لماذا يُعطّل الرئيس عون تشكيل الحكومة اللبنانية؟

لماذا يُعطّل الرئيس عون تشكيل الحكومة اللبنانية؟

مشاهدة

15/02/2021

لا يبدو أنّ ولادة الحكومة اللبنانية قريبة، سواء بتدخّل دوليّ أو إقليميّ، بينما استنذفت الجهود الداخليّة، أمام فيتو الرئيس عون وتياره السياسيّ، برئاسة صهره، جبران باسيل، الذين يريدون الحصول على الثلث المعطّل في الحكومة.

وتتفق جميع القوى في أنّ عون وباسيل يسعيان من وراء التعطيل إلى الحصول على وضع قويّ، بهدف تمكين باسيل من خلافة عون في الرئاسة، بينما ينفي التيار الوطني الحرّ ذلك، ويتّهم الحريري بازدواجية المعايير في التشكيل؛ حيث سمح للقوى السياسيّة بتسمية وزرائها، ويرفض ذلك عليهم، وهو ما نفته جميع القوى.

ويستخدم العونيون الورقة الطائفية في صراعهم مع الحريري؛ باتهامه بالجور على حصة المسيحيين، وهو الأمر الذي رفضته قوى سياسية مسيحية، واتّهموا عون وباسيل بتوظيف الطائفية لخدمة مصالحهم الحزبية الضيقة.

هناك مخاوف من عودة الاحتجاجات على خلفية تعطّل الحكومة

ويستند عون إلى السلطة الدستورية في مشاركته مع الرئيس المكلف في تشكيل الحكومة والتصديق عليها، هي سلطة مُنحت لرئيس الجمهورية بفرض أنّه فوق الأحزاب، وحامي الدستور، ويقف على مسافة واحدة من الجميع، لكنّ الرئيس عون يستخدم هذه السلطة في فرض شروط حزبه، والتمكين لصهره، مما أدخل البلاد في أزمة سياسية، زادها تعقيداً عدم وجود مادة في الدستور عن عزل الرئيس.

الثلث المُعطل

انقضت ثلاثة أشهر على تكليف سعد الحريري بتشكيل الحكومة، دون مؤشرات على قرب ولادتها، وانقضى الشهر الأول في لقاءات مع جميع القوى السياسية، خلصت إلى قبول الجميع بتشكيل حكومة من اختصاصيين، وفق ما طرحته المبادرة الفرنسية، مع تدخل محدود من القوى السياسية عن طريق ترشيح مجموعة من الأسماء المستقلة، غير الحزبية، يختار من بينهم الحريري، أو يطرح مجموعة أسماء على هذه القوى، توافق عليهم، ويختار من بينهم.

وهو حلّ وسط جاء بعد معارضة حزبية لمبدأ الاختصاص الكامل، واعترض التشكيل أزمة إصرار الثنائيّ الشيعيّ على حقيبة الماليّة، وتمّ التوافق على منحها لهم لمرة واحدة، على أنّ تعود إلى المداورة، مع تسمية الحريري لحامل هذه الحقيبة.

يُتهم التيار الوطني بالتمسك بتسمية 7 وزراء من التشكيلة الحكومية التي تبلغ 18 وزيراً، كي يحوز على الثلث المعطّل، الذي يمكّنه من إسقاط الحكومة

وعقب انقضاء الشهر الأول؛ كان الحريري قد أكمل تشكيلته الحكومية، وبقي أمامه حصة التيار الوطني الحرّ، التي تتكون من وزراء مسيحيين، وآخرين من حلفائه، مثل الحزب الديمقراطي اللبناني، بزعامة طلال أرسلان، الذي يطرحه عون كمنافس في الحصة الدرزية، التي يعدّ الحزب التقدميّ الاشتراكيّ أهم ممثّل لها.

وأخفق إتمام التشكيل الحكومي على خلفية رفض الرئيس عون وباسيل أن يسمي الحريري أسماء كتلتهما في الحكومة، واتهامه بالسماح لبقية القوى بتسمية مرشحيها، والمطالبة بالحقّ نفسه، وهو ما نفته القوى السياسية والحريري.

ويُتهم التيار الوطني بالتمسك بتسمية سبعة وزراء من التشكيلة الحكومية، التي تبلغ 18 وزيراً، كي يحوز على الثلث المعطل، الذي يمكّنه من رفض القرارات الحكومية، وإسقاط الحكومة.

وعقب شهرين من انقطاع الاتصالات بين الرئيس عون والرئيس المكلّف، الحريري، التقى الطرفان في الثاني عشر من الشهر الجاري، بناء على طلب من الحريري لبحث ملف التشكيل، دون أن يتوصلا إلى جديد، بحسب ما أعلن الطرفان.

ماذا يريد عون وباسيل؟

يرى نائب رئيس تيار المستقبل، مصطفى علوش؛ أنّ؛ الرئيس عون وباسيل يريدان فرض حكومة على شاكلة الحكومات السابقة، تسيطر عليها الأحزاب السياسية، ويكون للتيار الثلث المعطل من خلال تسمية الوزراء المسيحيين، بما يضمن عودة باسيل للتحكم في المعادلة السياسية.

نائب رئيس تيار المستقبل، د. مصطفى علوش

وفي السابق كان التيار الوطني، وحليفه حزب الله، لديهما الثلث المعطل في حكومات الحريري، وأسقطا حكومته الأولى، عام 2011، وفي حكومته الثانية كان بيدهم الثلث المعطل.

ولم يسمِّ حزب الله أسماء وزرائه في الحكومة المنتظرة، ما يعني غياب الثلث المعطل للحليفين، وهو ما يعد تنازلاً من الحزب، الذي يدرك طبيعة المرحلة الحساسة، والنقمة الدولية والعربية الكبيرة عليه، وهو ما يبدو انحناء أمام التيار، كي لا تغرق سفينته، وهو ما جعل التيار الوطني يقاتل وحيداً للحصول على الثلث المعطل.

اقرأ أيضاً: هذا ما كشفه اغتيال لقمان سليم في لبنان.. ما علاقة حزب الله؟

ويريد الرئيس عون وباسيل تسمية 6 وزراء مسيحيين، إلى جانب وزير حزب الطاشناق، أو وزير من جبهة طلال أرسلان.

وتحدّث لـ "حفريات"، الكاتب والمحلل السياسي اللبناني، شادي سرايا، قائلاً: "يفكّر العونيون فيما بعد عون، فربما يموت قبل اكتمال ولايته، ولذلك يصرّون على الثلث المعطل، ليكون باسيل الحاكم الفعلي للبنان".

وعن موقف التيار الوطني الحرّ، يقول الناشط السياسي، جاي عون: "لم يطرح التيار أيّ اسم، ولا يريد المشاركة بحكومة غير منتجة، ولم يتواصل الحريري مع قادة التيار، أو أيّة قيادة مسيحية، بينما يتواصل بشكل دائم مع باقي الفرقاء، ولا يريد للرئيس، صاحب التوقيع على تشكيل الحكومة دستورياً أنّ يشارك في التشكيل أو تسمية الوزراء المسيحيين".

فيتو الحريري

وكان رئيس حركة أمل، ورئيس البرلمان، نبيه بري، قد نشر تدوينة على تويتر، أثارت اللغط، حول تسميته للوزراء الشيعة: "كتلة التنمية والتحرير التزمت بمعيار تشكيل الحكومة، فأقدمت على تسمية أسماء ليست لها وليست ضدها، هذا المبدأ يسري على الجميع دون استثناء".

الناشط بالتيار الوطني الحرّ، جاي عون

ويستند التيار العوني على ذلك في المطالبة بتسمية وزرائهم، لكنّ كلام بري لا يعني أنّه سمى الوزراء، وبحسب تصريحات مصطفى علوش، في حديثه لـ "حفريات"؛ فإنّ بري تراجع عن التصريحات، وأعاد القول: "الحريري طرح أسماء ليست معنا، وليست ضدّنا".

ويردف علوش: "الجميع طرحوا أسماء وخيارات، من مستقلين، واختار الحريري منهم، ومن أسماء أخرى مستقلة، وحتى الرئيس عون طرح عدة أسماء، وقبل الحريري بها، ثم عاد الرئيس وتراجع عنها، لأنّ جبران لا يثق بأيّ مستقلّ، ويريد أنّ يحوز الثلث المعطل بتعيين وزراء موالين له".

الناشط شادي سرايا لـ"حفريات": يفكر العونيون فيما بعد عون، فربما يموت قبل اكتمال ولايته، ولذلك يصرّون على الثلث المعطّل؛ ليكون باسيل الحاكم الفعليّ للبنان

وحول اتّهام العونيين لوليد جنبلاط بتسمية وزيره في الحكومة، يقول الكاتب شادي سرايا، القريب من التقدمي الاشتراكي: "جنبلاط لم يسمِّ أحد، بل قدّم قائمة بأسماء من مستقلين، أصدقاء للحزب، ليختار الحريري من بينهم وزيراً، وكذلك لم يسمِّ بري أحداً".

وكان الحريري أعلن أنّه لن يقبل بمنح الثلث المعطل لجبران باسيل، مؤكداً أنّ المجتمع الدولي لن يقبل بحكومة بهذا الشكل، بل بحكومة اختصاصيين من مستقلين.

الورقة الطائفيّة

ويرى العونيون في نهج الحريري تهميشاً للطائفة المسيحية، ويبين الناشط جاي عون، لـ "حفريات": أنّ "المسيحيين عانوا من الظلم في تسمية وزرائهم منذ الاحتلال السوري، "بعد عدة انتخابات نيابية أفرز الشارع المسيحي قوى تمثّله في البرلمان، ولها فعالية على الأرض، ولن نقبل بتسمية وزراء لا طعم ولا لون لهم، تحت حجة اختصاصيين، والتيار مليء بالاختصاصيين في كلّ المجالات".

الكاتب والمحلل السياسي، شادي سرايا

وينسى العونيون أنّهم لا يمثّلون كلّ الشارع المسيحي، ويؤكّد عضو المجلس المركزي بحزب القوات اللبنانية، جاد دميان؛ أنّ "حقوق المسيحيين تتأمن من خلال اختيار أعلى الكفاءات بعيداً عن منطق الارتباط الشخصي أو الحزبي"، ويؤكد على موقف القوات، قائلاً: "يجب تشكيل حكومة من مستقلين اختصاصيين، وبالتالي أن يتمّ اختيار أشخاص ذوي كفاءة عالية، غير مرتبطين بأيّ من الأحزاب الحاكمة، وينحصر التأليف بين الرئيس المكلف ورئيس الجمهورية، أما منطق المحاصصة والتسويات فيضرب منطقي الاختصاص والاستقلالية".

اقرأ أيضاً: عودة الاغتيالات إلى لبنان لا تبشر بحلحلة قريبة للوضع المتأزم

ويردف دميان لـ "حفريات": حول حديث التيار عن تهميش المسيحيين، "التيار الوطني، وأمام كلّ استحقاق مفصلي، يحاول شدّ العصب المسيحي في محاولة منه لرفع حصته من قالب حلوى التحاصص. والمسيحيون يريدون تشكيل حكومة تنتشل جميع اللبنانيين من الأزمة الاقتصادية والمالية والنقدية والسياسية والاجتماعية، وليست من أولويات الناس معارك طواحين الهواء التي يحاول التيار خوضها تحت شعارات شعبوية فارغة".

ويشدّد دميان على أنّ؛ "المسيحيين، وكلّ اللبنانيين، مع منطق الدولة، والأداء الأخير للتيار العوني بعيد كلّ البعد عن هذا المنطق".

ويعيش لبنان أسوأ أزمة اقتصادية في تاريخه الحديث؛ حيث ارتفعت معدلات الفقر بشكل خطير، وشهدت عدة مناطق احتجاجات على وقع تردّي الأوضاع المعيشية، التي زادتها جائحة كورونا صعوبةً.

عضو المجلس المركزي بحزب القوات اللبنانية، جاد دميان

ويرى جميع اللبنانيين أنّ الأولوية لتشكيل حكومة اختصاصين، قادرة على تنفيذ إصلاحات هيكلية في الاقتصاد، تمهيداً لقبول المجتمع الدولي بها، وعودة المساعدات والمنح والقروض والاستثمار.

وربما تراجعت مسألة حيادية لبنان عن الواجهة، في ظلّ هيمنة حزب الله على مفاصل الدولة، وتبعيته لإيران، وهي المشكلة التي لا يوجد حلّ داخلي لها، لكن إذا جرى تشكيل حكومة اختصاصيين ستكون البداية لعودة منطق الدولة، بما يمهّد لبحث مسألة الحيادية لاحقاً.

الصفحة الرئيسية