كيف تدمر الأيديولوجيا الدينية المتطرفة بنية المجتمعات العربية المعاصرة؟

كيف تدمر الأيديولوجيا الدينية المتطرفة بنية المجتمعات العربية المعاصرة؟

مشاهدة

25/02/2018

 

"قد أخالفك الرأي، لكنني أضحي بحياتي دفاعاً عن حقك فيما تقوله" فولتير

 

قد يُرجعنا هذا العنوان إلى ما يقارب القرن؛ حيث لم تكن أسئلة ما بعد الحداثة، وأسئلة الوجود الإنساني، قد تكشفّت على مسرح الخطاب الفلسفي الحديث، ورغم تكشّف جانبها الأبرز، وأقصد الجانب الأنطولوجي، إلّا أنّها ما زالت تراوح مكانها في الخطاب العام؛ العالمي والعربي، الذي لم تتأصل فيه، حتى الآن، المفاهيم الجوهرية لفلسفة ما بعد الحداثة، التي تحاول إعادة إنتاج علاقة فاعلة بين المركز والهامش، وطالما أنّ الوعي العام مؤسس على المركزية، لن نعدم إعادة إنتاج الأيديولوجيا، التي يقوم جوهرها على الإقصاء والتهميش.

والغالبية يعرف أنّ الأيديولوجيا هي مجموعة من المُعتقدات والأفكار التي تؤثر في نظرة الأفراد أو الجماعات إلى العالم، ولها أنواع متعددة، لا مجال لذكرها، لكنّ أخطرها على الإطلاق؛ الأيديولوجيا السياسية، والأيديولوجيا الدينية، اللتان تسيّران المجتمعات حسب أهوائهما ورغباتهما ومصالحهما، تحاشياً للمساس بسلطتهما، والرغبة في بسط السيطرة المطلقة على المجتمعات. هل للأيديولوجيا بنىً تحتية تمنع المجتمعات العربية من السير قدماً نحو الحداثة وما بعد الحداثة؟ وما هي الأيديولوجيا الأخطر في إعاقة هذا التقدّم؟ هل نحن أمام انهيار محتوم للعالم العربي والفكر الحديث؟

الأيديولوجيا السياسية والدينية، أخطر أنواع الأيديولوجيات، فهما  تسيّران المجتمعات حسب أهوائهما ورغباتهما ومصالحهما، تحاشياً للمساس بسلطتهما

للأيديولوجيا بنى تحتية، تؤثّر وتتأثر، بها الحياة الاجتماعية العامة، وعلى وجه الخصوص، في المجتمعات المتخلفة، كالمجتمعات العربية التي ما زالت تعيش حالة قطيعية، فــ "التّعصب" أياً كان مصدره؛ سياسياً واجتماعياً ودينياً وثقافياً، هو الرحم الذي تترعرع فيه الأيديولوجيا، ويولد منه العنف والتطرف والتسلط، كما أنّه أهم هذه البنى وأخطرها على الفرد والمجتمع، فمفهوم التعصب يحيل إلى ظاهرة بشرية تاريخية، اجتماعية- اقتصادية، وثقافية، وسياسية، وأخلاقية، مركبة ومتعددة الأبعاد والوجوه، حسب الباحث السوري جاد الكريم الجباعي، إذاً هو خاصة يتميّز بها الإنسان، عن الحيوان كما يميّزه العقل الذي ألهم الإنسان إنتاج آليات الخراب والدمار.

لا يوجد التعصب إلّا حيث يكون له واحة خصبة تساعد في إنمائه وتمدّده، وعقول محدودة التفكير قابلة لأن تقتنع بأفكار المتعصب ودعواته وتبشيره، وإلّا فلماذا نرى الاقتتال الدائر على الساحة السورية، وفي غير مكان من الدول والمجتمعات المتخلفة فكرياً؟ ولماذا نرى الفكر الجهادي يضرب في طول واقعنا وعرضه، ودائماً بحجة الدفاع عن الله وأوليائه الصالحين؟ إنّ التعصّب يعصب العقل عن التفكير والتدبير، ويصبح غايةً لا حدود لها للاستلاب المتعمد، والاغتراب عن الذات الإنسانية، واستغلال الإنسان للإنسان، وإقصاء الآخر المختلف والأخرى المختلفة في وطن هو، بالضرورة، مكان لاحتواء الجميع على مختلف مشاربهم، وهل يحتاج الله لمن يدافع عنه إلى هذه الدرجة المرعبة من القتل والسلب والنهب وسبي النساء والخطف، إلى ما هنالك مما نشهده من اقتتال وتناحر وإقصاء يستشري في العالم العربي والإسلامي اليوم؟

هنا تنزلق المجتمعات إلى مستنقع العنف، فالتطرف ثم الإرهاب، وتصبح غاية الفرد المتعصب، أو الجماعة المتعصبة، أو المذهب، أو الطائفة، أو الحزب، القضاء على الآخر المختلف عنه. لا يكون الدفاع عن الدين إلّا في تكفير الآخر المختلف، ولا يكون الدفاع عن الأمة والوطن إلّا في تخوينه، لإلغائه معنوياً، أو قتله، فلا فرق، ودون أيّ رادع أخلاقي.

فإذا راجعنا كتاب "سيكولوجية التعصب"، لـ "أندريه هاينال وميكلوس مولنار وجيرار دي بوميج"، ترجمة خليل أحمد خليل، نرى أنّ المتعصبين ينقسمون إلى قسمين: "متعصبين أصليين، يمتلكون الثروة والسلطة ومصادر القوة، ويعملون كلّ ما في وسعهم للدفاع عنها والحفاظ عليها، ومتعصبين تابعين يتماهون بهؤلاء، ويستبطنون تعصبهم، ليكونوا تابعين للقسم الأول، يقبلون بكلّ أفكارهم ومعتقداتهم، وينفّذون كل ما يُطلب منهم، دون تردّد أو تفكير، ما يؤدّي إلى انعدام الوعي الذاتي لدى الأفراد، أو الجماعة المتماهية بجماعة أخرى، بالتالي؛ انعدام حريتها وتقرير مصيرها بنفسها، أو بتعبير أدقّ؛ الخوف من حريتها؛ لأنّ التابع لا يتعيّن إلّا بتعيّن المتبوع.

هل يحتاج الله لمن يدافع عنه إلى هذه الدرجة المرعبة من القتل والسلب والنهب وسبي النساء والخطف؟!

يؤكّد الأطباء النفسيون، أنّ "المرء إذا تجاوز، ما يسمونه عتبة التعصب أو العنف، يمكن أن يتصاعد عنفه بسرعة، الشيء الذي يفسّر تحوّل من كنّا نعدّهم أهلاً وجيراناً وأصدقاء ثقة، لما هو أشدّ وأخطر من الوحوش الضارية"، هذا يحيلنا إلى التعصب الاجتماعي الذي ما يزال يجري مسرعاً نحو موروث مشحون بالأيديولوجيا حتى النخاع، بتعبير المفكر جورج طرابيشي؛ إذ تبدأ بغضّ الطرف عن هذا الموروث، التي تزعم المجتمعات أنّه من خصوصياتها، ومن تقاليدها، ويصبّ في معتقداتها الدينية.

عرّف المفكر جميل صليبا التعصب، على أنّه: "الميل إلى جماعة أو فكرة أو مبدأ أو عقيدة، والغيرة عليها، والجدّ في مناصرتها والدفاع عنها، ومقاومة خصومها، وكلّ من يدافع عن عقيدته، أو عن أمر من أموره، أو عن شخص يحبّه، بحماسة عمياء، يأخذ بجميع الوسائل لنصرة ما يقول، فهو رجل متعصّب؛ لأنّ من صفات المتعصب أن يسخِّر عقله لهواه، وأن يجدَّ في نصرة رأيه بالعنف، وأن يضيق عن المناظرة بالحق" (بحماسة عمياء)؛ أي إنّ فكر المتعصب فكر مغلق، يفتقد الانفتاح على الآخر والحوار معه،  فالتعصب، إذاً، نقيض التسامح، ونقيض الحرية التي هي حقّ مشروع وطبيعي من حقوق الإنسان.

هل يصل الفكر الحديث إلى التأثير بالمجتمعات العربية، وإحلال التسامح محلّ التعصب والتطرف، كما أثّرت رسائل "جون لوك، وفولتير" في التسامح بالمجتمعات الأوروبية، لتصبح الإنسانية المبدأ والعقيدة والدين؟ وهذا السؤال سيبقى ملحّاً، طالما أنّ مجتمعاتنا ما تزال مرتهنة لأيديولوجيا تستثمر تأخّرنا وتراهن عليه.

 


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية