هل تراجع زعيم "النهضة" عن قيادة الحركة؟.. قراءة في حوار مع الغنوشي

هل تراجع زعيم "النهضة" عن قيادة الحركة؟.. قراءة في حوار مع الغنوشي

مشاهدة

09/11/2020

بعد أسابيع من احتدام الصراع داخل حركة النهضة الإخوانية في تونس، وتقديم الاستقالة تلو الأخرى من قيادات وازنة، خرج رئيس الحركة، راشد الغنوشي، بهيئة أبوية بحتة، تلقي باللوم على مُصدّري أزمات النهضة إلى الإعلام، وفق المنطق السلطوي المتنافي مع الديمقراطية، والمفهوم الراسخ من أنّ خلافات الأسرة الواحدة يجب ألّا تخرج خارج جدرانها.

وبحسب مفهوم الأسرة فهذا صحي، أمّا أن يندرج الأمر ذاته على أكبر حزب سياسي في تونس، يُفترض أنه يقوم على الحوار وتبادل الآراء ولا يحيا في غيتو منعزل، فإنّ الأمر لا يستوي.

 

 كلمة الهاروني التي بدت عفوية، تكشف إلى حد بعيد الطريقة التي تدار بها الحركة، والأفكار الراسخة داخلها، وهي أفكار أسرية إخوانية لا ديمقراطية

 

 وتصريحات قيادات النهضة، وعلى رأسهم الغنوشي، تثبت مرّة تلو الأخرى، أنّ النهضة، كحزب، ليست سوى واجهة تغطي على مكنون جماعة الإخوان المسلمين ومفهومها، والتي تُعدّ "الأسرة" حلقة رئيسية في هيكلها التنظيمي، كما أنشأه حسن البنا في مصر، العام 1928.

قبل حوار الغنوشي أمس على القناة الوطنية التونسية الأولى، كان رئيس مجلس شورى الإخوان، عبد الكريم الهاروني، قد خرج قبل أيام، للعلن هو الآخر، منتقداً بل مهدداً شخصيات في الحركة، لم يسمّهم، لكنّهم من ضمن مجموعة الـ100، حيث لفت في تصريحات إلى إذاعة "شمس إف أم"، بحسب ما نقله موقع "إرم نيوز"، إلى إمكانية توقيع عقوبات على الشخصيات التي تخرج أزمات النهضة إلى العلن!

 
الأستاذ راشد الغنوشي :نحن ملتزمون بالقوانين الأساسية للحزب وشخصيا لم ولن اطلب تغيير القانون وآلمتني عديد التصريحات.

الأستاذ راشد الغنوشي :نحن ملتزمون بالقوانين الأساسية للحزب وشخصيا لم ولن اطلب تغيير القانون وآلمتني عديد التصريحات🇹🇳

Posted by ‎حركة النهضة التونسية‎ on Sunday, November 8, 2020

الحديث لم يتوقف عند ذلك، فالأفجع كان تصريحه عن الغنوشي حين قال: "ماذا نفعل في رئيس الحركة؟" وذلك في معرض الحديث عن مبادرته التي اقترحها لإرجاء المؤتمر العام للحزب، والذي يفترض أن يكتب، بحسب قانون الحركة، كلمة النهاية على إدارة طويلة للغنوشي، جاوزت الفترتين المنصوص عليهما في لوائح الحركة.

اقرأ أيضاً: الغنوشي: 40% من مشاكل تونس حلها في ليبيا

كلمة الهاروني، التي بدت عفوية، تكشف إلى حد بعيد الطريقة التي تدار بها الحركة، والأفكار الراسخة داخلها، وهي أفكار أسرية إخوانية لا ديمقراطية، ففي الأسرة فقط نستطيع أن نسمع ذلك التساؤل: "كيف ننحّي كبراءنا؟" رغم أنهم فعلياً، وحتى داخل الأسر، باتوا يُنحّون بعدما لم يعودوا قادرين على مواكبة العصر.

 

الحركة لا تريد أن تستبدل أباها الروحي، ولا تريد أن يخرج أحد خارج البيت ليعرب عن امتعاضه

 

الفكرة إذاً أنّ مبادرة الهاروني التي اقترحت إرجاء المؤتمر عاماً ونصف العام أو عامين والبحث عن صيغة للتداول لا تُنحّي الغنوشي، ومن قبله حديث الغنوشي عن "الزعامة" خلال بيانه الحاد في أيلول (سبتمبر) الماضي، تؤكد على أنّ النهضة لن تتخلى عن الغنوشي الرمز بالنسبة إليها، ليس إيماناً بفائدته، ولكن بقدسية منصبه، هو بالنسبة إليها الشيخ الذي كلّما شاب شعره، زاد تقديره، وهو أيضاً كالمرشد الذي لا يُستبدل سوى لظروف قهرية.

اقرأ أيضاً: الانقسامات تعصف بالنهضة الإخوانية... لماذا يؤخر الغنوشي المؤتمر الانتخابي؟

وتُعدّ الاستقالات المتتالية من الحركة، من قيادات وازنة، بما في ذلك المستشار السياسي للغنوشي لطفي زيتون، دليلاً إضافياً على تلك الحالة، فالحركة لا تريد أن تستبدل أباها الروحي، ولا تريد أن يخرج أحد خارج البيت ليعرب عن امتعاضه، وإذا فعل، فإنه سيصبح متهماً بشقّ الصف والجحود والنكران ومعاونة أعداء الحركة في تحقيق مآربهم، وأمام مشهد كهذا تصبح الاستقالة هي الحل.

حديث ملتوٍ

بحسب الهاروني، فإنّ مؤتمر النهضة العام سيُعقد في منتصف تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري، ولم يتضح حتى الآن جدوله، وما إذا كان سيخضع للائحة من حيث طرح قضية انتهاء ولاية الغنوشي وفتح الباب للتقدم لرئاسة الحركة، أم ستطرح خلاله مبادرة إرجاء التداول والتمديد للغنوشي عاماً ونصف العام أو عامين.

وإذا عُقد المؤتمر بالفعل، وهو أمر مشكوك فيه بالنظر إلى تفشي جائحة كورونا، فإنّ السيناريو الثاني هو المرجّح، وهو ما أشار إليه حديث الغنوشي المتلفز.

وقال الغنوشي: إنه لم يرغب في إرجاء عقد المؤتمر، ويرى أنّ المؤتمرين هم أصحاب السلطة، ويشير إلى المؤسساتية داخل حركة النهضة قائلاً: حين يُعقد المجلس (الشورى) أضع يدي على قلبي في انتظار ما سيسفر عنه، في إشارة إلى عدم حسمها مسبقاً.

اقرأ أيضاً: الغنوشي يتشبث بالكرسي.. ما الجديد الإخواني في ذلك؟!

بحسب الغنوشي إذاً هو مع عقد المؤتمر، لكنه لم يخضع لمطلب الـ100 في التعهد باحترام لوائح الحركة وعدم التمديد أو الترشح مجدداً، واكتفى بنفي ملتوٍ، حيث قال: لا أنتوي الترشح لرئاسة الحركة "حتى الآن"، وهو باب موارب يحمل كثيراً من الاحتمالات، ويعيد إلى الذاكرة وعوداً إخوانية عديدة في بلدان عدة عدم المشاركة في أمر ما ثم تبديله، دون أن يطرح مسؤولوها القيد الزمني، فما بالكم بطرحه منفذاً للفرار من التعهد؟

اقرأ أيضاً: جناح الغنوشي داخل النهضة يناور بمبادرات شكلية لربح الوقت

عدم النية في الترشح، "حتى الآن"، يمكن أن تتبدل "لاحقاً" أمام ضغط من القواعد، ومطالب من أعضاء مجلس الشورى، للنزول عند الرغبة الجماهيرية العريضة للترشح، وقتها سيخرج الغنوشي معلناً قبوله، على مضض، منصباً ومكانة، كان قد وصف نفسه فيها من قبل بـ"الزعيم".

وزيادة في شعور الغنوشي باستحقاقه وذاته، كان قد قال خلال الحوار: لقد انتخبوني مرّتين دون أن أكون موجوداً، إذ لم تكن الظروف الأمنية تسمح، وهنا يتدخل المذيع طارحاً تساؤلاً: هل تشعر بخذلان أو جحود (يقصد من معارضيه في الحركة)؟ فيجيب وقد اكتسى التأثر وجهه وانخفضت نبرته: في كل حال إخواني مارسوا حقوقهم في الرأي، وفي حرّية الرأي.

وتابع: هذا ليس بجديد في الحركة، الشيخ عبد الفتاح (في إشارة إلى مورو) قد استقال في أيار (مايو) الماضي، والحبيب اللوز عنده رأي، نحن لسنا نسخاً متطابقة، كلٌّ عنده شخصيته، نجتمع حول الإسلام الديمقراطي، قيادة المؤسسة، سلطة القانون، ونختلف بعد ذلك حول مثلاً سياسة التوافق... حكومة الفخفاخ (...)، هذا اختلاف في الرأي السياسي.

اقرأ أيضاً: هل تثبت تهمة التزوير على الغنوشي؟

واستطرد:  شو جديد إذا كانت الخلافات قديمة في النهضة؟ الجديد أنّ الخلافات هذه خرجت للإعلام، وهذا يؤلمني، البعض يستقوي على بعض بالإعلام، أبلغني المسؤول الإعلامي أنّ 60% من النقاش السياسي يحوم حول النهضة، وهذا إيجابي أنها تستقطب، لكنّ هذا الإعلام جوهره أنّ الحالة مرضية، وأنها في طريقها إلى مصير قريب من مصير النداء، رأيي أنّ هذا النقاش يجب أن يعود إلى الداخل.

اقرأ أيضاً: هل يشكل الغاضبون على الغنوشي حزباً جديداً؟

وهكذا قلب الغنوشي الطاولة على معارضيه، وصوّرهم كمن يخرجون عن أدبيات النهضة، وليس أنه ورفاقه هم من يحاولون القفز على أدبيات الديمقراطية واللوائح الداخلية للحركة، وما سمّاه "المؤسساتية" بعدم الالتزام بقواعد التداول، وطرح التساؤل: "ماذا نفعل بالغنوشي؟".

الصفحة الرئيسية