شبكات الإخوان في أوروبا: التعليم والدين والمال كأدوات نفوذ

شبكات الإخوان في أوروبا: التعليم والدين والمال كأدوات نفوذ

شبكات الإخوان في أوروبا: التعليم والدين والمال كأدوات نفوذ


15/09/2025

شهدت أوروبا في العقود الأخيرة توسعًا ملحوظًا في نشاط جماعة الإخوان المسلمين، التي لم تقتصر على العمل السياسي المباشر، بل أنشأت شبكة من المؤسسات التعليمية، الدينية، والمالية التي تهدف إلى بناء نفوذ طويل الأمد داخل المجتمعات المسلمة. 

ففي فرنسا وألمانيا وبريطانيا، أسست الجماعة مدارس، مساجد، جمعيات خيرية، ووسائل إعلام رقمية، مستغلة قوانين الحريات الدينية والاجتماعية لتأسيس قاعدة اجتماعية وفكرية متماسكة.

وتعتمد الجماعة على استراتيجية "النفوذ الناعم"، التي تهدف إلى نشر قيمها وأيديولوجيتها بعيدًا عن المواجهة المباشرة، من خلال البرامج التعليمية، النشاط الاجتماعي، والمحتوى الإعلامي. 

وقد لاحظت الدراسات الأوروبية، مثل تقرير البرلمان الفرنسي الصادر عام 2023، أن هذه الشبكات أصبحت مؤثرة على السياسات المحلية، لا سيما في ما يتعلق بالقوانين المرتبطة بالتمويل الديني، التعليم، والممارسات الثقافية.

 

تاريخ التأسيس ونشأة التنظيم في أوروبا

 

بدأ نشاط الإخوان في أوروبا منذ الستينيات والسبعينيات، بعد أن لجأ عدد من قيادات الجماعة إلى فرنسا وبريطانيا وألمانيا نتيجة الضغوط السياسية في مصر، حيث وجدوا فرصة لإعادة بناء نشاطهم بعيدًا عن القيود المحلية. 

في فرنسا، تأسست أولى الجمعيات الإخوانية خلال الثمانينيات، مثل جمعية "مسلمو فرنسا"، والتي ركزت على تقديم الدعم الاجتماعي للمهاجرين وتنظيم ندوات ثقافية ودينية للشباب. وقد أظهرت دراسة جامعة باريس (2024) أن هذه الجمعيات لعبت دورًا محوريًا في تأسيس أول المدارس الإسلامية التي تعمل وفق منهج إخواني، مستهدفة بناء هوية دينية وفكرية متماسكة بين الجاليات المسلمة.

نشأة هذه الشبكات لم تكن عشوائية بل شكلت جزءًا من استراتيجية طويلة المدى تهدف إلى بناء قاعدة اجتماعية وفكرية متماسكة

وفي ألمانيا، ظهر النشاط الإخواني بشكل مكثف في المدن الكبرى مثل برلين وكولونيا، حيث أسست الجماعة مراكز ثقافية ودينية تقوم بتعليم اللغة العربية والدين الإسلامي وفق رؤية الجماعة، إضافة إلى تنظيم أنشطة طلابية وشبابية تهدف إلى تكوين شبكة اجتماعية متماسكة بين المسلمين الأوروبيين.

 أما في بريطانيا، فقد ركز الإخوان على تأسيس مدارس ومراكز إسلامية في لندن ومانشستر منذ الثمانينيات، مع ربطها بشبكات من الجمعيات الخيرية التي تمول هذه المدارس، وهو ما أكده تقرير الحكومة البريطانية (2014) الذي أشار إلى دور هذه المدارس في "تعزيز الهوية الدينية والفكر الإخواني لدى الأطفال والشباب".

وتشير التحليلات إلى أن نشأة هذه الشبكات لم تكن عشوائية، بل شكلت جزءًا من استراتيجية طويلة المدى تهدف إلى بناء قاعدة اجتماعية وفكرية متماسكة، مدعومة بتمويل محلي وخارجي لتثبيت حضور الجماعة الثقافي والسياسي في أوروبا.

 

استراتيجيات النفوذ: جمعيات ومدارس ومؤسسات إعلامية

 

تعمل جماعة الإخوان في أوروبا على تكوين نفوذ واسع ومتعدد المستويات، يعتمد على الجمعيات الخيرية والدينية، المدارس والمراكز التعليمية، والمؤسسات الإعلامية، جميعها مترابطة في استراتيجية واحدة تهدف إلى بناء قاعدة اجتماعية وفكرية مستقرة.

وتلعب الجمعيات دورًا محوريًا في هذا السياق، إذ تقدم خدمات اجتماعية للشباب والمسنين، وتشجع على المشاركة في الأنشطة الثقافية والدينية، ما يعزز الثقة في الجماعة ويكسبها قاعدة اجتماعية واسعة.

 وفي فرنسا، على سبيل المثال، تساهم جمعيات مثل "جمعية التربية الإسلامية" في تقديم دورات تعليمية وورش عمل دينية، مدعومة بالتمويل الخارجي الذي يساعد على استمرار هذه الأنشطة وتوسيع دائرة تأثيرها.

إلى جانب الجمعيات، تمثل المدارس والمراكز التعليمية أداة أساسية لنشر الفكر الإخواني بين الأجيال الجديدة. فهي لا تقتصر على التعليم الديني، بل تشمل المناهج الدراسية التي تدمج القيم الإسلامية مع الأنشطة اللاصفية التي تعزز الولاء الفكري للجماعة.

تمثل المدارس والمراكز التعليمية أداة أساسية لنشر الفكر الإخواني بين الأجيال الجديدة

أما في بريطانيا، فتعد مدارس مثل "مدرسة الفاروق الإسلامية" مثالًا على المدارس التي استهدفت الشباب المسلم، وتعرضت لمراجعات حكومية بسبب محتوى المناهج والخطاب الديني، وفق تقرير الحكومة البريطانية (2014).

كما تسعى الجماعة لاستخدام الإعلام الرقمي والتقليدي لتعزيز نفوذها، عبر منصات إلكترونية وقنوات على الإنترنت تهدف إلى التأثير على الجاليات المسلمة ونشر الرؤية الإخوانية للأحداث والقضايا المحلية والدولية.

هذه الاستراتيجية الإعلامية تكمل النشاط التعليمي والاجتماعي، ما يجعل نفوذ الجماعة متشابكًا ومؤثرًا. ويظهر التمويل كعامل أساسي في استمرار هذه الشبكات، إذ يعتمد الإخوان على مزيج من الموارد المحلية والخارجية لدعم المدارس والجمعيات والمشاريع الإعلامية، مما يصعب على الحكومات الأوروبية حصر نشاطهم أو الحد منه.

 

ردود الحكومات الأوروبية والإجراءات الأمنية

 

هذا وواجهت الحكومات الأوروبية نشاط الإخوان بمزيج من الرقابة القانونية والمراقبة الأمنية، إلى جانب مراجعات دورية للمناهج التعليمية والبرامج الدينية.

ففي فرنسا، أصدرت الحكومة في 2025 تشريعات تقيّد التمويل الأجنبي للجمعيات الدينية، مع مراقبة دقيقة للمحتوى التعليمي والخطاب الديني داخل المساجد والمدارس الخاصة. كما تم تعزيز برامج تدريب الأئمة لضمان توافق التعليم الديني مع القيم العلمانية الفرنسية، في محاولة للحد من التأثير السياسي والثقافي للجماعة.

وفي ألمانيا، ركزت السلطات على مراقبة الجمعيات الطلابية والإسلامية، وفرض برامج لإعادة تأهيل الشباب المعرضين للتأثير الإخواني، بالإضافة إلى وضع ضوابط صارمة على التمويل الخارجي للمؤسسات الدينية والتعليمية.

تسعى الجماعة لاستخدام الإعلام الرقمي والتقليدي لتعزيز نفوذها عبر منصات إلكترونية وقنوات على الإنترنت 

 أما في بريطانيا، فقد اعتمدت الحكومة على مراجعة شاملة لأنشطة الإخوان منذ عام 2014، مع التركيز على المدارس والمراكز الدينية، وإلزام الجمعيات الخيرية بالإفصاح عن مصادر التمويل، إلى جانب تطوير برامج توعية للشباب والمجتمع المدني حول مخاطر التطرف والتأثير الخارجي.

ورغم هذه الإجراءات، يظل نشاط الإخوان مستمرًا بفضل قدرتهم على التكيف واستحداث شبكات جديدة عند مواجهة أي عقبة، ما يجعل مراقبتهم عملية مستمرة ومتجددة تتطلب تضافر الجهود الأمنية والتربوية والاجتماعية.

بالتالي فإن جماعة الإخوان في أوروبا تعتمد على استراتيجية متعددة المستويات تشمل التعليم، الجمعيات، الإعلام، والتمويل لبناء نفوذ طويل الأمد على المجتمع والسياسة. 

وبينما تتخذ الحكومات إجراءات صارمة للحد من هذا النفوذ، يظل تأثير الجماعة حاضرًا، ما يستدعي متابعة مستمرة وتقييمًا دوريًا لضمان التوازن بين الحقوق الدينية والثقافية والأمن الوطني.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية