هل الاغتراب النفسي طارئ على حياة أطفالنا؟

هل الاغتراب النفسي طارئ على حياة أطفالنا؟

مشاهدة

11/05/2021

بعد أشهرٍ قليلة من إعلان كوفيد 19 وباء عالميّاً، بدأ الخبراء النفسيون يحذرون من نتائجه النفسية على الأطفال، ومن الضغوطات التي يتعرضون لها نتيجة الحظر الذي فُرض في معظم الدول، حيث رأى هؤلاء الخبراء أنّ التعليم عن بعد وغياب التفاعل الاجتماعي وازدياد العنف الأسري أدّى إلى إصابة أطفالنا بنوع من أنواع الاغتراب النفسي، وبعد دخولنا للعام الثاني يكفي أن نستخدم محركات البحث حتى تطالعنا الكثير من التقارير والبحوث والدراسات التي تتناول مشاكل الطفل النفسية، ومقدار العنف الذي يتعرض له الأطفال في ظل كورونا والأزمات المرافقة له، هذا الاهتمام الملحوظ يدفعنا لنتساءل: هل الاغتراب النفسي طارئ على حياة أطفالنا وأطفال العالم إثر كورونا، أم أنّ تاريخه يعود إلى ما قبل انتشار هذا الفيروس؟

إقرأ أيضاً: الأطفال الخارقون يحكمون العالم

إنّ كافة المؤشرات النفسيّة والاجتماعيّة تؤكد تنامي الشعور الاغترابي عند الإنسان المعاصر، وهذا ما جعل من الاغتراب عند الأطفال اغتراباً غير ملحوظ إلا بالنسبة للخبراء والمختصين، وإذا ما انتقلنا إلى ضفة مجتمعاتنا التي يعاني أفرادها أساساً من اغتراب شامل، سياسي واقتصادي واجتماعي، فمن الصعب أن نحدد منشأ الاغتراب النفسي عند أطفالنا، دون العودة إلى جذوره الممتدة في كل تفاصيل حياتنا، فهذا الاغتراب كما يراه "علي وطفة" في بحثه المعنون بالمظاهر الاغترابية في الشخصيّة العربية: "هو الوضعية التي ينال فيها القهر والتسلط والعبودية من جوهر الإنسان، وهو الحالة التي تتعرض فيها إرادة الإنسان أو عقله أو نفسه للاغتصاب والقهر والاعتداء والتشويه، وبالتالي إنّ أدوات الاغتراب هي مختلف أدوات القهر، وكل ما من شأنه أن يعاند نمو الشخصية الإنسانية وازدهارها وتفتحها".

 

مراحل النمو النفسي للطفل في مجتمعاتنا يخيّم على أجوائها الخوف بفعل الأسلوب المعتمد في أنظمتنا التربوية كافة

 ما ذهب إليه علي وطفة في تعريفه يؤكده "عيسى الشورطي" في كتابه "السلطوية في التربية العربية"، من خلال تحديده لمظاهر الاغتراب النفسي التي يعاني منها أطفال مجتمعاتنا، والتي تتبدى في العزلة الاجتماعية والشعور بالعجز وغياب المعنى وغياب المعايير والغربة عن الذات، وهو يحيل ذلك إلى السلطوية في التربية، والتي تقوم على أساليب قمعية وتعسفية كالشدة والعقاب وإلقاء الأوامر والتهديد والتوبيخ والإحراج، وذلك لتحقيق الخضوع والتبعية، ابتداءً من البيت مروراً بالمدرسة وصولاً إلى الجامعات والمؤسسات الاجتماعية كافةً.

 إنّ التوصيفات السابقة تحيل إلى أنّ مراحل النمو النفسي للطفل في مجتمعاتنا يخيّم على أجوائها الخوف بفعل الأسلوب المعتمد في أنظمتنا التربوية كافةً، أسلوبِ العصا والجزرة، وبمعنى أوضح أسلوب الترهيب والترغيب الذي يعتمد الثواب والعقاب في تحديد ميول الطفل ورغباته، هذا الأسلوب الذي يتناغم مع البنية التسلطية والقهرية للسلطات المستبدّة، إذ إنها تعتمد في تماسكها واستمرارها على المعرفة التلقينيّة التي تصادر على ملكات النقد والحكم عند الطفل، ليصبح التعلم عبارةً عن تراكمٍ معلوماتي يفرغ عقول الأطفال من الدهشة والإبداع، ثم يكمل هذه المسيرة النكوصيّة نظام العلامة الهرمي الذي يُعتمد في تقييم الطفل وتحديد مستوى ذكائه، ونحن ندرك جيداً ما هو مستوى هذه الذكاءات في مجتمعاتنا قياساً بإنجازاتها العلميّة والمعرفية المتدنيّة.

إقرأ أيضاً: صور الأطفال التي هزّت العالم... هل هذا ما حدث فعلاً؟

لا شك أنّ نظام الحجر الذي اتُخذ في مواجهة تفشي فيروس كورونا، سهّل عملية الاعتراف بالأعراض النفسيّة المرافقة له وبأزمات أطفالنا، ولكنّ هذا الاعتراف كان مشروطاً ومحدّداً ومتعلقاً بالوباء نفسه، مما يغفل أنّ المشكلة تعود في مجتمعاتنا إلى تاريخ نشوء التسلّط السياسي، فهو المنتج الحقيقي لجميع السلطويات الأخرى التي تتغذى من الجذور العقائدية نفسها، مهما تباين شكل المؤسسة ومضمونها، سواءً كانت مؤسسات اقتصادية أم اجتماعيّة أم دينيّة، وبالطبع ليس هناك أفضل من المؤسسات التربوية لتمكين التسلّط ونشره، حيث يرى "الشروطي" أنّ "الأنظمة التسلطيّة تنظر إلى التربية كوسيلة تستطيع من خلالها تطويع شعوبها وتعويدها على الخنوع والاستسلام، فحين يصبح الهم الأساسي لأي نظام سياسي استمراره، كثيراً ما يقع الاختيار على نظامه التربوي ليكون وسيلة لتحقيق ذلك الغرض".

التسلّط يستثمر وجوده في أبسط الأحداث وأعقدها، لذا فإنّ كورونا بالنسبة له يصبح مشجباً من بين الكثير من المشاجب التي يعلّق عليها إخفاق العلاقات الإنسانيّة

الكل يعلم أنّ فترات الحجر الطويلة التي فرضها الواقع الكوروني، فاقمت من المشاكل الأسرية عامةً ومن العنف الموجه نحو الطفل بشكل خاص، فالخلافات الأسرية الحادّة بين الأزواج، نال الأطفال منها النصيب الأكبر، فقد سهّل هذا الوباء العالمي العنف في الأسرة نتيجة فترات البقاء الطويلة داخل المنزل وما رافقها من ظروف معيشيّة صعبة، ولكن هذه النتائج ليست وليدة الحجر، بل هي في الحقيقة تنتمي إلى المقدمات الاجتماعيّة والمنظومات التربوية الخاطئة، إنها تنتمي إلى الخلل العميق لسياسات التسلّط التي تقلّص الاعتراف بالآخر، وتهمّش الجوانب العميقة للعلاقات الإنسانيّة لصالح ثقافة الانحدار نحو الإقصاء والتهميش.

 التسلّط الذي يغذي مجتمعاتنا الهرميّة يجعل من عدم المساواة المدنيّة والسياسيّة القاعدة العريضة لوجوده، وهذا التأسيس على غياب العدالة يتراكب بالضرورة مع غياب الحق والقانون، لتغدو منظومة الحقوق فيه كحقوق الطفل منظومة صورية ومفارقة للواقع، وهذا ما سيفضي إلى مجتمع يفتقر إلى الإبداع والتجدد، ويفتقر إلى الحس الإنساني التشاركي الفاعل، حين تصبح العلاقات داخله مغلقة على نهايات حتميّة، لن يخسر الإنسان فيه حقوقه فقط، بل سيخسر معناه الإنسانيّ الكامل، إنّ التسلّط يستثمر وجوده في أبسط الأحداث وأعقدها، لذا فإنّ كورونا بالنسبة له يصبح مشجباً من بين الكثير من المشاجب التي يعلّق عليها إخفاق العلاقات الإنسانيّة، متذرعاً بالطبيعة العدوانية للإنسان تارةً، وبقصور الوعي العام تارةً أخرى، وهكذا يتنصّل التسلّط من مسؤوليته عن كل ما يحدث، لنعتقد جميعاً أنّ كورونا هو السبب. 


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية