نائلة السليني: لا يمكن كشف الوجه الحقيقي للإخواني إلّا بالتجربة

نائلة السليني: لا يمكن كشف الوجه الحقيقي للإخواني إلّا بالتجربة

مشاهدة

25/06/2020

أجرى الحوار: سامح إسماعيل

قالت الناشطة التونسية في مجال الحرّيات ودعم التيار المدني الدكتورة نائلة السليني إنّ الخزّان الانتخابي لحركة النهضة بدأ في التقلّص بعد أن وظّفت الجانب العاطفي، من خلال الترويج لمفهوم المظلومية، ولبست ثوب الضحية، ودخلت به معترك الحياة السياسية، مؤكدةً في حوارها مع "حفريات" أنّ "الخطر المحدق بنا اليوم بتونس أنّ عمل الإخوان ينطلق من الجذور"، مدللة على ذلك بمهارتهم في "كيفية اقتناص المصطلحات المعاصرة، والبحث لها عن مرادف فقهي، لإعادة تدويرها".

 

التيار المدني التونسي كفيل بإيقاف الزحف الإخواني في مجال التشريعات دون أن يذهب بنا التفاؤل بعيداً

وأضافت أستاذ الحضارة الإسلامية في كلية الآداب بجامعة سوسة، أنّ حركة النهضة لم تغنم مؤخراً  سوى 500 ألف ناخب بعد عزوف أكثر من 65 في المئة عن المشاركة، مستدركةً أنّ المشهد السياسي بتونس "قلق لم يستقرّ، فرغم عزوف الأغلبية، فإنّ في انكفائها حيرة قد تتطوّر إلى انفجار الوضع".

وهنا نص الحوار:

سر صعود حركة النهضة

كيف يمكن تفسير صعود حركة النهضة في المشهد السياسي التونسي؟ وكيف تكوَّن لها هذا الظهير الشعبي، على الرغم من الطبيعة المدنية لتونس منذ الاستقلال؟

التونسي مواطن عادي، خرج من مرحلة سياسية معينة ودخل أخرى وهو يرزح تحت ثقل خزّان هائل من المرويات والشهادات، التي تصبّ جميعها في معاني التعذيب والاستبداد، وهي تجربة مُرّة عاشها كثير من التونسيين، تولّد عنها أسئلة لم تجد جواباً من النظام السابق. ومن خلال هذا المدخل لبس الإخوان ثوب الضحية ودخلوا به معترك الانتخابات.

ولذا أمكن وصف انتخابات 2011 بالعاطفية، والسعي إلى تعويض من اعتُبروا معذّبين في الأرض. ورغم تنبيه النخبة إلى خطر هؤلاء، وإلى أنّهم مهووسون بالحكم، وتغيير بنية الدولة، فإنّ عامّة الناس لم تكن قادرة على إدراك أو استشراف ما قد يحدث في المستقبل القريب.

ولذلك نقف على ذلك الرقم الهائل الذي ساند الإخوان في انتخابات 2011، لكن، وبعد معاشرتهم السياسية والاجتماعية، بدأ الناس يدركون هذه الحقيقة المُرّة، وبدأ خزّانهم الانتخابي يتقلّص؛ لأنّه وببساطة لم يقم على الانتماء الحركي، بقدر ما كان قائماً في البداية على التعاطف، وعلى اعتبارهم من المستضعفين. وأعتقد أنّ ما مررنا به في تونس هو نفس ما عاشته مصر والمغرب والأردن؛ لأنّ الوجه الحقيقي للإخواني لا يمكن أن تكتشفه إلّا بالمعاشرة والحوار والصدام، وهذا ما حصل فعلاً.

ومع ذلك بقي الإخوان في صدارة المشهد إلى الآن، كيف ذلك؟

 فعلاً، هم من يحكم تونس اليوم، والسبب يعود أصلاً إلى الطبقة السياسية التي تتعامل مع الإخوان، استناداً إلى مبدأ "الأخذ والعطاء"، وكانت تجربة الحكم في عهد السبسي أمرّ تجربة عاشها التونسيون، لما عانوه من خيبة بعد أن ظنّوا أنّ عهد الإخوان قد ولّى، لكن وفي لحظة تفطّنوا إلى تلك الوشائج التي تربط السبسي بالغنوشي، وفهموا أنّ هذا الأخير لم يغادر الحكم كما قال لأتباعه، وإنّما ظلّ يحكم من وراء حجاب، واستغلّ الفرصة في أن ينتشر في تونس العميقة، ويغوص فيها وقد حمل تحت إبطه "صكّ الشفاعة الندائية".

 

الإخوان ماهرون في كيفية اقتناص المصطلحات المعاصرة والبحث لها عن مرادف فقهي، ثمّ إدخالها بعد أن تغتسل اغتسال طهارة

 مكث الحكم في تونس على هذه الحال طيلة خمسة أعوام، ونسجوا له حجاباً أسموه بالتحالف، فإذا به تحالف ضد تونس وليس لأجلها، ونتيجة لذلك، صار من العسير اليوم، وهذا في نظري، إصلاح ما أفسده الإخوان ببلادنا، فقد آذوا الفكر الجمعي للعامّة، بل طال أذاهم حتى ذاكرتنا التونسية، وجميع ذلك يندرج في هدم المؤسسات القائمة على المواطنة، واستبدالها بأخرى تنهل من مرجعية الخلافة لا غير. وكلّ ذلك والإخوان في ثوب البريء، الساعي إلى السلم والتحابب والتآخي!

عامل آخر يجب التنبيه إليه، صحيح أنّ الإخوان أمسكوا بكرسي الحكم بالنواجذ، لكن يجب قراءة الوضع السياسي اليوم بنتائج الانتخابات انطلاقاً من نسبة المشاركين في الانتخابات، ومقارنتها بالعدد الجملي للناخبين المسجّلين، فالإخوان لم يغنموا من الجسم الانتخابي العام سوى 500 ألف ناخب، ويقابله عزوف عن المشاركة تجاوزالــ 65 في المئة. ولا يمكن البتّة اعتبار هؤلاء من أنصارهم، لأنّ الإخوان يدينون بالتعبئة العامّة. والحاصل من كلّ هذا، أنّ المشهد السياسي بتونس قلق لم يستقرّ، ورغم عزوف الأغلبية، فإنّ في انكفائها حيرة قد تتطوّر إلى انفجار الوضع.

وكيف نقرأ الواقع التونسي في ضوء هذا المشهد القَلِق؟

 لا نستطيع أن نقدّم قراءة مطمئنة ويقينية للوضع التونسي؛ فعمل الإخوان بتونس ينطلق من الجذور، وذاك هو الخطر المحدق بنا اليوم. وحتى إن وُفّقنا في الحدّ من تموقعهم، فإنّهم وفّقوا أيضاً في تعطيل المسار الحداثي الذي كانت ترنو إليه الانتفاضة في 2011.

ألعاب اللغة الإخوانية

تصدّيت لرئيس كتلة النهضة، نور الدين البحيري، حين وصف الغنوشي بالمجاهد، ما هي حيثيات رفضكم تمرير مثل هذه المصطلحات؟

مهارة الإخوان تتمثّل في كيفية اقتناص المصطلحات المعاصرة، والبحث لها عن مرادف من المعجم الفقهي، ثمّ إدخالها بعد أن تغتسل اغتسال طهارة، وثمة أمثلة كثيرة على ذلك مثل مصطلحات: الديمقراطية والمساواة والعدل.. والجهاد.

اقرأ أيضاً: وليد عبدالحي: رفعت تركيا الشعار الديني وتحالفت مع الإخوان لتمرير مشروعها

فالبحيري عندما وظّف مصطلح مجاهد، أراد أن يضرب عصفورين بحجر واحد: سحب صفة المجاهد من الحبيب بورقيبة، خاصّة أنّ الذاكرة الشعبية رسمته لقباً لبورقيبة، هذا من جهة، ومن جهة ثانية، حاور ضمنياً المعجم الفقهي للجهاد، حتى يهيئ أرضية متميّزة ينصّب عليها شيخه...

ولا يفوتنا أن ننبّه إلى ثراء مكتبة الإسلام السياسي عموماً بالكتب في الجهاد، ولا نستثني في هذا السياق كتب فقه الدم، مثل: موسوعة المهاجر التي حجبت المرجعية القرآنية في التفكير الداعشي، ومثلها موسوعة القرضاوي في الجهاد، وقد نصّبها الإخوان دستورهم الذي به ينتظمون، وخاصّة لما تضمنته من مقاربات جديدة في كيفية تحويل المصطلحات القديمة، وتطعيمها بألوان من المعاني التي تستجيب مع المسلم الملتزم في وضعه الراهن،... أو كتاب اللحيدان في الجهاد...، وعلى هذا الأساس تحوّل الجهاد إلى مفهوم ديناميكي، يعسر على المتبصّر أن يضعه في قالب معيّن.

وكيف ينطبق ذلك على مقاربة البحيري؟

مقاربة البحيري في إضفاء صفات على زعيمه، وقد افتكّها من معجم غير معجمه، هي مقاربة لا تخلو من خديعة؛ لأنّه بكلمة جهاد ضمن المرجعيات القتالية المرتسمة في أذهان مريديهم، والتي على أساسها بني تنظيمهم.

اقرأ أيضاً: جاد الكريم الجباعي: للإخوان والجماعات الإرهابية أيديولوجيا واحدة

ومن جهة ثانية سعى إلى إخراج المصطلح من القالب الجديد الذي وضعه فيه أنصار الجمهورية الأولى، لذا كان واجباً التنبيه إلى الأرضية الأصلية التي قام عليها مفهوم الجهاد، كما حرص الفقهاء على تسويقه، وذلك في التلازم العضوي بين القتال والمال. فلا يغيب عنّا أنّ الجهاد عندهم تحوّل إلى مصدر من مصادر الارتزاق، ومنه تكوّنت جحافل من الجيوش الانكشارية على سبيل المثال في العهد العثماني، فإن كان البحيري يعتبر الجهاد في معناه المتحوّل، فإنّه يكون قد نصّب زعيمه قائداً لجنود الانكشارية الإخوانية.

انكشاف المستور

مع تعرّض حركة النهضة لنقد متواصل، وتواتر أنباء عن تنامي ثروة الغنوشي، هل يتحوّل الصعود السياسي إلى وبال عليها، ويهدد بانكشاف المستور؟

المعتبر مستوراً بالنسبة إلى إخوان تونس، هو من المعلوم منذ أن تفطّن التونسيون إلى التغيير الجذري في نمط حياتهم، ومنذ أن أدركت قواعد الإخوان أنّ سياسة المكيالين هي التي تنظّم علاقاتهم. تفطنت القاعدة الإخوانية أنّ قيادييهم آثروا أنفسهم عليهم، سواء في مسألة التعويضات، أو في توزيع المناصب الحكومية، ولذلك هبّوا إلى ساحة باردو معلنين اعتصاماً مفتوحاً إلى حين ظفرهم باللقمة الهنية التي غنمها زعماؤهم، وهم إلى اليوم يحافظون على خيمة الاعتصام، حتى تكون رمزاً حاضراً يرتسم في أنظار الإخوان النواب بالمجلس.

أمّا عن نتائج خروج النهضة إلى العلن في الحكم، فهي في نظري ضرورة دفعت بالغنوشي إلى الفعل السياسي بوجه مكشوف، والحقيقة لم تكن تلك طبيعته منذ 2011، فقد آثر العمل من وراء حجاب يقيه مواجهة الناس، وخاصّة المعارضين منهم، فكان يخطّ الأوامر إمّا بيد المنصف المرزوقي وإمّا بيد ابن جعفر... ثم بيد الباجي قايد السبسي، وقد كفى الجميع شرّ المواجهة مع الناس.

اقرأ أيضاً: علاء النادي: أثبتت التجارب أن الإخوان يسيرون عكس التطور التاريخي

هكذا أمكن للغنوشي أن يتسرّب إلى تونس العميقة بجبّة السبسي، فحمى نفسه من الملاحظة أو النقد أو التنديد... كان السبسي صمّام أمان بالنسبة إلى الغنوشي، فكانت وفاة السبسي فتحاً لباب من المشاكل، ما كان الغنوشي ليواجهها لو ظلّ السبسي حيّاً، ولعلّ الخاسر الأوّل لوفاة الرئيس هو الغنوشي.

هل يفسر ذلك تصاعد موجة المعارضة ضد النهضة في الآونة الأخيرة؟

نعم، تلاحظ تسارعاً في الأحداث منذ تموز (يوليو) 2019، وسرعة رهيبة في انتشار المواقف المعارضة، وهي مواقف آتية من جميع الاتجاهات. ورغم الترسانة الهائلة من المتعاقدين مع حزب الإخوان، المكلّفين بترصّد كلّ هجوم أو خلاف، فإنّ هذه الترسانة صارت غير قادرة على التعتيم، مثلما كان لها ذلك في ماضٍ قريب، عندما كان حزب النداء يدفع عنهم الأذى.

وما النتائج التي ترتبت على ذلك؟

المعارض أصبح أكثر شراسة في نقده وتقييمه لعمل الإخوان على أرض الواقع، وذلك بعد أن كان يلوذ بالصمت اليائس، أو الصمت المحمول على الترفع عن النزول في مستوى النقاش السياسي، كما أنّ الوقوف عند زلّات الإخوان، وعلى رأسهم زعيمهم، نبّه أطرافاً عديدة من داخل التنظيم، وخاصّة الأطراف من الطبقة الثانية أو الثالثة، إلى الانعكاسات التي ستعمّ على الحركة لتخنق آمال الكثيرين منهم، لذلك كثرت في الشهر الأخير رسائل الاستنكار مثل: الشهودي أو موقف العذاري أو بولبيار والجلاصي... وغيرهم كثير.

هل يبشر ذلك بتفكك بنية التنظيم من الداخل؟

هؤلاء لم يتخذوا موقفاً واضحاً وصارماً من الغنوشي وعائلة بلاطه، فأنت لا تجد على سبيل المثال رسالة صريحة تعلن الخروج الكامل عن التنظيم، وإنّما استقالة من منصب حزبي لا غير، هؤلاء يعتبرون الخروج عن تنظيمهم بمثابة خروج الروح من الجسد، وبمثابة الانتحار، وخذ اللفظ بجميع معانيه...

ثمّ قد يؤول بنا هذا الاستنتاج إلى الحديث عن الخطر الذي سيواجهه التنظيم، وهو من قبيل الأمور المعلومة، وما يقوم به الغنوشي ليس سوى إرجاء لا غير... فهؤلاء يمثّلون قنبلة موقوتة، وإن لم يسعَ زعيم التنظيم إلى إفشال مفعولها، فإنّها ستنفجر لا محالة داخل المعبد.

اقرأ أيضاً: وليد البرش: الإخوان تحركهم التقية والخطابات المزدوجة

ولذلك فإنّ سياسته داخل التنظيم تطبخ على إناء متوتّرة، فتجده يرجئ المؤتمر الــ11 حتى لا ينزاح من كرسي الزعيم، فتتفتّت السلطة القائمة على القرابات، والسؤال هل سيوفّق اليوم الغنوشي في فرض تغيير قانون الترشّح لرئاسة الحركة، ويظفر بالرئاسة إلى آخر حياته؟ جميع الاحتمالات واردة، خاصّة أنّ صقورهم سرعان ما يتحوّلون إلى حمائم وديعة، ما أن يلمسها الشيخ برفق.

الإخواني يظل إخوانياً!

بعد دفع مورو ومن قبله الجلاصي والجبالي إلى الاستقالة، هل يسير الغنوشي على خطى أردوغان في التخلص من خصومه؟

أوّلاً يجب التنبيه، كما بيّنت إلى أنّ هؤلاء الذين ذكرت لم يستقيلوا من التنظيم، وهل يملك المرء أن يتنكّر لجذوره؟ فالجبالي لم يرسل نصّاً رسمياً بالاستقالة، وإنّما اكتفى بتصريح إذاعي، قال فيه: "علاقتي حالياً بالنهضة تقوم على الاحترام والتشاور والنصح أحياناً، أمّا على المستوى التنظيمي، فأنا خالٍ من أي ارتباط معها"، ولننتبه، فما يعطيه باليد اليسرى يسترجعه باليمنى، فقد أفاد أنّه غير مرتبط بالتنظيم، ومن جهة أخرى يحتفظ بدور الحكيم والنصوح! ولذا توقّف اختياره عند الاستقالة من الأمانة العامّة للتنظيم لا غير.

اقرأ أيضاً: محمد الباز: لماذا يبدو الإعلام الإخواني محكوماً بالفشل؟

أمّا الجلاصي، فرغم ما تضمنته رسالته من معانٍ تفيد الانعزال، غير أنّه لم يعلن استقالته من التنظيم، وإنّما من منصب قياديّ داخل التنظيم، ولذلك اعتبرت، في مقال سابق، أنّ الجلاصي أراد أن يوهمنا بأنّ نصَّه استقالة؛ لكن في الحقيقة هو نصّ عتاب من حبيب إلى حبيب، أو قلْ هو نصّ مراجعة لتجربة وجودية/ سياسية. ثمّ لا ننسى أنّ للرجل قصّة مع مسألة الانسحاب من الأمانة العامة، فقد سبق له أن انسحب في 2015، ووافقه في ذلك أخوه الجبالي، والأمر نفسه ينسحب على مورو الذي له تاريخ حافل مع إعلان الاستقالة، وكعادته، اكتفى هذه المرّة بأن أعلنها في برنامج إذاعي، في لهجة ملؤها التذمر والخيبة.

 والنتيجة أنّ هؤلاء لا يتصوّرون حياة من خارج المعبد، قد يخنقهم الشجن فيختارون الانزواء، لكن أملاً في نظرة رضا من شيخهم، وأعتقد أنّني أجبت عن السؤال، لكن مع إضافة نقطة هامّة؛ فشيخهم خبير بكلّ واحد منهم، وعالم بما يكنّون وما يظهرون، وهو ماهر في إزاحة خصومه دون ضجيج أو صراخ، ولكم في كركر خير مثال، أو في محمّد النوري، محامي الإخوان، أقوى دليل.

مواجهة مشروع "النهضة"

أخيراً، مع كل ما يعتري التيار المدني في تونس من تفكك وصراعات داخلية، هل هو قادر على مواجهة مشروع حركة النهضة؟

التيار المدني بتونس اليوم مخترَق، وأستطيع أن أقول إنّ نسيجه مهترئ، والأسباب كثيرة، منها الداخلية ومنها الخارجية:

فأمّا الداخلية، فهي تتعلّق بعقلية جامعة بين أفراد هذا التيار، عقلية ترى أنّ النشاط المدني المحض والمفصول عن السياسي لن يؤتي ثماره مثلما أتى بها في 2013. وكانت نتيجة الاختلاف في المواقف أن صار من العسير التوفيق بين جميع المواقف، فانكفأ كلّ على نفسه، وظلّ يناضل وحده ولا يسعى إلى توحيد المواقف، وهذا يُعتبر إخفاقاً في استراتيجية التيار المدني.

اقرأ أيضاً: الإدريسي: لن تهدأ المنطقة إلا بإسقاط المشروع الإخواني الأردوغاني

وأمّا خارجيّاً، فهو آتٍ من الأحزاب التي تفطّنت إلى المسألة السابقة، وأمكنها اختراق التيار المدني، فكان الخسران والوبال، وفي هذا السياق أسمح لنفسي بقراءة نقدية لما حدث في الانتخابات السابقة، من إعلان تحالفات أثرت سلباً على التيارات المدنية، فكان الفشل رغم تنبيهنا إلى خطورة هذا النكاح العرفي الذي لا يستقيم بين حزب وتيار مدني. ويمكن أن أذكر على سبيل المثال التحالف بين حزب النحلة والتيار المدني "صمود" في التشريعية.

اقرأ أيضاً: محمد حبيب: مراجعات الإخوان خادعة تفتقر لمنهج نقدي حقيقي

والسؤال: ما نتيجته؟ أليس التشتت، وقد كانت النية مركّزة على توحيد الجهود؟ وهل تحصّل هذا التحالف على كرسي واحد في البرلمان؟ لا، لذا أعتقد أنّ التيار المدني والتيار السياسي خطّان متوازيان، لن يلتقيا، وإذا التقيا فالوبال على المدني قبل السياسي.

أمّا فيما يخصّ قدرة التيار المدني على مواجهة مشروع الإخوان، فإنّي أنبّه إلى ما يلي:

ما تقوم به النخب من التيار المدني من جهد كفيل بإيقاف الزحف الإخواني في مجال التشريعات، أو نسخ القوانين الوضعية واستبدالها بأحكام الشريعة، لأنّهم وفّقوا في كسب ثقة كثير من الناس، وكانت لهم سيولة في التعامل مع فاعلين من الأحزاب، خاصّة منها تلك التي تمتلك مقاعد برلمانية. وهي في نظري نقطة إيجابية، لأنّ موقف الخبير من المدنيين يتصف بالوطنية، وبحبّ بقاء الدولة المدنية، وكثير من الأحزاب، وإن اختلفت أيديولوجياً مع هؤلاء، تحترم مواقفهم.

اقرأ أيضاً: خالد الزعفراني: الإخوان رهينة دول تتحكم في قراراتهم لمصالحها السياسية

لكن لا يذهب بنا التفاؤل أشواطاً بعيدة، فلا الإخوان يستطيعون تغيير القوانين، ولا الخبراء من التيار المدني يقدرون على تقديم مشاريع قوانين تذهب بنا أشواطاً في مجال الحريات العامّة أو الخاصّة، نحن سنظلّ في حال جمود، ولعلّ أسمى ما نطمح إليه هو الحفاظ على مكاسب مُنحت لنا في عهد الجمهورية الأولى.

الصفحة الرئيسية