس "أقوى من الرئاسات الثلاث"

ولتدارك الموقف الأمني والسيادي العراقي، عقدت الرئاسات الثلاث (الجمهورية والبرلمان والحكومة) اجتماعاً بقادة فصائل هيئة الحشد الشعبي، بحضور رئيس الهيئة فالح الفياض، وسط غياب واضح لنائب رئيس الهيئة أبومهدي المهندس (القائد الفعلي للحشد).

اقرأ أيضاً: مَن سيحتوي مَن: الدولة العراقية الهشّة أم الحشد الشعبيّ؟

ويعزو المحلل السياسي قاسم المسلماوي، غياب المهندس إلى "وجود شرخ كبير بين القيادات الحشداوية نفسها، حيال التعاطي مع الدولة العراقية من عدمه"، مبيناً أنّ "رئيس تحالف الفتح هادي العامري يسعى لتدعيم مواقف حكومة عادل عبد المهدي، على اعتبار أنّ الحكومة انبثقت من تحالف الصدر- العامري، ولا يجوز للأخير إضعاف السلطة التنفيذية العراقية، الذي هو جزء أساسي منها".

ويؤكد المسلماوي لـ "حفريات"؛ أنّ "بعض الفصائل الأخرى ترى في الالتزام الإيراني أهمية شرعية أكبر من الالتزام الوطني مع العراق؛ لذا هي تعمد إلى سلوكيات تفاجئ الحكومة بها، وتجعل رئيس الوزراء في حيرة من أمره، خصوصاً بعد بيان أبي مهدي المهندس، الداعي إلى استهداف المصالح الأمريكية في العراق".

ويشير المحلل السياسي العراقي إلى أنّ تأكيد رئيس هيئة الحشد الشعبي، فالح الفياض، بأنّ "بيان المهندس الأخير لا يمثّل إلا نفسه، يؤكّد وجود حالة شرخ إداري وسياسي داخل الهيئة"، مبيناً أنّ "عدم حضور المهندس اجتماع الحشد والرئاسات الثلاث، يؤشر إلى أنّه فوق تلك الرئاسات، لعلاقته الوثيقة بإيران".

الصفحة الرئيسية