شرق أوسط بلا أيديولوجيات: هل بدأ عصر “المصلحة أولًا”؟

شرق أوسط بلا أيديولوجيات: هل بدأ عصر “المصلحة أولًا”؟

شرق أوسط بلا أيديولوجيات: هل بدأ عصر “المصلحة أولًا”؟


20/08/2026

محمد صالح الهوني

لم يعد السؤال الأكثر أهمية في الشرق الأوسط هو: من يقف مع من؟ بل: ماذا يريد كل طرف أن يحقق، وما الثمن الذي يستطيع أن يدفعه، وما الذي يمكن أن يحصل عليه في المقابل؟ هذه النقلة في طريقة تفكير دول المنطقة تبدو أكثر وضوحًا اليوم من أي وقت مضى. فالمشرق والخليج وشمال أفريقيا يبدوان وكأنهما يغادران تدريجيًا مرحلة كانت السياسة فيها تُقاس بصلابة الانتماء إلى محور أو عقيدة أو مشروع إقليمي، نحو مرحلة أكثر برودة وحسابًا.

لكن وصف هذا التحول بأنه “نهاية الأيديولوجيا” قد يكون مبالغًا فيه. الأيديولوجيات لم تختفِ، ولا تزال إيران تتحرك ضمن تصور ثوري وأمني خاص بها، ولا تزال جماعات الإسلام السياسي حاضرة، كما أن القومية العربية والتركية والفارسية لم تتحول إلى مجرد ذكريات. الجديد هو أن الدولة نفسها أصبحت أكثر استعدادًا لتجاوز الأيديولوجيا عندما تتعارض مع مصالحها المباشرة.

يمكن رؤية ذلك بوضوح في السعودية. فالرياض التي كانت لعقود جزءًا من منظومة إقليمية شديدة الحساسية تجاه صعود إيران، اختارت في 2023 أن تستعيد العلاقات الدبلوماسية مع طهران بوساطة صينية. لم يكن ذلك تحولًا في هوية السعودية ولا مصالحة أيديولوجية مع الجمهورية الإسلامية، بل كان اعترافًا بأن إدارة الخصومة أقل كلفة من استمرارها مفتوحة. واليوم، وسط الحرب والتوترات الإقليمية، تبدو الرياض أكثر اهتمامًا بحماية أراضيها ومنشآتها وممراتها التجارية، وفي الوقت نفسه الحفاظ على مسارها الاقتصادي الطموح، من الانجرار إلى حرب شاملة لا تخدم مشروعها الوطني.

هذه هي السعودية الجديدة في جوهرها: دولة تريد أن تكون قوة إقليمية، لكنها لا تريد أن يكون نفوذها مرهونًا بحرب دائمة. وحتى التحالف الدفاعي الذي تشكل مع تركيا وباكستان في ظل الأزمة الحالية يمكن قراءته ضمن هذا المنطق؛ إنه محاولة لتوسيع هامش الحركة الإستراتيجية، وليس بالضرورة تأسيس محور أيديولوجي جديد.

الإمارات تقدم نموذجًا أكثر وضوحًا لهذه البراغماتية. فقد انتقلت خلال السنوات الأخيرة من سياسة تقوم بدرجة كبيرة على مواجهة الإسلام السياسي والنفوذ الإقليمي المنافس إلى سياسة متعددة المسارات، تتعامل فيها مع القوى المختلفة بحسب الملف والمصلحة. العلاقة مع تركيا مثال مهم.

المفارقة هنا أن الدولتين لم تتفقا فجأة على قراءة واحدة للمنطقة، ولم تختفِ الاختلافات بينهما، لكنهما اكتشفتا أن الاقتصاد يستطيع أن يكون أكثر فاعلية من الخطابات السياسية في إدارة الخلاف.

تركيا نفسها تقدم المثال الأكثر إثارة للاهتمام على هذا التحول. فأنقرة التي لعبت خلال سنوات الربيع العربي دورًا أيديولوجيًا واضحًا في دعم جماعات الإسلام السياسي، أعادت خلال السنوات الأخيرة ترتيب علاقاتها مع السعودية ومصر والإمارات. ولم يكن ذلك مجرد تغير في النبرة الدبلوماسية؛ كان وراءه اقتصاد وجغرافيا سياسية وحاجة إلى إنهاء حالة العزلة الإقليمية.

واللافت أن هذا المسار لم يتوقف عند المصالح الاقتصادية. ففي آب/أغسطس 2026، دعا الرئيس التركي أردوغان واشنطن إلى العودة إلى المفاوضات مع إيران، وعرض دعم تركيا للجهود الدبلوماسية، في الوقت الذي كانت فيه أنقرة تحاول الحفاظ على قنواتها مع واشنطن وطهران ودول المنطقة في آن واحد.

ومصر، بدورها، تتحرك بالطريقة نفسها تقريبًا. القاهرة لا تستطيع تحمل حرب إقليمية مفتوحة، ولا تستطيع في الوقت نفسه الابتعاد عن الخليج أو عن الولايات المتحدة أو عن القوى العربية الرئيسية. ولذلك تبدو سياستها الخارجية في السنوات الأخيرة أقرب إلى إدارة التوازنات منها إلى قيادة محور أيديولوجي.

أما المغرب، فقد قطع منذ سنوات شوطًا بعيدًا في تحويل السياسة الخارجية إلى أداة للمصلحة الاقتصادية والسيادية. الرباط لا تتعامل مع أفريقيا وأوروبا والخليج والولايات المتحدة من خلال محور واحد، بل من خلال شبكة مصالح. وهي تدرك أن موقعها الجغرافي يمكن أن يتحول إلى قيمة اقتصادية إذا أحسنت إدارة علاقاتها المتعددة.

وعُمان ربما تكون المثال الأكثر وضوحًا على الدولة التي جعلت البراغماتية جزءًا من هويتها الدبلوماسية. مسقط لم تكن يومًا دولة محاور صلبة، بل دولة وساطة واتصال. ترى قيمة استراتيجية في امتلاك القدرة على التواصل مع الخصوم، لا في قطع العلاقات معهم. حتى التوتر الذي نشأ حول الدور العماني في الوساطة الأميركية الإيرانية يكشف أهمية هذا الدور أكثر مما ينفيها.

لكن إيران تمثل الاختبار الأصعب لهذه الفرضية. فهي الدولة الأكثر تمسكًا بالأيديولوجيا في المنطقة، ومع ذلك هي لا تتحرك بالأيديولوجيا وحدها. الجمهورية الإسلامية تستخدم الخطاب الثوري، لكنها تفاوض عندما تحتاج إلى التفاوض، وتبيع النفط، وتتعامل مع الصين، وتستخدم أدوات اقتصادية وجيوسياسية إلى جانب أدواتها الأيديولوجية.

وهنا تظهر المفارقة الكبرى: حتى الدولة التي تبدو الأكثر أيديولوجية في الشرق الأوسط مضطرة إلى ممارسة قدر كبير من البراغماتية لكي تبقى. وهذا يعني أن “عصر المصلحة أولًا” لا يعني بالضرورة اختفاء الأيديولوجيا، وإنما تراجع قدرتها على احتكار القرار.

حتى أزمة مضيق هرمز، التي أعادت المنطقة إلى منطق الجغرافيا العسكرية، أنتجت سلوكًا اقتصاديًا شديد البراغماتية. شركات صينية حكومية كبرى أعادت توجيه عملياتها بعيدًا عن المضيق وباب المندب، واستخدمت عمليات نقل من سفينة إلى أخرى قرب الفجيرة والموانئ العمانية لتقليل المخاطر. وفي الوقت نفسه، عادت السعودية إلى استخدام مسارات وموانئ بديلة مثل ينبع وسيدي كرير، رغم ارتفاع التكلفة.

لكن هل يعني ذلك أننا دخلنا فعلًا مرحلة “ما بعد الأيديولوجيا”؟

ليس تمامًا. فالشرق الأوسط لا يزال يحمل أعباء الماضي. فلسطين ما زالت قضية مركزية، وإيران لا تزال تستخدم خطاب المقاومة، وتركيا لم تتخل عن إرثها السياسي، والإسلام السياسي لم يختفِ، كما أن المنافسة السعودية الإيرانية لم تتحول إلى صداقة استراتيجية. بل إن الحرب الحالية أثبتت أن الخلافات العميقة يمكن أن تعود بسرعة عندما تتغير الظروف.

لكن الفرق أن هذه الخلافات لم تعد كافية وحدها لتحديد علاقات الدول.

قد تكون الدولة مختلفة أيديولوجيًا عن شريكها، لكنها تستثمر معه. وقد تكون في خصومة سياسية معه، لكنها تتعاون أمنيًا في ملف محدد.

وهذه ربما هي السمة الأبرز للشرق الأوسط الجديد: تعدد الشراكات بدل التحالفات المغلقة.

إذا كان هذا التحول مستمرًا، فإن الشرق الأوسط لا يدخل عصرًا بلا أيديولوجيات بقدر ما يدخل عصرًا تُوضع فيه الأيديولوجيات تحت اختبار المصلحة.

العرب




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية