ما مساعي تركيا لإجهاض اتفاق وقف إطلاق النار الليبي؟

ما مساعي تركيا لإجهاض اتفاق وقف إطلاق النار الليبي؟

مشاهدة

26/10/2020

تسعى تركيا برئاسة رجب طيب أردوغان لتعطيل أيّ تقارب بين الليبيين، وإجهاض جهود مفاوضات جنيف التي تقودها الأمم المتحدة، والتي ستنهي أدوارها في ليبيا.

وبدأت تركيا في خرق الاتفاق العسكري الذي وقعه أطراف النزاع الليبي بشأن وقف دائم لإطلاق النار، فيما يبدو أنه تحدٍّ للأمم المتحدة وتجاهل لرغبة الليبيين في تحقيق السلام في بلادهم.

 وأعلنت وزارة الدفاع التركية، أول من أمس، عبر حسابها الرسمي على موقع "تويتر"، وفق ما نقلت وكالة الأناضول، أنّ "قواتها تستمرّ في تدريب قوات حكومة الوفاق في نطاق اتفاقية التدريب والتعاون والاستشارات العسكرية"، في إشارة إلى مذكرة التفاهم الموقعة بين رئيس المجلس الرئاسي فايز السراج والرئيس التركي رجب طيب أردوغان في شباط (فبراير) الماضي، وذلك في خرق واضح للمادة الثانية من الاتفاق العسكري الليبي لوقف إطلاق النار، التي تنصّ على "تجميد جميع الاتفاقيات العسكرية الخاصة بالتدريب في الداخل الليبي وخروح أطقم المدربين الأجانب إلى حين استلام الحكومة الموحدة مهامها، وتكليف الغرفة الأمنية المشكلة بموجب هذا الاتفاق باقتراح وتنفيذ ترتيبات أمنية خاصة تكفل تأمين المناطق التي تمّ إخلاؤها من الوحدات العسكرية والتشكيلات المسلحة".

 

وزارة الدفاع التركية: قواتنا تستمر في تدريب قوات حكومة الوفاق في نطاق اتفاقية التدريب والتعاون والاستشارات العسكرية

 

وفي إشارة واضحة إلى عدم الاكتراث التركي بالمفاوضات الليبية أو باتفاق وقف إطلاق النار، نشرت أنقرة صوراً لعدد من الضباط الأتراك وهم يقومون بتدريب أفراد من مجموعات مسلحة ليبية تابعين لقوات حكومة الوفاق في إحدى المناطق الواقعة غرب ليبيا.

وقلل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من أهمية اتفاق وقف إطلاق النار الذي وقّعه الليبيون في جنيف يوم الجمعة الماضي، معلقاً على الاتفاق بقوله: إنه ضعيف المصداقية، مبدياً شكوكه في صحة التوافق بين طرفي النزاع على انسحاب جميع المرتزقة والقوات الأجنبية من البلاد في غضون 3 أشهر وعلى وقف دائم لإطلاق النار.

اقرأ أيضاً: استقالات إخوان ليبيا... كيف اختلف مشهد مصراتة عن الزاوية؟

وقال أردوغان: إنّ الاتفاق تمّ على مستوى مندوبين؛ أحدهما يمثل اللواء المتقاعد خليفة حفتر، والآخر قائد عسكري من مصراتة يمثل حكومة الوفاق الوطني، لافتاً إلى أنه ليس اتفاقاً على أعلى مستوى.

وعكست أيضاً ردود أفعال أحد قيادي حزب العدالة والتنمية الإخواني موقف تركيا من الاتفاق، حيث قال القيادي في حزب العدالة والتنمية بيرول دمير: إنّ أنقرة ترصد التطورات الميدانية في ليبيا عقب توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، وستبدأ بالحديث بشكل أقوى في تصدير موقف يتبنّى إبعاد اللواء المتقاعد خليفة حفتر عن المشهد الليبي في الفترة المقبلة، وفق ما نقلت شبكة الجزيرة.

وأكد ديمير أنّ هناك محاولات لإضعاف التأثير التركي في المعادلة على الساحة الليبية، وأنّ هناك أطرافاً تسعى لذلك، "ليس في ليبيا وحسب بل في القارة السمراء"، على حدّ تعبيره.

 

أردوغان يقلل من أهمية اتفاق وقف إطلاق النار، ويشكك في صحة التوافق على انسحاب المرتزقة والقوات الأجنبية من ليبيا

 

ولفت إلى أنّ هناك اتفاقاً لوقف إطلاق النار، لكن لا يوجد حلول للمسائل الرئيسة التي تشكّل الصراع الحقيقي على السلطة في البلاد.

وأشار القيادي في حزب العدالة والتنمية إلى أنّ الشعب الليبي ليس مؤهلاً لإجراء الانتخابات، قائلاً: "علامة الاستفهام الأكبر تكمن في كيفية إجراء انتخابات في بلاد تحكمها القبلية، إذ إنّ ما يقارب من 91  قبيلة بالبلاد تسعى للسيطرة فيما بينها".

وفي السياق ذاته، ذكر الكاتب الصحفي المقرّب من الحكومة التركية ياسين قوفانتش أنّ القلق التركي نابع من مصير الاتفاقية الأمنية التي أبرمتها تركيا مع حكومة السراج، لأنّ أحد بنود اتفاق الأمس ينصّ على "تعليق الاتفاقيات العسكرية التي أبرمتها أطراف الصراع في ليبيا".

اقرأ أيضاً: الزخم الدولي في ليبيا وقره باغ يبدد أوهام الدور التركي

وأضاف: إنّ القلق أيضاً يمتدّ إلى طبيعة الموقف الأمريكي المستقبلي في ليبيا، بعد انقشاع غبار الانتخابات الذي قد ينسحب على اتفاقية الغاز لاحقاً بأنها اتفاقية من طرف ليبي واحد دون آخر.

وقال قوفانتش: "بعد كل ما قدّمته تركيا في ليبيا، فإنه من غير المقبول تجاوزها في أي ترتيبات، وتركيا دولة إقليمية فرضت نفسها في المعادلة الدولية".

وفي هذا الإطار، ذكرت صحيفة "خبر ترك" أنّ القضية التي يتوقع أن تندلع فيها المشاكل بعدما تمّ عقد اتفاق وقف إطلاق النار هي تقاسم عائدات النفط، فكيفية تقاسمه ومن سيسيطر على الآبار والموانئ ويحميها ما زال لغزاً غامضاً.

اقرأ أيضاً: فرقاء ليبيا.. لقاءات هادئة وتفاؤل حذر: هل تنجح هذه المرة؟

وحسب الصحيفة، فإنّ البنك المركزي ما يزال تحت سيطرة حكومة الوفاق، في حين تمّ الاتفاق بشأن تحويل عائدات ليبيا من النفط من الخارج، والتي كانت مجمدة منذ 11 عاماً.

 

قيادي في حزب العدالة والتنمية: الشعب الليبي ليس مؤهلاً لإجراء الانتخابات، إذ إنّ ما يقارب من 91 قبيلة تسعى للسيطرة فيما بينها

 

وأوضحت أنه في ظل الظروف الحالية، فإنّ آبار النفط بأيدي حفتر وميليشياته، ولا يوجد ردّ على هذه النقطة المتعلقة بكيفية إدارة هذا الأمر.

وشددت الصحيفة على أنه لا ينبغي لحكومة الوفاق أن تتشتت بسبب الحركة الدبلوماسية المكثفة الأخيرة، ولهذا السبب فإنّ تركيا تحتاج إلى اتخاذ قرار واضح أمام ما يدور.

اقرأ أيضاً: أردوغان سلطان مهزوم في ليبيا

وانسجم موقف الميليشيات الموالية لحكومة الوفاق في ليبيا مع موقف حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا وزعيمه أردوغان، حيث تبحث عن وسيلة لإجهاض هذا الاتفاق، فقد أعلن عدد من الميليشيات التي تُعدّ واجهة للإسلاميين في ليبيا عن تأسيس كيان جديد سمّوه "ائتلاف القوات المدنية المساندة"، في خطوة يرى مراقبون أنها تستهدف تحدّي اتفاق جنيف الموقع مؤخراً ومحاولة لنسفه، خاصة أنّ الاتفاق الذي وقعه طرفا النزاع يتضمن في بنوده حصر القوى المتقاتلة ودمجها.

 

الميليشيات الموالية لحكومة الوفاق تشكل ائتلاف القوات المدنية المساندة في محاولة لإجهاض اتفاق وقف إطلاق النار

 

ويضم الائتلاف الجديد، الذي جرى الإعلان عنه أول من أمس، عدداً من المجموعات المسلحة التابعة لحكومة الوفاق.

وقالت هذه المجموعات في بيان لها أوردته صحيفة المرصد الليبية: إنّ هذا التأسيس جاء نتاجاً لما اتفق عليه عناصر الميليشيات في ملتقاهم الأول الذي عقدوه سابقاً، وتم الاتفاق فيه على تشكيل جسم يمثلهم ويعبّر عن إرادتهم.

بالمقابل، تعالت الأصوات المرحبة بوقف إطلاق النار في عموم الأراضي الليبية، الذي تم التوصل إليه في سياق مفاوضات اللجنة العسكرية المشتركة "5+5" بين طرفي النزاع في ليبيا، في جنيف يوم الجمعة الماضي.

ورحبت مصر، التي تُعدّ أكبر حليف لـ"الجيش الوطني الليبي" بقيادة خليفة حفتر، بالاتفاق المبرم، مشيرة إلى أنّ هذا الإنجاز جاء استكمالاً لأول اجتماع مباشر بين طرفي النزاع استضافته مدينة الغردقة المصرية أواخر أيلول (سبتمبر) الماضي، بحسب ما أوردت صحيفة "بوابة أفريقيا".

اقرأ أيضاً: ماذا تعرف عن عمر التربي مهندس الفوضى في ليبيا؟

ودعت الخارجية المصرية في بيان لها الدول المنخرطة في الشأن الليبي إلى الإسهام في الجهد الحالي وضمان عدم التصعيد في جبهات القتال، مبدية دعم القاهرة لدعم مساعي الأمم المتحدة الرامية لتحقيق الهدف الرئيسي، وهو ضمان استقرار ليبيا والحفاظ على سيادتها وسلامة ووحدة أراضيها، مع ضرورة خروج القوات الأجنبية من البلاد".

 

مصر وفرنسا وأمريكا وإيطاليا ودول عربية وأفريقية رحبت باتفاق وقف إطلاق النار في عموم الأراضي الليبية

 

من جانبها، رحبت الولايات المتحدة "ترحيباً حاراً" بالاتفاق المبرم بين الفرقاء الليبيين، مشددة على أنه يمثل "خطوة كبيرة إلى الأمام نحو تحقيق المصالح المشتركة لجميع الليبيين في خفض التصعيد والاستقرار ورحيل المقاتلين الأجانب"، و"يمهّد الطريق لمزيد من التقدم" في منتدى الحوار السياسي الليبي الذي سينطلق الأسبوع المقبل بهدف التوصل إلى حل دائم للصراع.

وأشادت السفارة الأمريكية في ليبيا، حسبما نقلت شبكة "سي إن إن"، بالدور المحوري الذي لعبته رئيسة بعثة الأمم المتحدة في ليبيا بالإنابة ستيفاني وليامز في إبرام الاتفاق، داعية كافة الجهات الفاعلة الداخلية والخارجية إلى "دعم تنفيذ الاتفاق بحسن نية".

اقرأ أيضاً: تركيا ممتعضة من مفاوضات جنيف ومحاولات لعرقلة المسار السياسي في ليبيا

في غضون ذلك، أعرب المفوض الأعلى للشؤون الخارجية والأمن بالاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل على حسابه في "تويتر" عن دعمه لاتفاق جنيف، مشدداً على أنّ إعلان الأمم المتحدة عنه "مرحب به جداً".

وأكد بوريل أنّ الاتفاق يمثل خطوة ذات أهمية قصوى لاستئناف المفاوضات السياسية، معرباً عن أمل الاتحاد الأوروبي في أن يصبح الاتفاق "نقطة تحوّل في الأزمة الليبية".

من جانبها، أعربت إيطاليا أيضاً عن تأييدها للاتفاق المبرم في جنيف والمساعي الأممية ذات الصلة، مؤكدة أنّ الاتفاق يُعدّ تطوراً في غاية الأهمية بالنسبة إلى استقرار ليبيا.

وناشدت الخارجية الإيطالية، في بيان لها نقلته وكالة "فرانس برس"، كافة الأطراف الليبية تطبيق الاتفاقات المبرمة بشكل فعال، مع مواصلة التحلي بالموضوعية بما يخدم بأفضل صورة مصالح ليبيا، معربة عن أمل روما في أن تنعكس التطورات القادمة على الحوار السياسي الليبي الذي قد يشهد في الأسابيع القادمة خطوة حاسمة نحو تسوية النزاع.

بدورها، أشادت فرنسا أيضاً بالاتفاق، إذ لفت وزير خارجيتها جان إيف لودريان إلى أنّ 3 عوامل مواتية مطلوبة لإحلال السلام في ليبيا باتت متوفرة اليوم، مشدداً على ضرورة بلورة مخرجات مشاورات جنيف في حلٍّ مستدام للنزاع.

اقرأ أيضاً: قاعدة عقبة بن نافع.. "شوكة تركية" في قلب ليبيا

وتأتي كل هذه الخطوات العسكرية قبل انعقاد جلسات حوار سياسي في تونس برعاية أممية، سيجلس فيها الفرقاء السياسيون الليبيون على طاولة التفاوض لتحديد مسارات مهمّة تخصّ إجراء انتخابات ديمقراطية في ليبيا، وتشكيل مؤسسة عسكرية موحدة، وإنهاء التدخل الأجنبي في البلاد.

وقد وقعت الأطراف الليبية اتفاقاً لوقف إطلاق النار وُصف بالتاريخي، في العاصمة السويسرية جنيف، ومن بين البنود التي تضمّنها هذا الاتفاق، الذي جاء بعد مشاورات مطوّلة، حلّ الميليشيات، ودمج القوى المتقاتلة، وإخراج القوات الأجنبية من ليبيا.

الصفحة الرئيسية