
عبدالكريم البليخ
تمرّ اليوم، الحادي والعشرون من أغسطس، ثماني سنوات على رحيل الروائي السوري الكبير حنّا مينة، الذي غادر الحياة عام 2018 عن أربعة وتسعين عاماً، تاركاً وراءه واحدة من أكثر التجارب حضوراً وتأثيراً في تاريخ الرواية السورية والعربية الحديثة.
ثماني سنوات مرّت، غير أن صاحب «الشراع والعاصفة»، و«نهاية رجل شجاع»، و«بقايا صور» لم يغادر تماماً؛ فالكتّاب الذين ينجحون في تحويل حياة الناس البسطاء إلى أدب لا يرحلون بسهولة. تبقى شخصياتهم في الذاكرة، وتظل أصواتهم عالقة في الأزقة والمرافئ والحانات والسفن، وفي وجوه أولئك الذين حملوا أعباء الحياة الثقيلة ولم يجدوا من يروي حكاياتهم.
كاتب صنعته الحياة
لم يصل حنّا مينة إلى الأدب من بوابة المدارس والصالونات الثقافية المترفة، بل جاء إليه من الحياة نفسها؛ من الفقر والعمل الشاق والشارع والميناء والبحر. عاش طفولة قاسية في إحدى قرى لواء الإسكندرون، ثم انتقل مع أسرته إلى اللاذقية عام 1939، المدينة التي ستغدو لاحقاً مسرحاً وذاكرةً ومصدراً أساسياً لعالمه الروائي.
كان عصامياً بالمعنى الحقيقي للكلمة. عمل حلاقاً وحمّالاً وبحّاراً ومصلّحاً للدراجات ومربياً للأطفال وموظفاً، وعرف عن قرب حياة العمال والبحارة والفقراء. لم يذهب إلى هؤلاء بصفته روائياً يبحث عن شخصيات لرواياته، بل عاش بينهم واحداً منهم، واختبر التعب والخوف والجوع والقسوة قبل أن يحوّلها إلى حبر.
ولهذا لم يكن الفقر في رواياته زينة واقعية، ولم يكن العامل أو البحار شخصية ثانوية تُستخدم لإكمال المشهد؛ كان هؤلاء في قلب الحكاية، لأنهم كانوا، في نظره، في قلب الحياة نفسها.
بدأت علاقته بالكتابة متواضعة؛ من كتابة العرائض إلى الأخبار والمقالات والقصص القصيرة التي أرسلها إلى الصحف السورية، ثم استقر في دمشق عام 1947 وعمل في الصحافة، قبل أن يشق طريقه إلى الرواية. ومع صدور «المصابيح الزرق» في خمسينيات القرن الماضي، بدأ اسم حنّا مينة يرسّخ موقعه في المشهد الروائي، لتتوالى بعد ذلك أعماله وتشكّل مشروعاً أدبياً امتد عقوداً.
يصعب الحديث عن حنّا مينة من دون البحر، لكن اختزال تجربته في عبارة «روائي البحر» قد يظلمه بقدر ما يكرّمه.
فالبحر عنده لم يكن زرقةً رومانسية، ولا لوحةً جميلة خلف الشخصيات. كان فضاءً للصراع؛ قاسياً ومفتوحاً ومخيفاً، يحمل الرزق والموت معاً. وكان البحّار لديه إنساناً يصارع الطبيعة والسلطة والفقر ونفسه في الوقت ذاته.
لهذا حضرت السفن والمرافئ والعواصف والمراكب بكثافة في أعماله، من «الياطر»، إلى «الدقل»، و«حكاية بحّار»، و«البحر والسفينة وهي»، و«الشراع والعاصفة». غير أن البحر، في عمق هذا العالم كله، كان استعارةً كبرى للحياة: من لا يقاوم الموج تبتلعه المياه.
ربّما لهذا كانت شخصيات حنّا مينة عنيدة مثله. تسقط لكنها تنهض، تُهزم لكنها لا تستسلم بسهولة، وتتشبث بكرامتها حتى عندما لا يبقى لها شيء آخر تتمسك به.
كان منحازاً بوضوح إلى الفقراء والكادحين والمهمّشين، ولم يخفِ موقفه الفكري أو السياسي. شارك في مقاومة الاستعمار الفرنسي، واقترب من الفكر اليساري، ودخل في صدامات سياسية في مراحل من حياته، وظلت فكرة العدالة الاجتماعية حاضرة بقوة في أدبه.
لكن قيمة تجربته لا تكمن في الموقف الأيديولوجي وحده. فالأيديولوجيا تتغير، والشعارات تفقد بريقها، أما الأدب فلا يبقى إلا بقدر ما يستطيع أن يحوّل الأفكار إلى بشر من لحم ودم، لديهم خوفهم وشهواتهم وضعفهم وأحلامهم وتناقضاتهم.
وهنا يمكن النظر نقدياً إلى مشروع حنّا مينة أيضاً. فقد غلبت على بعض أعماله أحياناً نبرة مباشرة، وظهر فيها صوت الالتزام الاجتماعي والسياسي أكثر مما يحتمل البناء الفني، وهو أمر ظل موضع نقاش بين النقاد. لكن هذه الملاحظة لا تنتقص من مكانته بقدر ما تضع تجربته في سياقها التاريخي: زمن كان فيه كثير من الكتّاب العرب يرون الأدب فعلاً من أفعال التغيير، لا مجرد تمرين جمالي منفصل عن المجتمع.
وقد قال عن نفسه ما يلخّص رؤيته إلى الكتابة: «أنا كاتب الكفاح والفرح الإنسانيين». وتكاد هذه العبارة تكون المفتاح الحقيقي لعالمه كله.
الألم يصير أدباً
لم يكتب حنّا مينة عن الألم من موقع المتفرج. كانت سيرته نفسها مادة خاماً لكثير من أدبه. الفقر، النزوح، العمل المبكر، القمع، الخسارات العائلية، البحر، الموانئ، المنفى والعودة؛ كلها تركت آثارها في نصوصه.
وفي «بقايا صور» خصوصاً، اقترب من ذاكرته الأولى ومن عالم الطفولة والفاقة، مستعيداً مجتمعاً قاسياً لا يترك للضعفاء خيارات كثيرة. وفي «نهاية رجل شجاع» قدّم واحدة من أشهر شخصيات الرواية العربية المعاصرة، حيث يتداخل التمرد بالطيش، والقوة بالهشاشة، والكرامة بالمأساة.
وهذه واحدة من نقاط قوة حنّا مينة: لم يكن أبطاله ملائكة للفقراء ولا نماذج أخلاقية مصقولة. كانوا يرتكبون الأخطاء، يغضبون، يتمردون، يحبون، يكرهون ويهزمون أنفسهم أحياناً قبل أن يهزمهم الآخرون.
وقد وجدت أعماله طريقها إلى جمهور أوسع حين تحوّل عدد منها إلى السينما والتلفزيون، فانتقلت شخصياته من صفحات الكتب إلى الشاشة، وباتت أعمال مثل «نهاية رجل شجاع»، و«بقايا صور»، و«الشمس في يوم غائم»، حاضرة في الذاكرة الثقافية لأجيال عربية لم تتعرف إليه من الكتب وحدها.
ربّما كان أكثر ما يكشف الجانب الإنساني في شخصية حنّا مينة وصيته التي كتبها قبل رحيله بسنوات. فقد طلب فيها، ببساطة لافتة، ألا يتحول موته إلى مناسبة للصخب، وأن يرحل كما عاش بعيداً عن المظاهر.
كتب أنه عاش طويلاً حتى صار يخشى ألا يموت، وأنه «شبع من الدنيا»، ثم عبّر عن رغبته في أن يكون بسيطاً في مماته كما كان في حياته.
ليست تلك الكلمات مجرد نزوة رجل بلغ الشيخوخة. إنها تحمل شيئاً من التعب العميق الذي يصيب الإنسان عندما يرى جيلاً بعد جيل من رفاقه يغادرون، وتتحول ذاكرته، مع تقدم العمر، إلى مدينة يسكنها الغائبون أكثر مما يسكنها الأحياء.
كان الموت قد أخذ زوجته ورفيقة عمره، كما عرف قبله خسارات شخصية تركت ندوبها في حياته وأدبه. ومع السنوات الأخيرة بدا الرجل الذي ملأ رواياته بالعواصف أكثر ميلاً إلى الميناء الأخير.
وقال ذات مرة متسائلاً: «ما الذي أريده من الحياة؟ لغاية الآن لا أعرف ماذا أريد».
ولعلّ المفارقة أن الرجل الذي بدا في شيخوخته كأنه لم يعد يريد شيئاً من الحياة منح الحياة العربية عشرات الشخصيات والحكايات التي لم تكن لتصل إلينا لولاه.
بعد ثماني سنوات على الرحيل، السؤال الأهم ليس كم رواية كتب حنّا مينة، ولا كم عملاً تحوّل إلى مسلسل أو فيلم، بل: ماذا بقي من تجربته؟
بقي أولاً ذلك الإيمان العنيد بأن حياة الإنسان العادي تستحق أن تُروى.
بقي البحّار الذي يصارع الموج، والعامل الذي يحمل الأثقال، والمرأة التي تحاصرها قسوة المجتمع، والطفل الذي يعرف الفقر قبل أن يعرف المدرسة، والرجل الذي يقاوم لكي يحتفظ بكرامته في عالم لا يوزع الكرامة بالتساوي.
وبقي درس آخر أكثر أهمية: أن الكاتب الكبير ليس بالضرورة من وُلد في مكتبة، بل قد يأتي من الميناء والرصيف والحارة الفقيرة. وأن الثقافة لا تصنعها الشهادات وحدها، بل قد تصنعها التجربة حين تتحول إلى معرفة، والمعاناة حين يعاد تشكيلها فناً.
بحّار لا يرحل
لقد صنع حنّا مينة نفسه بنفسه، غير أن العصامية وحدها لا تصنع أديباً. كثيرون يعانون، وقليلون يستطيعون تحويل المعاناة إلى لغة، وكثيرون يرون الفقر، وقليلون يجعلون للفقراء وجوهاً وأسماءً ومصائر تبقى بعد موت أصحابها. وتلك هي المسافة التي قطعتها تجربته.
قد نختلف اليوم مع بعض رؤاه، وقد يبدو جزء من خطابه السياسي ابناً لمرحلة تاريخية انقضت، وقد تعيد الأجيال الجديدة قراءة رواياته بأدوات نقدية مختلفة، لكن الأدب الحقيقي لا يُكرّم بتحويل صاحبه إلى تمثال لا يُمسّ. بل بأن نقرأه، ونناقشه، ونختلف معه، ثم نسأل: هل ما زال قادراً على أن يقول لنا شيئاً عن الإنسان؟
وفي حالة حنّا مينة، تبدو الإجابة واضحة. فما دام في العالم فقراء يكافحون، وبحارة يَخشون العاصفة ولا يستطيعون التخلي عن البحر، وبشر يحاولون حماية كرامتهم في مواجهة القوة والظلم، ستظل في رواياته حياة يمكن العودة إليها.
رحل حنّا مينة في الحادي والعشرين من أغسطس عام 2018، لكن بحّار الرواية لم ينزل تماماً من سفينته.
بعد ثماني سنوات، ما زال البحر الذي كتبه مضطرباً، وما زالت شخصياته تقاوم الموج، وما زال صوته يأتي من بعيد ليذكّرنا بأن الأدب، حين يكون صادقاً، لا يكتفي بوصف الحياة... بل يقف إلى جانب الذين يسحقهم ثقلها.
العرب

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/05erlanger-superJumbo_0_0.jpg.webp?itok=-Tza18-v)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A_0_0_0_0.jpg.webp?itok=uJwkIJTA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1000009697_0.jpg.webp?itok=JAIdHlpn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85_6_0_0_1_13_1_9.jpg.webp?itok=h5nc3PPx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%D9%8A%D9%8A%D9%86_1_1.jpg.webp?itok=GITWNTHB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A4_3_0_0_2_0_0.jpg.webp?itok=PovzOHl2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Al-Qaeda-and-the-Houthis_1_0.jpg.webp?itok=m3wFK8u4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%83%D9%84%20%D9%83%D8%B1%D9%85%D8%A7%D9%86%20%D8%AA%D8%AB%D9%8A%D8%B1%20%D9%85%D9%88%D8%AC%D8%A9%20%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%87%D8%AC%D8%A7%D9%86%20%D8%B9%D8%A8%D8%B1%20%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%82%D8%B9%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D8%A7%D8%B5%D9%84_0_0.jpg.webp?itok=-CP5rEqg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_37_0_0_0.jpg.webp?itok=X_cwWGwT)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%88%D9%87%D8%A7%D8%AA_1_8.jpg.webp?itok=rmi9eOjM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%A7_4_0_7_2.jpg.webp?itok=_dHBi_th)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4_133_0_0_0.jpg.webp?itok=XgaEsisb)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_26.jpg.webp?itok=FsHM-4Gc)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B7%D8%A8_10_1_9.jpg.webp?itok=rD4NPNs8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/zHbVWfETFiJSZxbfHcBlWjcL9E61mEz1IkrAU5YATtBKQPF6Zh_HTjITn7JGMESGy_yk-BTRJUBrKnJCBLPmOiUUj1OHT9bCjvmNRauM-oyj3dxl-jdYEh8Qa9KS8wBHyBywBR2LPn56xv6dNBCxAhd90F8LeQAsl9u0PAPYpSnEgRpeSusFJ0WEyW_TQYS-.jpg.webp?itok=IcfUx6sJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_101_0_0_0.jpg.webp?itok=urBiYFyt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

