
حين سقط حكم جماعة الإخوان فى مصر، انشغل الجميع بالسؤال الخطأ. راحت العيون تلاحق المذيعين الذين غادروا القاهرة، وعدد القنوات التى أغلقت، وتحصى البرامج التى اختفت من الشاشات، بينما كانت الجماعة، بعيداً عن الضجيج، تنشغل بسؤال آخر أكثر أهمية: كيف يمكن بناء منظومة إعلامية جديدة لا ترتبط بمقر، ولا تتوقف بإغلاق قناة، ولا تنهار بخروج مذيع؟
كان المشهد وقتها يوحى بأن كل شىء انتهى. قناة «مصر 25» خرجت من الصورة، ومنابر الجماعة داخل مصر اختفت، والوجوه التى اعتادها الجمهور توزعت بين إسطنبول والدوحة ولندن. لكن السنوات التالية كشفت أن الذى سقط لم يكن الإعلام نفسه، وإنما شكله القديم فقط.
لم أصل إلى هذه النتيجة عبر متابعة برنامج تليفزيونى أو مشاهدة بث مباشر على «يوتيوب». بدأت الحكاية من مكان آخر تماماً؛ السجل التجارى.
هناك، وسط مئات الصفحات التى لا يلتفت إليها المشاهد العادى، تبدأ قصة مختلفة. شركات تأسست فى توقيتات متقاربة، وكيانات قانونية ظهرت فى مدن أصبحت لاحقاً مراكز للإعلام الخارجى، وتغييرات متلاحقة فى الشركاء والإدارة. لم تكن هذه الأوراق تحكى قصة قناة فضائية، وإنما كانت تحكى قصة منظومة كاملة تعيد ترتيب نفسها بعيداً عن الأضواء.
وهنا تغير السؤال الذى بدأت به رحلة البحث.
لم يعد السؤال: من أين تبث هذه القناة؟
ولا: من يقدم هذا البرنامج؟
بل أصبح: من ينتج هذا المحتوى؟ ومن يدير البنية التى تسمح باستمراره، حتى لو تغيرت الوجوه والمنصات؟
لسنوات طويلة، انشغل المتابعون بالأسماء التى تظهر على الشاشة. محمد ناصر، معتز مطر، أسامة جاويش، وغيرهم. كانت هذه الوجوه تمثل، بالنسبة للجمهور، الإعلام الخارجى للإخوان كله. لكن مراجعة الوثائق أوحت بصورة مختلفة؛ فالمذيع ليس سوى الحلقة الأخيرة فى سلسلة تبدأ قبل ذلك بكثير، داخل شركات إنتاج، واستوديوهات، وكيانات قانونية، وفرق عمل لا يعرفها المشاهد، لكنها تتحكم فى دورة إنتاج المحتوى من الفكرة الأولى حتى لحظة النشر.
تميزت السنوات الأخيرة بغزارة المعلومات التى فضحت الشبكات الإعلامية لجماعة الإخوان فى الخارج؛ الجميع بات يعرف اسم عبدالرحمن أبودية الرقم الأهم فى شبكات الإخوان الإعلامية، صاحب التمويل والإدارة، يتردد اسم أبودية فى المنصات كل فترة إلى جوار أحمد الشناف مدير قناة مكملين أو محمد جمال هلال أكبر الداعمين للبودكاست الإخوانى وقنوات اليوتيوب. حتى إن أمريكا نفسها عرفت أخيراً وأصدرت قرارها بالتحفظ على أموال محمود الإبيارى مسئول التنظيم الدولى فى الجماعة، الرأس الحاكم بين كل هؤلاء!
لم تشغلنى تلك المعلومات فى البداية، كل ما شغلنى هو القصة خلف كل واحد بالتحديد من تلك الأسماء؛ فعندما تقرأ سيرة أحمد الشناف الذاتية تراها عادية، بل عادية جداً، ورحلته فى الإعلام أقل من عادية. بدأت بالعمل فى صفحة إخبارية للإخوان على فيس بوك، وانتهت بالعمل فى قنوات دينية سلفية مغمورة، لكنه فى يوم وليلة أصبح الرجل المسيطر على الآلة الإعلامية للإخوان فى الخارج، ومديراً لإحدى أهم منصات الإخوان الإعلامية، قناة مكملين.
بدأ الشناف العمل فى الإعلام من خلال مواقع إلكترونية، ثم انتقل إلى شبكة «رصد»، ومنها إلى قناة «مصر 25»، ثم إلى قناة «أمجاد»، قبل أن يغادر إلى تركيا بعد عام 2013. سيرة تبدو، فى ظاهرها، شبيهة بسير عشرات العاملين فى المجال الإعلامى، لكنها أخذت مساراً مختلفاً مع انتقال مركز النشاط الإعلامى إلى الخارج.
وأثناء مراجعة السجل التجارى التركى، ظهر اسم، أحمد محمد عبدالشافى أبوزيد ضمن الشركاء السابقين فى شركة RAGAB MEDYA، المسجلة فى إسطنبول عام 2014، والتى تمارس أنشطة فى مجال الإنتاج الإعلامى. هذه ليست معلومة منقولة عن رواية صحفية، وإنما بيانات منشورة فى سجل رسمى، وكانت أول خيط موثق يقود إلى فهم أوسع للبنية التى نشأت حول الإعلام الخارجى فى تلك المرحلة.
تشير المصادر الصحفية التى تناولت سيرة الشناف إلى أن بداياته كانت متواضعة. لم يكن من خريجى كليات الإعلام، وإنما تخرج فى كلية العلوم بجامعة الزقازيق، وهو صاحب رحلة مهنية لا تختلف كثيراً عن عشرات الشباب الذين دخلوا المجال الإعلامى فى تلك الفترة، ولم تكن، فى ظاهرها، توحى بأن صاحبها سيتحول بعد سنوات قليلة إلى اسم يتكرر فى الحديث عن إدارة الإعلام الخارجى للجماعة.
لكن عام 2013 كان نقطة فاصلة، ليس فى حياة الشناف وحده، وإنما فى بنية الإعلام الإخوانى كلها. فبعد خروج الجماعة من السلطة، لم يكن التحدى هو استمرار البث، بل إعادة بناء منظومة إعلامية كاملة خارج مصر. فى هذه اللحظة، تغيرت معايير الاختيار. لم يعد المطلوب فقط مذيعاً يجيد الحديث أمام الكاميرا، بل أشخاصاً يستطيعون إدارة غرف الأخبار، والإشراف على الإنتاج، والتعامل مع شركات الإنتاج، والعمل داخل بيئات قانونية وإدارية جديدة فى تركيا ودول أخرى. وهنا بدأ اسم أحمد الشناف يبرز بصورة مختلفة.
لم يكن ظهور اسم فى سجل تجارى هو ما أثار الانتباه، وإنما ما قاد إليه هذا الاسم. فكل وثيقة كانت تفتح باباً لوثيقة أخرى، وكل شركة تقود إلى شركة مختلفة، حتى اتضح أن الإعلام الخارجى المحسوب على جماعة الإخوان لم يعد يعتمد على نموذج القناة الفضائية الذى عرفه الناس طوال سنوات، وإنما أصبح أقرب إلى شبكة تضم شركات إنتاج، واستوديوهات، وكيانات قانونية، ومنصات رقمية، تتوزع أدوارها بين إنتاج المحتوى وتطويره ونشره وإعادة تدويره عبر أكثر من وسيط. هذه الخلاصة جاءت من تتبع الوثائق والسجلات، لا من متابعة البرامج وحدها.
ولذلك، فإن قراءة هذه المرحلة من خلال أسماء المذيعين فقط تبدو قراءة ناقصة. فالوجوه التى يعرفها الجمهور كانت تمثل الحلقة الأخيرة فى سلسلة أطول بكثير، تبدأ من فرق إنتاج، وشركات خدمات إعلامية، وإدارات تحرير، ثم تنتهى عند الشاشة. وربما لهذا السبب، ظهرت خلال السنوات الأخيرة أسماء لم تكن تحظى بحضور جماهيرى واسع، لكنها تكررت فى سياقات تتعلق بالإدارة أو الإنتاج أو تأسيس الشركات، أكثر من تكرارها فى قوائم مقدمى البرامج.
ومن خلال هذه الرحلة، اتضح أن التحول الذى شهدته المنظومة الإعلامية بعد عام 2013 لم يكن مجرد انتقال جغرافى من القاهرة إلى إسطنبول أو لندن، بل كان تحولاً فى فلسفة الإدارة نفسها. فبدلاً من مؤسسة إعلامية مركزية يمكن التعرف عليها بسهولة، ظهرت بنية أكثر تشعباً، تتوزع بين شركات إنتاج، وخدمات إعلامية، ومنصات رقمية، وكيانات قانونية تعمل فى أكثر من نطاق.
ولهذا، فإن السؤال الذى يفرض نفسه اليوم لم يعد: من يقدم البرنامج؟ فهذا السؤال يجيب عنه أى مشاهد. أما السؤال الأصعب فهو: من يبنى المنصة التى يُبث منها البرنامج؟ ومن ينتج المحتوى؟ وكيف تتشكل البنية المؤسسية التى تسمح باستمراره رغم تغير الأشخاص والأماكن؟ هذه أسئلة لا تجيب عنها الشاشات، وإنما تجيب عنها الوثائق.
الوطن

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B1%20%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%A7%D8%AE%D9%84%D9%8A_1_3_1_1.jpg.webp?itok=o3ONEK_p)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_3.jpeg.webp?itok=hc_VaQOg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_1.jpg.webp?itok=ZHdchJGw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3_193_0.jpg.webp?itok=nRwtHFUN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%86%D8%AF%D9%86_0_0_1_1.jpeg.webp?itok=zqlZO66d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%84%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AF%D8%A7_0_1.jpg.webp?itok=tTV7VYQo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%8688_0_3_1_7_2_0_1_0_1.jpg.webp?itok=fFpTXApw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B3%D8%A7%D9%85_2_1_1_0_1_3_0.png.webp?itok=B_aqJ73A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_200_0_0_0.jpg.webp?itok=cfMu1WMs)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%85%D9%88%D9%8A%D9%84_1_5.jpg.webp?itok=hCdKmnI4)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B2%D8%A9_176.jpg.webp?itok=aL0i-O1b)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/011_4.jpg.webp?itok=0QR5maRr)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A9_3_3_0.jpg.webp?itok=XgfaK1jy)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_27.jpg.webp?itok=3Lue5fk6)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_2.jpeg.webp?itok=R9lPs42T)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/4e45cd14-609d-41dc-8337-47bdff5ee0cc_0.png.webp?itok=aZAFci1K)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D9%84%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=TYJr2e66)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/HSaTjAtPISGoYoJMGPujwOC4TOU0xJpCxDmpRSIBvc94v0l_De8T-XgPsVK83y89ScYt6-eZNtkkH79PtvjpCPcPTj7rf-KLgRq0T-XLWZmYpv2ZBFKC7VkZUaOqa-DgPz2JB57ZYQ8qfZZWf2ouSpGZooyHwCrLOuSfjGM47wAu0fXuAiBcRoKuGuk__yv3%20%281%29.jpg.webp?itok=GGyp2cTN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/ViYLxN7VkltvpvRG-BjwxijOzunHI9I_yZcM-e_K1TvKFCw4ds6oGRnGjeoTuODbDJZmxErM8WUpMaoSmGVs1o2jjcTozGzw4UwThDP3UDzeljr5wkQNDW3VWrMykNYUsRHwLAOMXx7_q52ErSNBggk2RD-IprWZcNisyCgWBHQYHnnJWha4GC1CQRvIuX5h%20%281%29.jpg.webp?itok=iKGLY69d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%A7%D8%AA_0_1.jpg.webp?itok=PBow1BGf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/GDwvCo_zMvwWviO1UBjZOIncr8lBppACdNT5J2TgfLKiQt_Gch5Mbarh28Jo_9qBwcr2yCAGeE6sde8thVaLC2axkS3EdFlt0lVf9sRMY3oGNK4DR-i8hDLKVbVwbGpBttMNqPlZ0db_UOo4RUv8BtbOP3ye6_zuKhmtGTMdUL1NuxY8S1_j8dcMOIUPl9Ht%20%281%29.jpg.webp?itok=nS9xUUct)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A7_82_1_2_0_0_0_0_1.jpg.webp?itok=--QJOt8O)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)
