
عند الحديث عن ممارسة الدين؛ أي التدين كممارسة اجتماعية روحية، يمكن القول باطمئنان: إنّ الجميع يمارس نوعاً من التحايل؛ كلّ بطريقته ووفق مصالحه وبقدر إلمامه بالأحكام الشرعية. فذلك الإنسان الذي يتماهى مع النص إلى حد التطابق التام، ويلتزم حرفياً بما ورد فيه من أحكام وضوابط في كل ما يفعله أو يفكر فيه أو يرغبه، هذا الإنسان لم يوجد بعد.
تاريخياً، تبرز الحيلة السياسية بعباءة دينية في مواقف مفصلية؛ لعل أشهرها واقعة "رفع المصاحف على أسنة الرماح". فخوفاً من هزيمة محققة أمام جيش علي بن أبي طالب، وتقدّم القائد مالك الأشتر، أشار عمرو بن العاص على معاوية بن أبي سفيان برفع المصاحف طلباً للتحكيم. كانت تلك حيلة عبقرية لشق صفوف جيش علي، وإجباره على وقف القتال تحت ضغط قدسية النص. وفي التاريخ الحديث استمر هذا التلاعب الرمزي للتمكن السياسي؛ حيث ابتكرت جماعة الإخوان المسلمين شعاراً يجمع بين المصحف وسيفين متقاطعين، في إعادة تأويل بصرية للنص القرآني، تُخرجه من سياقه الروحي لتحيله إلى أداة تحريضية صريحة على العنف الديني السياسي.
وفي سياق تعريف تلك الممارسات الخارجة على النص وضوابطه، ظهر مصطلح "حيل الفقهاء"، أو الحيل الشرعية، نظراً لكونه موضوعاً شائكاً ومثيراً للجدل في التراث الإسلامي. والمصطلح يُعبّر عن استخدام طرق مشروعة في ظاهرها للوصول إلى نتائج قد تكون مقصودة أو للالتفاف على حكم شرعي مُعيّن، وهو الأمر الذي تكرر كثيراً في التاريخ الإسلامي. فعلاوة على الحادثة الشهيرة التي ذكرناها أعلاه، جرت حوادث عديدة استخدمت فيها الحيلة لتغيير مجرى أحداث سياسية، أو لحل أزمات اجتماعية، أو تحقيق مصالح خاصة، أو حتى للهروب من قسوة بعض الحكام.
اختلفت المدارس الفقهية في التعامل مع "الحيل" بشكل كبير؛ فبينما كان الحنفية هم الأكثر توسعاً فيها، بغرض التوسعة على الناس وإيجاد مخارج قانونية تمنع الوقوع في الحرام، قبلها الشافعية بشرط مشروعية الوسيلة، معتدين بـ "ظاهر العقود" لا النوايا الخفية. أمّا المالكية والحنابلة، فقد كانوا الأشد محاربة لها، تطبيقاً لقاعدة "سدّ الذرائع" و "الاعتبار بالمقاصد"؛ فإذا كان القصد من الحيلة محرّماً، فالعقد باطل وإن بدا صحيحاً في ظاهره.
ونظراً لأهمية الموضوع، أفرده بعض العلماء بكتب مستقلة؛ ككتاب "الحيل والمخارج" المنسوب إلى الإمام الشيباني، وكتاب "بيان الدليل على بطلان التحليل" لابن تيمية. وأفرد ابن القيم الجوزية في كتابه "إعلام الموقعين" فصلاً طويلاً لإبطال الحيل المحرّمة، مميزاً بين الحيل الربوية المذمومة، وبين المخارج الشرعية والذكاء القضائي الذي مدحه.
اقتصادياً، سعت مختلف الفئات الاجتماعية للتحايل من أجل تمرير مصالحها دون السقوط تحت طائلة التحريم الفقهي أو التجريم التشريعي؛ فبالنسبة إلى التجار المنخرطين في عمليات البيع والشراء ومراكمة الثروات، كانت حيلة "بيع العينة" هي الأهم للالتفاف على تحريم الربا؛ لذا تُعدّ هذه من أشهر الحيل وأكثرها تداولاً في كتب الفقه، لكونها تتيح الحصول على نقد عاجل مقابل ردّه بزيادة آجلة، لكن في إطار صوري من البيع والشراء. وفي هذا السياق يتناول المفكر مكسيم رودنسون في كتابه "الإسلام والرأسمالية" هذه الظاهرة، موضحاً أنّ الفقهاء والتجار طوروا منظومة معقدة من العقود القانونية للالتفاف على تحريم الربا، تظهر في شكلها الخارجي كعمليات تجارية مشروعة، بينما تهدف في جوهرها إلى تقديم قروض بفائدة مستترة. ومن بين تلك الحيل واسعة الانتشار عقد "البيعتين في بيعة" أو ما عرف بـ "المعاملة"؛ حيث يبيع المقرض للمقترض سلعة بثمن مؤجل مرتفع، ثم يعود لشرائها منه فوراً بثمن نقدي أقلّ؛ لتكون النتيجة العملية هي حصول المقترض على النقد فوراً مع التزامه برد مبلغ أكبر لاحقاً، وهو التجسيد الصريح للفائدة الربوية تحت مُسمّى تجاري.
يرى رودنسون أنّ هذه الحيل لم تكن مجرد نفاق ديني، بل كانت استجابة لضرورات اقتصادية موضوعية؛ حيث اصطدمت النصوص الدينية المحرمة للربا بحاجة النشاط التجاري المتوسع إلى الائتمان ورأس المال، فكانت الحيلة هي الوسيلة الأفضل للتوفيق بين مقتضيات الشريعة ومتطلبات السوق الرأسمالية الناشئة. وقد لفت الانتباه إلى أنّ بعض المذاهب الفقهية، كالحنفية والشافعية، كانت أكثر مرونة في قبول هذه "المخارج"، ممّا سهل على التجار ممارسة أنشطتهم المالية دون الشعور بالذنب الديني أو التعرض للعقاب القانوني. واستنتج رودنسون أنّ تحريم الربا في الإسلام لم يقف عائقاً حقيقياً أمام تطور النشاط التجاري والمالي، لأنّ الممارسة العملية وجدت دائماً طرقاً قانونية للالتفاف على الحظر، ممّا جعل الاقتصاد يعمل في كثير من جوانبه وفق منطق رأسمالي رغماً عن القيود النصية.
لقد تركزت معظم أساليب التحايل والتأويل في مدارات التجارة والائتمان؛ ومن بين تلك الأساليب كانت حيلة "التورق" للحصول على السيولة. وتعتبر هذه الحيلة هي البديل الرائج للقروض الربوية في المصارف الإسلامية المعاصرة، فيشتري العميل سلعة (مثل معادن أو سيارات) من البنك بثمن مؤجل "أعلى"، ثم يبيعها العميل لطرف ثالث، غير البنك، نقداً ليحصل على السيولة. ومع اتساع عمليات الاستثمار والتمويل، اعتمدت البنوك التقليدية نظام الفوائد البنكية؛ وهي الخطوة التي واجهت هجوماً شرساً من التيارات الأصولية. ومن رحم هذا الاعتراض ولدت البنوك الإسلامية لاستقطاب العملاء المتحفظين، مستفيدة من حالة العزوف تلك. ورغم الإقبال المتزايد عليها وتوسع نشاطها، إلا أنّ تلك البنوك "الإسلامية" ظلت تعمل بجوهر الأسلوب البنكي التقليدي نفسه، لكن بغطاء من المسمّيات الشرعية. ولم تتورع هذه البنوك عن استخدام "الحيل الفقهية" في معاملاتها، خاصة في قطاعي المقاولات والتصنيع، لضمان تحصيل زيادة الثمن مقابل عنصر الزمن دون السقوط في فخ "القرض بزيادة". كذلك كان من أبرز ممارساتها الترويج لعقد "الاستصناع"، كبديل للهروب من ربا النسيئة؛ فبدلاً من إقراض العميل مالاً لبناء بيت وردّه بفائدة، يتم إبرام عقد يشتري فيه الشخص "الخدمة والعمل" بثمن مؤجل، وهو مخرج فقهي مباح بالاتفاق، توسعت فيه البنوك لشرعنة أرباحها. ولم تجد هذه الحيلة اعتراضاً من معظم الفقهاء، الذين رأوا فيها نوعاً من الاستجابة لمتغيرات الواقع فقالوا بصحة العقد مع "الإثم"، إذا لم يشترط ذلك في صلب العقد، أي إذا كان مجرد نية خفية.
أمّا على صعيد الحياة الاجتماعية، فقد انتشرت حيلة "التحليل"، أي الزواج بمحلل، ويتم اللجوء إلى هذه الحيلة عندما يطلق الرجل زوجته "ثلاثاً"، فلا تحلّ له حتى تنكح زوجاً غيره. وتقوم الحيلة على الاتفاق مع رجل آخر يُسمّى "المحلل" ليتزوج المرأة بعقد رسمي ويدخل بها، ثم يطلقها مباشرة لتمكين زوجها الأول من العودة إليها. وعلى الرغم من أنّها محرّمة بنص الحديث، إلا أنّ هذه الحيلة كانت رائجة في العصور التي كثر فيها "الطلاق البدعي"، أي الحلف بالطلاق ثلاثاً في مجلس واحد، بل ظلت تمارس في الكتمان حتى بين الفئات الاجتماعية العليا. ومن هنا جاء تناول السينما المصرية لهذه القضية في أحد أفلامها كإشارة إلى انتشار هذا النوع من التلاعب المعاصر بالحدود بأبهى صورها الساخرة؛ حيث تحول الفنان عادل إمام إلى أداة بشرية لإعادة صياغة واقع شرعي مأزوم.
كذلك راجت حيلة "الأمانة" للالتفاف على حق الشفعة، وهو الحق الذي يمنح الجار الأولوية في شراء بيت جاره إذا عُرض للبيع. ولكي يبيع الشخص بيته لغريب دون اعتراض جاره، كان يبيع جزءاً صغيراً جداً من البيت، شبر مثلاً، للغريب "هبة" لا بيعاً، وبما أنّ الهبة لا شفعة فيها؛ يصبح الغريب شريكاً رسمياً في العقار، وهنا يسقط حق الجار في الاعتراض لأنّ الأولوية انتقلت إلى الشريك الجديد.
لعبت هذه الحيل، وغيرها الكثير من أساليب المناورة الاجتماعية، دوراً محورياً في تسيير الشؤون اليومية والاقتصادية للمسلمين؛ إلا أنّها ظلت في جوهرها امتيازاً لمن يملك القدرة على "شراء المخارج"، وإقناع الفقيه بصياغة الفتوى. أمّا أولئك الذين يفتقرون للوجاهة والسلطة، أو وسائل الدفع الملائم، فقد خضعوا للحكم النصي بحروفه غير القابلة للتبديل، ممّا دفعهم لابتكار "مصنع حيل شعبي" خاص بهم، كآلية دفاعية للتحايل على واقع غير متوازن، وضمان حقهم في العيش وسط عالم يتم تفصيل تشريعاته على مقاس القادرين.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%8A_%D8%B3%D9%86%D8%A7%D8%B1-%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%AF_%D8%B9%D8%A8%D8%A7%D8%B3.jpg.webp?itok=8CTlRjMJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%A8%D8%A7%D9%85%D8%A7_2_0.jpg.webp?itok=YZq101_0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%84%D9%86%D8%AF%D8%A7_0_0_0_0.jpg.webp?itok=xcb0CJSf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%88%D8%A7%D8%A1%20%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D8%A1%20%D8%A8%D9%86%20%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%83_2.jpg.webp?itok=8oiGqW89)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/724158446_122130177477154944_7628977075908430200_n.jpg.webp?itok=VrIHF1DT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/nhj_4_1_0.jpg.webp?itok=kmavJWBY)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9_1_3.jpg.webp?itok=6SxxGstd)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A_0_1_4_0.jpg.webp?itok=ZtSgI9Dk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_3_1_0_2_0_0_1_0_1.jpg.webp?itok=g6wDAP5i)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82_102_0_1.jpg.webp?itok=0khZilrZ)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_10_1.jpeg.webp?itok=NWckZXvy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%867_2_0_0.jpg.webp?itok=KAB_cJlS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/f5293688-9864-4ce0-b5fd-1b2017e77ac2_0.png.webp?itok=DHNzQ9OE)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B1%D8%AF%D9%86_22_12_0.jpg.webp?itok=1Hy2d7Fm)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_89.png.webp?itok=7-WgJd8p)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)