ماذا بعد 7 أكتوبر/تشرين الأوّل؟

ماذا بعد 7 أكتوبر/تشرين الأوّل؟

ماذا بعد 7 أكتوبر/تشرين الأوّل؟


16/08/2026

علي لفتة سعيد

لم يكن السابع من أكتوبر/تشرين الأوّل 2023 يومًا عاديًا في تاريخ الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي؛ فقد أطلقت حركة حماس عملية "طوفان الأقصى"، التي نجح مقاتلوها في اختراق السياج الحدودي ومهاجمة مواقع عسكرية ومستوطنات إسرائيلية في غلاف غزة، وقتل وأسر عدد من الإسرائيليين. كان ذلك الفجر بمثابة جرس إنذار أعاد القضية الفلسطينية إلى واجهة الاهتمام العالمي، بعد أن تراجعت طويلًا أمام ملفّات المنطقة والعالم. وانقسم العالم بين مؤيّد للعملية بوصفها مقاومة للاحتلال، ورافض لها بسبب ما رافقها من قتل وأسر، فيما حاول آخرون الفصل بين حق الفلسطينيين في مقاومة الاحتلال، وبين الواقع المأساوي الذي كان يعيشه الشعب الفلسطيني برمّته.

لكن السابع من أكتوبر لم يبقَ عمليةً عسكريةً محدودة، بل فتح حربًا واسعة امتدت من غزة إلى لبنان والعراق واليمن، ووصلت إلى مواجهة مباشرة مع إيران. ومع مرور ما يقارب ثلاثة أعوام، يصبح السؤال مشروعًا: ماذا حقّقت العملية للقضية الفلسطينية؟ وماذا خسر الفلسطينيون في المقابل؟ لا يمكن إنكار أن "طوفان الأقصى" أحدث صدمة أمنية وعسكرية كبيرة داخل إسرائيل، وأعاد القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام الدولي، وأظهر أن القضية لم تنتهِ كما كان يعتقد البعض. كما أدّى إلى عمليات تبادل للأسرى وإطلاق أعداد من الفلسطينيين من السجون الإسرائيلية.

لكن النجاح العسكري والرمزي لا يعني بالضرورة تحقيق الهدف السياسي؛ فالدولة الفلسطينية لم تقم، والاستيطان في الضفة الغربية لم يتوقف بل تسارع، بينما تحوّلت غزة إلى مساحة واسعة من الدمار. وبحسب التقديرات الدولية، تجاوز عدد الفلسطينيين الذين قُتلوا في غزة 73 ألفًا، فيما تجاوز عدد الجرحى 173 ألفًا. كما دُمّرت أو تضررت أكثر من 371 ألف وحدة سكنية، ونزح نحو 1.9 مليون فلسطيني، بينما قدّرت الأمم المتحدة والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي احتياجات إعادة إعمار غزة بنحو 71.4 مليار دولار.

ولم تتوقف الخسائر عند غزة؛ ففي الضفة الغربية تسارع النشاط الاستيطاني، إذ تشير بيانات "السلام الآن" إلى التخطيط لنحو 27,941 وحدة استيطانية خلال عام 2025، إلى جانب قرارات بإنشاء 54 مستوطنة جديدة. وهذا يعني أن الجغرافيا الفلسطينية نفسها أصبحت أكثر تجزؤًا، وأن قيام دولة فلسطينية متّصلة الأراضي بات أكثر تعقيدًا، بل اقترب إلى المستحيل. كما أن انتقال المواجهة إلى لبنان والعراق واليمن، ثم إلى إيران، وسّع دائرة الحرب، لكنه لم يتحوّل حتى الآن إلى مكاسب سياسية تتناسب مع حجم الخسائر البشرية والعمرانية التي لحقت بالفلسطينيين.

لهذا انقسم حتى المؤيدون للقضية الفلسطينية إلى اتجاهين: فريق يرى أن الموقف يجب أن يكون مع فلسطين لا بالضرورة مع حماس، وفريق يرى أن ما جرى جزء من مؤامرة تستهدف إنهاء القضية الفلسطينية، ويستند في ذلك إلى حجم الخسائر التي تعرّضت لها غزة والمقاومة.

لكن القضية لا يمكن أن تختصر في سؤال: من انتصر ومن خسر؟ فالمقاومة استطاعت أن تعيد القضية إلى العالم، لكنها لم تستطع حتى الآن تحويل ذلك إلى دولة. وإسرائيل تعرّضت لصدمة أمنية وعسكرية كبيرة، لكنها استطاعت في المقابل مواصلة الحرب والاستيطان.

إذن ماذا بعد؟ ربما يكون الدرس الأهم بعد السابع من أكتوبر أن الانتصار العسكري لا يكتمل من دون مشروع سياسي. فالقضية الفلسطينية تحتاج إلى استراتيجية تتجاوز الحرب إلى بناء الدولة، وإلى موقف فلسطيني موحّد، وضغط عربي ودولي قادر على وقف الاستيطان والاحتلال، وإلى رؤية واضحة لشكل الدولة الفلسطينية وحدودها وعاصمتها.

لقد أعاد السابع من أكتوبر فلسطين إلى قلب العالم، لكنه في الوقت نفسه ترك وراءه عشرات الآلاف من القتلى، ومئات الآلاف من الجرحى، ومئات الآلاف من البيوت المدمّرة والمتضرّرة، وقطاعًا يحتاج إلى عشرات المليارات لإعادة بنائه، فيما تتقدّم المستوطنات في الضفة الغربية.

ومن هنا فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل كان السابع من أكتوبر انتصارًا أو هزيمة؟ بل: هل تستطيع القيادة الفلسطينية والعربية تحويل هذه التضحيات الهائلة إلى مشروع سياسي ينتهي بقيام الدولة الفلسطينية، أم تتحوّل كل هذه الخسائر إلى فصل آخر طويل من فصول القضية؟ أم أن رأي الطرف الذي عدّ كل شيء مؤامرة لتصفية القضية الفلسطينية هو الأرجح؟

العرب




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات
الصفحة الرئيسية