ظل الإخوان الطويل: كيف ترك الفكر والسياسة والاجتماع أثرًا مستمرًا على تونس؟

ظل الإخوان الطويل: كيف ترك الفكر والسياسة والاجتماع أثرًا مستمرًا على تونس؟

ظل الإخوان الطويل: كيف ترك الفكر والسياسة والاجتماع أثرًا مستمرًا على تونس؟


19/02/2026

 

مع عودة حركة النهضة إلى الحكم في 2011 بعد سنوات من المنفى، دخلت تونس مرحلة خطيرة من التأثير الإخواني المباشر على مؤسسات الدولة والمجتمع. إذ لم يكن الأمر مجرد نفوذ سياسي محدود، بل إعادة فرض أيديولوجيا دينية وسياسية مشوهة على كامل الحياة العامة، من السياسة إلى التعليم والشباب.

هذا النفوذ شكل مرحلة أزمة مركبة، إذ استغلت الحركة حالة الفراغ السياسي والاجتماعي لزرع وعي جديد لدى الشباب، قائم على الانقسام بين مؤمن وكافر، وتشجيع ثقافة الاستقطاب والرفض لكل قيم الدولة المدنية. 

وهذه البيئة سمحت بانتشار فكر متطرف بين الفئات الهشة اقتصاديًا واجتماعيًا، سواء داخل تونس أو في بؤر التوتر الإقليمية.

إرث النهضة لم يقتصر على السياسة، بل امتد إلى الأبعاد الفكرية والاجتماعية والاقتصادية، تاركًا آثارًا مستمرة على كل مستويات المشهد الوطني. فهم هذا الإرث اليوم هو شرط لفهم هشاشة الدولة التونسية، الانقسامات الاجتماعية، وصعود التطرف بين الشباب.

 

 الأثر الفكري على الشباب وبؤر التوتر

 

هذا ولم تكن سيطرة النهضة على الحكم بعد 2011  مجرد مسألة سياسية، بل محاولة لتشكيل وعي الشباب التونسي وفق أيديولوجيا إخوانية صارمة. 

وقد استغلت هذه الأيديولوجيا شعور الشباب بالإقصاء والتهميش، وربطت الانتماء الديني بالولاء السياسي، لتخلق جيلًا من الشباب يميل للتطرف الفكري ورفض الدولة ومؤسساتها.

النتيجة كانت ظهور فكر متطرف منتشر في مناطق هامشية، وانتقاله عبر شبكات التجنيد الإلكتروني إلى بؤر التوتر الإقليمية مثل سوريا وليبيا والساحل. شباب تونس الذين تأثروا بهذا الفكر أصبحوا جسورًا لنشر التطرف خارج البلاد، بينما بقي البعض الآخر في الداخل، حاملين الفكر ذاته في صمت، مهددين الاستقرار الداخلي والمشاركة المدنية البناءة.

الأثر الأكثر وضوحًا لهذا الإرث هو الأمن السياسي والاجتماعي، إذ ساهم في خلق شبكات موازية، ونشر ثقافة العنف الفكري، وتعميق الانقسامات داخل المجتمع. لم يترك هذا الإرث مجالًا للحوار أو المصالحة الفكرية، بل ساهم في تشكيل وعي شبابي يرفض الدولة ويحتكم إلى أيديولوجيا متشددة.

ويحذر مراقبون من أن هذا الإرث الفكري للإخوان منذ 2011 يمثل تهديدًا دائمًا للأمن والاستقرار التونسي، ويشكل حجر الزاوية في هشاشة الشباب وفشل بناء دولة مدنية قوية.

 الإرث السياسي وتأثيره على المؤسسات

 

حكم النهضة بعد 2011 لم يكن إلا استمرارًا لمحاولة الهيمنة على الدولة وتحويلها إلى أداة في خدمة المشروع الإخواني. سيطرت الحركة على البرلمان والحكومة، وأعادت تشكيل المشهد الحزبي بما يخدم مصالحها، مستغلة الفراغ السياسي والتشرذم بين القوى المدنية والعلمانية.

هذه الهيمنة أدت إلى أزمات مؤسساتية مستمرة، حيث أصبحت القرارات السياسية مرتبطة بالولاءات الحزبية أكثر من المصلحة الوطنية، بينما تراجعت فعالية الإدارة العامة، وتأخرت الإصلاحات الضرورية، وتحولت المؤسسات إلى أدوات تنفيذية لتثبيت نفوذ الإخوان.

ولم تسلم الجامعة والمدارس من التأثير، إذ أدى خطاب النهضة إلى تعميق الانقسامات الفكرية وتشجيع التوجهات المتشددة بين الطلاب. 

وقد أصبح شباب اليوم الذين تأثروا بهذا الإرث، إما منبوذين عن المشاركة المدنية التقليدية أو متجهين إلى خطابات متطرفة تمهد لاحقًا لمزيد من الاستقطاب السياسي والاجتماعي.

 

 الإرث الاقتصادي والاجتماعي

 

المرحلة الإخوانية بعد الثورة عمقت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في تونس، حيث ارتفعت البطالة، وتفاقمت الفوارق، وبقيت السياسات الاقتصادية عاجزة عن حماية الشباب والفئات الهشة، فيما جعلت البيئة الاقتصادية المتدهورة الشباب أكثر عرضة لتبني الفكر المتطرف واستقطاب الجماعات.

اجتماعيًا، ساهم إرث النهضة في إعادة تشكيل الخطاب حول الهوية والدين والمجتمع، ما عمّق الانقسامات وأدى إلى ظهور ثقافة اجتماعية جزئية مشوهة، ترفض الانخراط في الدولة ومؤسساتها.

وأدت شبكات الدعم الموازية التي نشأت خلال هذه الفترة إلى ضعف التماسك الاجتماعي وانعدام الثقة بالمؤسسات الرسمية.

وقد أدى الإرث الاقتصادي والاجتماعي للإخوان إلى تفشي الهشاشة، وتعزيز الانقسامات، وجعل المجتمع أكثر قابلية للتأثر بالفكر المتطرف، مما يفسر جزئيًا استمرار هشاشة الدولة التونسية بعد أكثر من عقد على الثورة.

 

 الأثر الأمني والاستراتيجي للإخوان على تونس

 

الإرث الإخواني لم يترك البلاد في أمان، بل ساهم في تعميق هشاشة الدولة أمنياً واستراتيجياً، حيث أصبح الشباب المتأثر بالفكر الإخواني قوة محتملة للتهديد الداخلي والخارجي، سواء عبر الانخراط في الجماعات المسلحة، أو عبر دعم خطاب متطرف يضعف الأمن الداخلي ويهدد الاستقرار المجتمعي.

إلى ذلك، تركت سياسات النهضة والهيمنة على المؤسسات فراغات في أجهزة الأمن، الجيش، والإدارة المحلية، ما جعل تونس أكثر عرضة للتغلغل الفكري المتطرف وانتشار شبكات التطرف، وهو ما ظهر لاحقًا في بعض المناطق الحدودية والمهمشة التي شهدت نشاطات مرتبطة بالإرهاب.

الجانب الاستراتيجي لهذا الإرث يشمل أيضًا تأثيره على السياسة الخارجية والأمن الإقليمي، إذ أضعفت سيطرة النهضة على القرار قدرة الدولة على مواجهة تهديدات بؤر التوتر، وجعلت تونس بيئة خصبة لاستغلال الجماعات الإقليمية المتطرفة.

هذا ويعكس البعد الأمني والاستراتيجي للإخوان منذ 2011 فشل الدولة في بناء مؤسسات صلبة وحماية الشباب من التطرف، ويؤكد أن الإرث الإخواني لم يكن مجرد نفوذ سياسي، بل عامل تهديد شامل للأمن الوطني والاستقرار الاستراتيجي للبلاد.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية