حسونة المصباحي.. كاتب ظل مسافرًا بين النص والمكان

حسونة المصباحي.. كاتب ظل مسافرًا بين النص والمكان

حسونة المصباحي.. كاتب ظل مسافرًا بين النص والمكان


13/09/2026

مختار الدبابي

حين تستعيد مدينة أصيلة في موسمها الثقافي المقبل تجربة الكاتب والروائي التونسي حسونة المصباحي، فإنها لا تستعيد اسماً أدبياً رحل فحسب، وإنما تستعيد كاتباً كانت حياته نفسها أشبه برحلة طويلة بين الأمكنة واللغات والذاكرة. فالندوة التي تحمل عنوان «حسونة المصباحي: سفري في التعابير والأمكنة» تبدو، في عنوانها، أقرب إلى مفتاح لقراءة رجل لم يكن السفر عنده انتقالاً جغرافياً، وإنما طريقة في النظر إلى العالم والكتابة عنه.

وتخصص الدورة الخريفية السابعة والأربعون من موسم أصيلة الثقافي الدولي، المقررة بين 2 و18 أكتوبر 2026، لقاء لتجربة المصباحي إلى جانب برنامج واسع يجمع الفكر والأدب والفنون. ويأتي هذا الاحتفاء بعد أكثر من عام على رحيله في 4 يونيو 2025 عن 75 عاماً، وبعد مسيرة ترك خلالها أثراً في الرواية والقصة القصيرة وأدب الرحلة والترجمة والصحافة الثقافية.

لكن أصيلة لا تستعيد المصباحي من بعيد. فالمدينة كانت إحدى محطات تجربته الثقافية، وحصل فيها على جائزة محمد زفزاف للرواية العربية عام 2016 عن مجمل أعماله، وهي جائزة ارتبطت بأسماء بارزة في الرواية العربية. وظل المصباحي حاضراً في مواسم أصيلة وفعالياتها، حتى تحولت المدينة إلى جزء من ذاكرته الثقافية والشخصية.

البداية من الريف

ربما يكون من الصعب فهم حسونة المصباحي من دون العودة إلى المكان الذي بدأ منه كل شيء: ريف القيروان.

ولد المصباحي عام 1950 في منطقة ريفية بولاية القيروان، وتلقى تعليمه الأول هناك، قبل أن ينتقل إلى تونس العاصمة لاستكمال دراسته. درس الآداب الفرنسية، ثم عمل مدرساً للغة الفرنسية، قبل أن ينتقل إلى الصحافة والكتابة الأدبية. وتشير المصادر التي تناولت سيرته إلى أنه بدأ منذ مطلع الثمانينات التعاون مع صحف ومجلات عربية مهاجرة، وهو ما فتح أمامه مبكراً باباً آخر على العالم العربي خارج حدوده المحلية.

كان الانتقال من القرية إلى العاصمة أول سفر كبير في حياته، لكنه لم يكن الأخير. فالريف الذي غادره جغرافياً لم يغادره أدبياً. ظل حاضراً في شخصياته وذاكرته وفي صورة العالم الأولى التي تشكلت في داخله.

لهذا تبدو طفولة المصباحي، في ضوء أعماله اللاحقة، وكأنها لم تكن مرحلة انتهت، وإنما مكاناً ظل يعود إليه كلما ابتعد. القرية والشخصيات الشعبية والذاكرة الريفية والتحولات الاجتماعية، كلها وجدت طريقها إلى أعماله، حتى عندما أصبح يعيش في مدينة أوروبية بعيدة آلاف الكيلومترات.

وكان هذا واحداً من التناقضات الجميلة في تجربته: كلما اتسعت جغرافيا حياته، بدا المكان الأول أكثر حضوراً في كتابته.

السفر الذي أصبح إقامة

في عام 1985 انتقل المصباحي إلى ميونيخ، وهناك بدأت واحدة من أطول محطات حياته وأكثرها تأثيراً. أقام في ألمانيا حتى عام 2004، وعمل سكرتير تحرير لمجلة «فكر وفن» الموجهة إلى العالم العربي، كما كتب في الصحافة الألمانية عن الثقافة العربية ورموزها.

لم تكن ميونيخ مجرد مدينة أقام فيها كاتب عربي مهاجر. كانت مختبراً ثقافياً أعاد فيه المصباحي ترتيب علاقته بالثقافة واللغة والآخر.

كان يعيش في أوروبا، لكنه لم يتخل عن موقعه ككاتب عربي. كان ينظر إلى الثقافة العربية من مسافة، وفي الوقت نفسه يعرّف القارئ الأوروبي ببعض رموزها وأسئلتها. كتب عن طه حسين ونجيب محفوظ والطيب صالح وأدونيس، وعمل في مساحة جعلته يتحرك بين عالمين ثقافيين.

وهنا أصبح السفر أكثر من حركة في الجغرافيا. صار مسافة معرفية.

فالكاتب الذي يغادر بلده لا يرى المكان بالطريقة نفسها بعد الرحيل. الأشياء التي كانت عادية تصبح قابلة للتأمل، واللغة اليومية تتحول إلى ذاكرة، والأصوات القديمة تصبح أكثر وضوحاً عندما تغيب.

وقد عبّر المصباحي في إحدى شهاداته عن هذا الحنين بطريقة شديدة الإنسانية، متحدثاً عن استماعه إلى المالوف والأغاني التونسية خلال غربته الألمانية، وما كان يثيره ذلك فيه من حنين إلى بلده.

كانت ميونيخ إذن مكاناً للابتعاد ومكاناً للعودة في الوقت نفسه.

الكاتب الذي لم يجعل المنفى قطيعة

لم يكن المصباحي من الكتاب الذين تعاملوا مع المنفى باعتباره نهاية للعلاقة مع الوطن. على العكس، يبدو أن الابتعاد جعله أكثر التصاقاً بذاكرته الأولى.

وهذا ما يمنح تجربته خصوصيتها. فهو لم يكتب عن أوروبا باعتبارها بديلاً عن تونس، ولم يكتب عن تونس باعتبارها وطناً مثالياً ضائعاً. كان يتحرك بين المكانين وفي داخله سؤال مستمر عن الإنسان الذي يتغير عندما يغير المكان.

في أعماله تتجاور الذاكرة مع الغربة، والشخصية الشعبية مع المدينة الأوروبية، والحكاية المحلية مع الأسئلة الإنسانية الأوسع.

ومن رواياته «هلوسات ترشيش»، و«الآخرون»، و«وداعاً روزالي»، و«نوارة الدفلى»، و«حكاية تونسية»، و«يتيم الدهر»، إلى جانب مجموعاته القصصية «حكاية جنون ابنة عمي هنية»، و«ليلة الغرباء»، و«السلحفاة»، و«الأميرة الزرقاء». كما ترك تجربة في اليوميات وأدب الرحلة، من بينها «يوميات ميونيخ 2001-2004».

حتى عناوين بعض هذه الأعمال تحمل شيئاً من جغرافيا المصباحي الداخلية: الآخرون، الغرباء، الرحلة، الوداع، اليوميات. إنها مفردات كاتب كان مشغولاً دائماً بالمسافة بين الذات والعالم.

حين يصبح المكان شخصية

لم يكن غريباً، والحال هذه، أن يجد المصباحي نفسه قريباً من أدب الرحلة.

فالرحلة عنده لم تكن مجرد وصف للمدن والطرقات والمطاعم والأشخاص. كان المكان مدخلاً إلى سؤال أعمق: ماذا يفعل بنا المكان؟ وكيف نراه عندما نغادره؟ وماذا يبقى منه في الذاكرة؟

لهذا يصعب الفصل بين أدب الرحلة في تجربته وبين رواياته وقصصه. فالمكان يتحرك معه من كتاب إلى آخر، وقد تصبح المدينة شخصية، وقد تتحول القرية إلى ذاكرة، وقد يصبح المنفى جزءاً من بناء الشخصية لا مجرد خلفية للأحداث.

وهنا ربما تكمن أهمية عنوان الندوة في أصيلة: «سفري في التعابير والأمكنة».

فالمصباحي لم يسافر بين الأمكنة فقط، وإنما بين التعابير أيضاً. درس الفرنسية، وكتب بالعربية، وعاش في ألمانيا، وترجم من الفرنسية إلى العربية، واشتغل صحافياً في فضاء ثقافي متعدد اللغات. وقد ترجم عشرات الأعمال من الفرنسية إلى العربية، بما يعكس موقعه كوسيط بين ثقافات مختلفة.

كان السفر عنده، بهذا المعنى، انتقالاً بين اللغات كما هو انتقال بين المدن.

أصيلة.. مكان آخر في الذاكرة

حين وصل المصباحي إلى أصيلة، وجد مدينة تشبه بعض أسئلته.

مدينة مغربية صغيرة مفتوحة على البحر، لكنها تتحول خلال موسمها الثقافي إلى فضاء عربي ودولي يلتقي فيه الكتاب والمفكرون والفنانون. وكان المصباحي من أولئك الذين وجدوا في هذا المناخ ما يتجاوز حضور الندوات والمناسبات الرسمية.

أصيلة بالنسبة إليه لم تكن محطة مهرجانية فقط، وإنما مكاناً للقاء والصداقة والحوار. ولذلك فإن استعادته فيها تبدو مختلفة عن استعادته في مكان آخر.

لقد سبق للمدينة أن احتفت به حين منحته جائزة محمد زفزاف عام 2016، تقديراً لمجمل تجربته الأدبية. وكانت الجائزة بمثابة اعتراف عربي بتجربة لم تكن محصورة في الرواية وحدها، وإنما امتدت إلى القصة وأدب الرحلة والترجمة والعمل الصحفي.

وبذلك تصبح أصيلة، في سيرته، واحدة من المدن التي لم يمر بها فقط، بل تركت فيه شيئاً وأخذت منه شيئاً.

العودة إلى تونس

بعد نحو عقدين من الحياة في ميونيخ، عاد المصباحي إلى تونس عام 2004، ليقيم في السنوات الأخيرة بمدينة الحمامات.

لكن العودة لم تكن إلغاءً للسنوات الألمانية. فالمسافر لا يعود كما خرج.

عاد المصباحي ومعه ميونيخ، كما حمل معه القرية والعاصمة وأصيلة ومدناً أخرى عبرها في حياته. كانت الأمكنة السابقة قد تحولت إلى طبقات من الذاكرة، وكل واحدة منها أصبحت جزءاً من الكاتب الذي عاد.

ولهذا لا تبدو سيرته خطاً مستقيماً من تونس إلى ألمانيا ثم العودة إلى تونس. إنها أقرب إلى دوائر متداخلة: يخرج من مكان ليكتشفه من جديد، ويبتعد عن وطنه ليعيد بناءه في الذاكرة، ويعيش في مدينة أجنبية ليكتشف أن المكان الأول لم يفقد حضوره.

كاتب ظل يسافر

ربما لهذا السبب يصعب وضع حسونة المصباحي في خانة واحدة.

كان روائياً وقاصاً وصحافياً ومترجماً وكاتب رحلات، لكنه قبل ذلك كله كان كاتباً مشغولاً بالمسافة. المسافة بين القرية والمدينة، وبين تونس وأوروبا، وبين الوطن والمنفى، وبين اللغة العربية والفرنسية، وبين الذاكرة والحاضر.

حصل على جائزة وزارة الثقافة التونسية للقصة القصيرة عام 1986، وفازت «هلوسات ترشيش» بجائزة «توكان» لأفضل كتاب في ميونيخ، كما وصلت قصته «السلحفاة» إلى القائمة القصيرة لجائزة كين للأدب الإفريقي، قبل أن يحصد جائزة محمد زفزاف في أصيلة عام 2016.

لكن الجوائز، على أهميتها، لا تختصر مسيرته.

الأهم أنه ترك وراءه أدباً يشبه حياته: متحركاً، مفتوحاً على أكثر من ثقافة، ومشغولاً بالمكان من دون أن يقع في أسر المكان.

رحل المصباحي في يونيو 2025، لكن سيرته لا تبدو مكتملة عند لحظة الرحيل. فما تركه من كتب وشخصيات وأمكنة يواصل السفر بدلاً منه.

وهنا ربما تصبح أصيلة أفضل مكان لاستعادته. فالمدينة التي عرفته كاتباً وصديقاً وضيفاً ثقافياً تعيد اليوم قراءة رجل كانت حياته كلها تقريباً رحلة طويلة.

من ريف القيروان إلى تونس، ومن تونس إلى ميونيخ، ومن ميونيخ إلى أصيلة، ثم العودة إلى تونس، ظل المصباحي يغيّر الأمكنة من حوله، لكنه لم يتوقف عن حمل أمكنته الأولى معه.

ولهذا يمكن قراءة حياته كلها باعتبارها سؤالاً واحداً ممتداً: هل يسافر الكاتب من المكان، أم أن المكان يسافر معه؟

في حالة حسونة المصباحي، يبدو أن الاثنين حدثا معاً. غادر الأمكنة، لكنه أبقاها حية في الكتابة. عاش بعيداً عن تونس، لكنه لم يقطع الحبل الذي يربطه بها. عاد إليها، لكنه لم يعد الرجل نفسه الذي غادرها.

ربما لم يكن المصباحي كاتباً كتب عن السفر بقدر ما كان كاتباً عاش السفر، ثم حوّل مسافاته كلها إلى أدب.

لهذا تبدو أصيلة، وهي تستعيد المصباحي بعد رحيله، وكأنها تعيد فتح السؤال الذي رافق تجربته: ماذا يبقى من المكان عندما يغادره الإنسان؟ وهل يستطيع الكاتب أن يبتعد عن وطنه جغرافيًا من دون أن يبتعد عنه أدبيًا؟

وربما لهذا السبب تحديدًا يبدو عنوان الندوة دقيقًا: «سفري في التعابير والأمكنة». فالمصباحي أمضى حياته متنقلًا بين الأمكنة، لكنه ترك في النهاية أدبًا يقول إن الكاتب قد يغادر المكان، غير أن المكان لا يغادر الكاتب بسهولة.

العرب




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية